الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثقافة وتعافي المجتمع من الازمات


الثقافة وتعافي المجتمع من الازمات

اسعد يوسف الصغير

استاذ مساعد في كلية الفنون الجميلة /جامعة بغداد

 

في لحظات الانكسار الكبرى و حين تتشظى المجتمعات تحت وطأة العنصرية والطائفية لا يبدو أن السياسة وحدها قادرة على تضميد الجراح ولا الاقتصاد كافٍ لإعادة ترميم ما تهدّم في النفوس ,هناك في تلك المساحات الرمادية بين الذاكرة والهوية  تتدخل الثقافة بوصفها فعلًا عميقًا يتجاوز الترف إلى الضرورة حيث  تصبح الثقافة في معناها الواسع الاعم أداة لإعادة بناء الإنسان قبل بناء الدولة ليست الثقافة هنا مجرد نتاج فني أو أدبي بل هي منظومة رمزية قادرة على تفكيك السرديات المغلقة وفتح أفق جديد للتعايش.

بلا شك إن العنصرية والطائفية لا تنشآن فجأة انما  تتشكلان عبر تراكمات طويلة من الصور النمطية والخطابات الإقصائية التي تُغذّيها مؤسسات اجتماعية وتعليمية وسياسية وحتى دينية ومن هنا فإن مواجهتهما لا تكون بقرار فوقي بل عبر عمل ثقافي طويل النفس يعيد مساءلة تلك البنى العميقة التي تُنتج الكراهية فالثقافة بهذا المعنى ليست رد فعل انما مشروع استباقي لإعادة تعريف " الآخر" خارج اطار التهديد.

في المجتمعات التي عانت من صراعات طائفية أو عرقية غالبًا ما يتم اختزال الهوية في بعدها الأحادي الدين او  المذهب أو العرق وهنا يأتي دور الثقافة لتفكيك هذا الاختزال عبر التعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا مركبًا متعدد الانتماءات.

وعلى سبيل المثال فالرواية كنشاط او نتاج ثقافي قادرة على أن تمنح صوتًا لمن تم تهميشهم وتُظهر تعقيد التجربة الإنسانية بعيدًا عن القوالب الجاهزة وحين نقرأ عن " الآخر" في نص أدبي نحن لا نواجهه كخصم  انما نضع إنسانيته تحت الاختبار وربما نكتشف جزءًا من أنفسنا فيه.

لكن الثقافة لا تعمل فقط على مستوى النصوص فهي تمتد إلى مساحة اوسع واكبر من الفنون البصرية والفنون المسرحية  والفنون الموسيقية حتى تشمل الفضاءات العامة فالفن بشكل خاص يمتلك قدرة فريدة على اختراق الحواجز النفسية كونه يخاطب العقل والوجدان . فربما في عمل فني له من الصدق ما يمكن ان  تنهار كل التصنيفات التي اعتدنا عليها امامه  ونجد أنفسنا ازاء تجربة إنسانية مشتركة هذا الانهيار المؤقت للحدود هو ما يفتح الباب أمام إمكانية التعاطف ومن ثم التغيير.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بجدية هل يمكن للثقافة وحدها أن تعالج جروحًا بهذا العمق؟ الإجابة ليست بسيطة تماما  ,الثقافة ليست دواءً سحريًا لكنها شرط أساسي لأي تعافٍ حقيقي فمن دون تحول ثقافي تبقى أي تسويات سياسية هشّة وعرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي لها ,فالثقافة هي من تُعيد تشكيل المخيال الجمعي وتُنتج سردية جديدة يمكن تبنيها.

في خضم ذلك  تلعب الذاكرة دورًا محوريًا فالمجتمعات التي عانت من العنف غالبًا ما تحمل ذاكرة مثقلة بالاسى والألم وقد تتحول هذه الذاكرة إلى وقود لاستمرار الصراع إذا لم يتم التعامل معها بحذر . هنا تتدخل الثقافة لتعيد سرد تلك الذاكرة لا بهدف النسيان انما لإعادة الفهم عبر الأدب والسينما أو حتى المعارض الفنية  كما يمكن إعادة طرح الأسئلة حول ما الذي حدث و لماذا وكيف يمكن أن نمنع تكرار حدوثه ,هذه العملية ليست سهلة ابدا كونها تتطلب مواجهة الذات وهي ضرورية جدا للخروج من دائرة الانتقام.

فالثقافة تتيح مساحة للاعتراف وهو عنصر أساسي في أي عملية للمصالحة وهو لا يعني فقط الإقرار بالخطأ بتاتا  انما هو الاعتراف بإنسانية الآخر ايضا  وبحقه في الوجود والكرامة وفي غياب هذا الاعتراف تبقى العلاقات بين المكونات الاجتماعية ضمن الوطن الواحد قائمة على الشك والخوف كما ان الحوارات المفتوحة من شأنها خلق  بيئة تسمح بهذا الاعتراف بعيدًا عن الإكراه .

من جهة أخرى لا يمكن إغفال دور التعليم بوصفه أحد أهم تجليات الثقافة المؤسسية فالمناهج الدراسية التي تُكرّس رؤية أحادية للتاريخ و تُغفل مساهمات مكونات معينة تسهم ايضا في إعادة إنتاج وترسيخ الانقسام  في المقابل يمكن لتعليم نقدي ومنفتح  أن يزرع في الأجيال الجديدة قيم التعددية والتسامح وإن إعادة كتابة التاريخ ليس بمعنى التزوير بل بمعنى التوسيع  تُعد من الخطوات الضرورية نحو بناء ذاكرة مشتركة وحقيقية .

ومع ذلك فإن الثقافة نفسها قد تتحول إلى أداة للانقسام إذا تم توظيفها بشكل أيديولوجي. فكما يمكن للفن أن يكون مساحة للحوار يمكن أن يُستعمل  أيضًا لتكريس الصور النمطية أو التحريض وهنا تبرز مسؤولية المثقف والفنان ليس بوصفه واعظًا انما كفاعل نقدي يسائل الخطاب السائد كما انه لا يقدّم إجابات جاهزة بل يطرح أسئلة قد تكون مزعجة في احيان كثيرة من شأنها ان تفتح المجال للتفكير.

في مجتمعنا تبدو الحاجة إلى هذا الدور الثقافي أكثر إلحاحًا نظرًا لتداخل العوامل التاريخية والسياسية التي غذّت الانقسامات. وما شهده من موجات من العنف الطائفي تركت آثارًا عميقة في النسيج الاجتماعي. وفي مواجهة ذلك ظهرت مبادرات ثقافية حاولت بوسائل مختلفة إعادة بناء الجسور بين المكونات. بعض هذه المبادرات نجح في خلق مساحات للحوار بينما تعثّر البعض الآخر بسبب غياب الدعم أو هيمنة الخطاب السياسي الانتهازي.

لكن ما يميز التجارب الثقافية الناجحة هو قدرتها على العمل من القاعدة أي من داخل المجتمع نفسه  وليس من فوقه  حين يشعر الناس أن الثقافة تعبّر عنهم وتمنحهم صوتًا يصبحون أكثر استعدادًا للانخراط في عملية التغيير أما حين تُفرض الثقافة كخطاب رسمي فإنها تفقد قدرتها على التأثير وتتحول إلى شعارات فارغة.

من المهم أيضًا الإشارة إلى دور الفضاء الرقمي في هذا السياق. فوسائل التواصل الاجتماعي رغم ما تحمله من مخاطر في نشر الكراهية وتوسيع الهوة الا انها  تتيح أيضًا فرصًا غير مسبوقة للتواصل بين أفراد من خلفيات مختلفة. ويمكن لمبادرات ثقافية رقمية أن تستثمر هذا الفضاء لخلق حوارات عابرة للحدود تُسهم في تفكيك الصور النمطية. غير أن هذا يتطلب وعيًا نقديًا وقدرة على التمييز بين الخطاب البناء والخطاب التحريضي.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن الثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات بل هي أحد أعمدة التعافي إنها المجال الذي يُعاد فيه تعريف الذات والآخر وتُبنى فيه السرديات التي تشكّل وعي الأجيال القادمة التعافي من العنصرية والطائفية لا يعني محو الاختلاف بل إعادة تنظيمه ضمن إطار من الاحترام المتبادل وهذا ما تسعى إليه الثقافة في أعمق تجلياتها.

قد لا تكون نتائج العمل الثقافي فورية، لكنها تراكمية كل نص و كل عمل فني و كل حوار صادق يضيف لبنة في بناء مجتمع أكثر انفتاحًا وفي عالم تتزايد فيه النزعات الانغلاقية يصبح الدفاع عن الثقافة بوصفها مساحة للحرية والتعدد فعلًا مقاومًا بامتياز. إنها ليست مجرد مرآة تعكس الواقع بل أداة لإعادة تشكيله وربما لإنقاذه من نفسه.


مشاهدات 49
الكاتب اسعد يوسف الصغير
أضيف 2026/05/06 - 2:57 PM
آخر تحديث 2026/05/07 - 12:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 5869 الكلي 15251063
الوقت الآن
الخميس 2026/5/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير