الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬33‭)‬

بواسطة azzaman

تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬33‭)‬

حسن النواب

 

عند‭ ‬الغروب،‭ ‬صعدنا‭ ‬إلى‭ ‬حافلةٍ‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬الفندق،‭ ‬كأننا‭ ‬في‭ ‬مركبٍ‭ ‬سكران‭ ‬يشقُّ‭ ‬آخر‭ ‬خيطٍ‭ ‬من‭ ‬الضوء،‭ ‬لتأخذنا‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬ريتشارد،‭ ‬شريان‭ ‬العاصمة‭ ‬سنغافورة‭ ‬وعمودها‭ ‬الفقري‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يهدأ‭. ‬بعد‭ ‬ربع‭ ‬ساعة‭ ‬هبطنا‭ ‬في‭ ‬مرآبٍ‭ ‬خلفيٍّ‭ ‬أنيق،‭ ‬ثم‭ ‬سرنا‭ ‬في‭ ‬ممرٍّ‭ ‬مضاء‭ ‬بنورٍ‭ ‬بنفسجي‭ ‬خافت،‭ ‬تحفُّ‭ ‬بجانبيه‭ ‬شجيراتُ‭ ‬الخزامى‭ ‬كأنها‭ ‬حرسٌ‭ ‬عطريٌّ‭ ‬يرافق‭ ‬الغرباء‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭. ‬كان‭ ‬الممرُّ‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬شارعٍ‭ ‬عريضٍ‭ ‬جدًا،‭ ‬شارعٍ‭ ‬يشبه‭ ‬نهرًا‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬يتدفّق‭ ‬بلا‭ ‬انقطاع‭. ‬شدّت‭ ‬أنظارنا‭ ‬امرأةٌ‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬منصةٍ‭ ‬مرتفعة‭ ‬قرب‭ ‬إشارة‭ ‬المرور‭. ‬وجهُها‭ ‬مطليٌّ‭ ‬بالذهب،‭ ‬ويدُها‭ ‬اليمنى‭ ‬مغطاةٌ‭ ‬بقفازٍ‭ ‬ذهبيٍّ‭ ‬أيضًا،‭ ‬تحمل‭ ‬عصًا‭ ‬طويلة‭ ‬كأنها‭ ‬صولجانُ‭ ‬ملكةٍ‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬كتابٍ‭ ‬أسطوري‭. ‬كانت‭ ‬تفتح‭ ‬فمها‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬فينطلق‭ ‬منهُ‭ ‬سربُ‭ ‬فراشاتٍ‭ ‬ملوّنة،‭ ‬يتطاير‭ ‬حول‭ ‬رأسها‭ ‬بمشهدٍ‭ ‬يربك‭ ‬العين‭ ‬ويعقد‭ ‬ألسنة‭ ‬المتفرجين‭. ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬فتفتح‭ ‬فمها،‭ ‬فتختفي‭ ‬الفراشات‭ ‬في‭ ‬كهفٍ‭ ‬غامضٍ‭ ‬داخله،‭ ‬كأنها‭ ‬تبتلع‭ ‬الضوء‭ ‬نفسه‭. ‬التقطت‭ ‬ابنتي‭ ‬حُسنى‭ ‬صورًا‭ ‬لها،‭ ‬لكن‭ ‬المفاجأة‭ ‬أنَّ‭ ‬الفراشات‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صورة،‭ ‬كأنها‭ ‬كانت‭ ‬وهماً‭ ‬بصريًا‭ ‬أو‭ ‬خدعةً‭ ‬بارعةً‭ ‬من‭ ‬امرأةٍ‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تُربك‭ ‬الواقع‭ ‬وأنظار‭ ‬المتفرجين‭. ‬انتقلنا‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬رجلٍ‭ ‬يرتدي‭ ‬معطفًا‭ ‬أسود‭ ‬قصيرًا‭ ‬وبنطلونًا‭ ‬من‭ ‬جلد‭ ‬الأفعى،‭ ‬وقد‭ ‬وضع‭ ‬قبعةً‭ ‬سوداء‭ ‬على‭ ‬رأسه‭. ‬كان‭ ‬واقفًا‭ ‬كتمثالٍ‭ ‬من‭ ‬الشمع،‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬ولا‭ ‬يرمش،‭ ‬كأنَّ‭ ‬الزمن‭ ‬توقف‭ ‬عنده‭. ‬لبثنا‭ ‬ننتظر‭ ‬أن‭ ‬يحرّك‭ ‬جسده،‭ ‬حتى‭ ‬يئسنا،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬نغادره‭ ‬غمز‭ ‬بعينه‭ ‬اليمنى‭ ‬وتبسّم‭ ‬بفتورٍ‭ ‬يشبه‭ ‬ابتسامة‭ ‬ظلٍّ‭ ‬على‭ ‬جدار‭. ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الشارع‭ ‬توقفنا‭ ‬عند‭ ‬كشكٍ‭ ‬لأحد‭ ‬الإخوة‭ ‬المصريين،‭ ‬يبيع‭ ‬عصير‭ ‬المشمش‭ ‬والفلافل‭. ‬كانت‭ ‬الفلافل‭ ‬شهيةً‭ ‬كأنها‭ ‬قادمةٌ‭ ‬من‭ ‬مطعم‭ ‬‮«‬الجحش‮»‬‭ ‬في‭ ‬السيدة‭ ‬زينب،‭ ‬فتناولتُ‭ ‬شطيرتين‭ ‬منها،‭ ‬ثم‭ ‬واصلنا‭ ‬التجوال‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الباذخ‭ ‬حقًا‭. ‬أشجارُ‭ ‬اللوز‭ ‬المزهرة‭ ‬على‭ ‬جانبيه‭ ‬كانت‭ ‬تتلألأ‭ ‬بمصابيح‭ ‬زرقاء،‭ ‬تُضفي‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬المارة‭ ‬نظارةً‭ ‬وسكينة‭ ‬ترفلُ‭ ‬بالمتعة،‭ ‬بينما‭ ‬النوافير‭ ‬الراقصة‭ ‬تتصاعد‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬كأنها‭ ‬أنفاسُ‭ ‬المدينة،‭ ‬وفي‭ ‬منتصفها‭ ‬تماثيلُ‭ ‬برونزية‭ ‬بأشكالٍ‭ ‬جذّابة‭.‬‭ ‬من‭ ‬سيدةٍ‭ ‬عجوز‭ ‬تقف‭ ‬خلف‭ ‬عربةٍ‭ ‬جوّالة‭ ‬اشترينا‭ ‬البوظة،‭ ‬ثم‭ ‬هبطنا‭ ‬عبر‭ ‬مصعدٍ‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬سبعة‭ ‬طوابق‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭. ‬الطابق‭ ‬الأول‭ ‬كان‭ ‬يعرض‭ ‬ألبسةً‭ ‬فاخرة‭ ‬من‭ ‬الماركات‭ ‬العالمية‭ ‬بأسعارٍ‭ ‬باهظةٍ‭ ‬تهزم‭ ‬الجيوب،‭ ‬فهربنا‭ ‬إلى‭ ‬الطابق‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬اختصّ‭ ‬ببيع‭ ‬الورد‭ ‬وديكورات‭ ‬المنازل‭. ‬الطابق‭ ‬الثالث‭ ‬كان‭ ‬للميك‭ ‬آب،‭ ‬وهناك‭ ‬صرفنا‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬لأنَّ‭ ‬حُسنى‭ ‬كانت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ماركةٍ‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬بهاقٍ‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬رقبتها‭ ‬قبل‭ ‬شهور،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعثر‭ ‬عليها‭. ‬لم‭ ‬نكمل‭ ‬تجوالنا‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الطوابق،‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬التعب‭ ‬يهبط‭ ‬علينا‭ ‬مثل‭ ‬غبارٍ‭ ‬ثقيل‭. ‬وفي‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬مررنا‭ ‬خطفًا‭ ‬على‭ ‬شارع‭ ‬الهنود،‭ ‬الذي‭ ‬تزيّنه‭ ‬مصابيحٌ‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬زهورٍ‭ ‬ملونة‭ ‬كبيرة،‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬شبه‭ ‬موتى،‭ ‬كأن‭ ‬المدينة‭ ‬استنزفت‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬خطواتنا‭.‬

يتبع‮…‬‭  ‬

حسن‭ ‬النواب


مشاهدات 47
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/08/24 - 1:33 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 3:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 265 الشهر 31325 الكلي 16121029
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير