الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رؤية في تحذير محمد باقر الصدر من عقلية الاستبداد

بواسطة azzaman

جدلية السلطة والأخلاق

رؤية في تحذير محمد باقر الصدر من عقلية الاستبداد

راجي العوادي

 

لطالما مثلت رؤية الشهيد محمد باقر الصدر للعمل السياسي والحكم حالة استثنائية في الفكر الإسلامي الحديث ، فهي ليست مجرد تنظير نظري ، بل هي  قراءة نقدية  استباقية لطبيعة السلطة ومخاطرها.

إن التساؤل المتكرر حول موقف الصدر من إمكانية تحول تلامذته أو المحسوبين على التيار الإسلامي إلى نسخ جديدة من أنماط الحكم التاريخي المستبد ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو جوهر المشروع التفكيكي الذي تبناه في نظريته السياسية.

فلسفة الاستخلاف مقابل تغول السلطة

لم يرتكز طرح الصدر في كتبه مثل اقتصادنا ونظام الحكم في الإسلام على قداسة الفرد الذي يتولى السلطة ، بل قام مشروعه على مفهوم الاستخلاف ، حيث الحاكم هو مؤتمنٌ لله ومسؤولٌ أمام الناس.

لقد كان الصدر يدرك بعمق أن السلطة مفسدة بطبيعتها إذا لم تُطوَّق بنظم صارمة ، ولذلك كان يُحذر باستمرار من أن استبدال الاستبداد بالاستبداد هو الخطر الأكبر على المشروع الإسلامي ، مؤكداً أن عقلية الحاكم إذا لم تتهذب وتخضع للمحاسبة ، فإنها ستقود حتماً إلى ممارسات تشبه ما شهدته حقب تاريخية مظلمة.

إن جوهر الإشكالية التي عالجها الصدر يتمثل في العلاقة الشائكة بين السلطة والأخلاق ؛ فالسلطة بطبيعتها تميل إلى التوسع وتعظيم نفوذها ، في حين تفرض الأخلاق حدودًا على هذا الميل من خلال المسؤولية والمساءلة واحترام حقوق المجتمع , ومن هنا لم يكن يعوّل على فضائل الحاكم الشخصية وحدها ، بل على بناء مؤسسات تحول دون انزلاق السلطة إلى الاستبداد، حتى لو كان القائمون عليها من أصحاب الشعارات الدينية.

لقد كانت مسيرته التربوية حافلة بالتحذير من أوهام السلطة ، مؤمناً بأن الضمانة الحقيقية ليست في تدين الأشخاص ، بل في نظم الضبط المؤسساتي ورقابة المجتمع.

كان الصدر يرى أن الإسلام كمنهج يظل نظرياً ما لم يُطبق من خلال بشر خاضعين للمساءلة ، وأنه لا يوجد أحد فوق النقد ، وأن الحاكم أيّاً كانت مرجعيته هو خادمٌ للمصلحة العامة ، وليس وريثاً لسلطة مطلقة.

من المنهج إلى الواقع (فجوة الانحراف)

وعند وضع هذه المبادئ السامية التي أرساها الصدر على محك التجربة السياسية ، نجد أننا أمام فجوة سحيقة تمثل المعضلة الكبرى التي تواجه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر في العراق والمنطقة, فبينما كان الصدر يطمح إلى دولة مؤسسات قائمة على العدل ، تحولت النخب السياسية إلى كيانات أبعد ما تكون عن هذه الرؤية , يمكن رصد هذا التحول عبر أربعة محاور جوهرية :

من رسالة المنهج إلى منطق الغنيمة:  انتقلت النخب من التبشير بـ المشروع الإسلامي , كمنهج أخلاقي للإصلاح ، إلى التعامل مع الدولة كـ مغانم , هذا التحول البراغماتي جعل السلطة غاية بحد ذاتها ، مما أدى إلى تآكل الضوابط الأخلاقية ؛ فالبحث عن البقاء وتأمين الموارد المالية للحزب أو الكتلة أضحى مقدماً على أي التزام بالمبدأ.

تغييب الرقابة الشعبية : في حين كان الصدر يؤكد على أن الأمة هي الضمانة والرقيب على الحاكم ، سعت النخب الحالية إلى تحييد دور المجتمع ، أو تسييسه ، أو إغراقه في استقطابات هوية (طائفية، مناطقية) لتجنب المحاسبة, هذا الاستئثار بالسلطة هو بالضبط ما كان يحذر منه، حيث تُصادر إرادة الشعب باسم حماية المقدس أو الضرورة السياسية.

الفردية بدلاً من المؤسساتية:  على الرغم من وجود هياكل تنظيمية ، إلا أن القرار السياسي يدور حول شخصيات نافذة داخل هذه الكتل ,هذا التمركز الفردي للقرار يقتل روح المحاسبة، ويجعل من الخطأ الشخصي للمسؤول خطأً مؤسساتياً لا يمكن تصحيحه إلا بتفكيك المنظومة برمتها.

4.استعارة أدوات الخصم : المفارقة المؤلمة هي أن النخب التي رفعت شعارات التغيير انتهت بتبني أدوات الحكم التي كانت تنتقدها في أنظمة سابقة ، بدءاً من البيروقراطية المتعفنة ، وصولاً إلى أدوات القمع والتحكم الاقتصادي , لقد استبدلوا الأشخاص ولكنهم أبقوا على البنية الاستبدادية ذاتها.

خاتمة (العبرة في الممارسة)

إن ما نشهده من ممارسات للقوى السياسية ، وما نراه اليوم من تراكم للأموال في أماكن لا تليق بكرامة الإنسان (كالمستنقعات ومرافق القذارة)  ليس إلا النتيجة الحتمية لغياب الرقابة وتغليب منطق الغنيمة على منطق الاستخلاف.

إن رؤية محمد باقر الصدر تظل حية ومتجددة ، وقيمتها الحقيقية تتجلى عند اختبارها في الواقع ؛ فالتجربة السياسية العراقية تكشف مدى الابتعاد عن هذه المبادئ.

إن دعوته للعدل والمؤسسات هي البوصلة التي تنزع الغطاء عن أي ادعاء بالحق الإلهي أو القداسة السياسية ، لتعيد السلطة إلى حجمها الحقيقي: مسؤولية ثقيلة تُلزم صاحبها بالعدل ، لا بالتسلط , والحل اليوم لا يبدأ بتغيير الأشخاص فحسب ، بل بكسر هذه البنية الاستبدادية التي أعادت إنتاج نفسها ، والانتقال من عقلية المواطن التابع إلى عقلية المواطن المالك الذي يفرض سلطته الرقابية على من يمثله.

اكاديمي وكاتب مستقل

 


مشاهدات 38
الكاتب راجي العوادي
أضيف 2026/08/01 - 12:04 AM
آخر تحديث 2026/08/01 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 62 الكلي 15999767
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير