ديناميت في الجبال وعهود منقوضة بجنيف
هل تفخّخ بغداد عقد البقاء مع الأكراد؟
قارمان حيدر رحمان
بين عامي 1928 و1932، تبدد الصمت الألفي للوديان والجبال الشاهقة في جنوب كردستان، ليحل محله دوي انفجارات الديناميت وضربات المطارق الفولاذية. وفي ذات الوقت الذي كان فيه المهندس النيوزيلندي-البريطاني «أرشيبالد هاملتون» يقود ملحمة هندسية لشق طريق استراتيجي يربط أربيل بالحدود الإيرانية، كانت هناك معركة من نوع آخر تُخاض بصمت ومكر في أروقة «عصبة الأمم» بجنيف؛ حيث كانت بريطانيا تصارع تركيا دبلوماسياً لضم ولاية الموصل» (شمال العراق) إلى الدولة العراقية الناشئة. هاتان القصتان المتوازيتان، الهندسية في جبال زاگروس والسياسية في قاعات جنيف، تشكلان معاً الوثيقة الأهم لفهم طبيعة العلاقة المعقدة بين الكرد والدولة العراقية، وتكشفان الحقيقة الأهم التي تحاول بغداد تناسيها اليوم: إن ارتباط الكرد بالعراق لم يكن يوماً اندماجاً مطلقاً، بل كان ومنذ اللحظة الأولى «ارتباطاً مشروطاً» باحترام الهوية والشراكة.
في مذكراته الشهيرة «طريق عبر كردستان»، يروي هاملتون تفاصيل إعجاز هندسي تمثل في شق طريق بطول 116 ميلاً، تطلب إزالة وتفجير نحو «مليون طن» من الصخور في ظروف مناخية وجغرافية قاهرة داخل وادي «علي بك» المرعب. عمل في هذا المشروع كرد وعرب وآشوريون وفرس وهنود، شكلوا بوتقة تعايش مذهلة.لكن القيمة التاريخية الأهم في يوميات هاملتون ليست في أطنان الصخور المزالة، بل في شهادته المنصفة التي تنسف الدعاية الحكومية العراقية والبريطانية آنذاك، والتي طالما وصفت العشائر الكردية بـ»التمرد والتوحش». تتجلى هذه الشهادة في حديثه المفصل عن الشيخ أحمد البارزاني.
منطقة مغلقة
عندما تقرر شق طريق فرعي من (خليفان) نحو منطقة (بارزان)، ساد التوجس والترقب في أروقة الحكومة، وكان الاعتقاد السائد أن الشيخ أحمد البارزاني سيقاوم المشروع بشراسة، كونه سيفتح منطقته المغلقة ويسهل وصول القوات الحكومية إليها. لكن هاملتون يفجر مفاجأة تاريخية قائلاً: «لم يبدِ الشيخ أحمد أي معارضة للطريق رغم إدراكه لأبعاده العسكرية. بل على العكس تماماً، لقد جاء رجاله بأنفسهم وانخرطوا بحماس في العمل بالمشروع».
ويسوق هاملتون الدليل الأقوى على سلمية ونبل الشيخ البارزاني قائلاً: «لمدة عامين كاملين، كانت مئات البغال تنقل بضائع ثمينة وأموالاً طائلة تخص مشاريع الحكومة، مارةً في أعماق الأراضي الخاضعة لسيطرة الشيخ. كانت هذه القوافل تسير بلا أي حراس أمنيين، ورغم ذلك، لم تُسجل حادثة سرقة أو اعتداء واحدة».
هذه السطور تثبت بما لا يقبل الشك قاعدة تاريخية ساطعة،عندما تتقدم الدولة بلغة «الخدمات والإعمار والشراكة»، يتحول الكرد وقادتهم إلى درع واقٍ يحمي ممتلكات الدولة. لكن ماذا فعلت بغداد؟
حمل سلاح
بأسف وحسرة، يروي هاملتون كيف دمرت العقلية العسكرية لبغداد هذا الوئام. ففي عامي 1931 و1932، وقبل أن يكتمل الطريق، أرسلت بغداد جيشها لاجتياح المنطقة. اعتبرت العشائر هذا التحرك «إعلان حرب» غادر، وأُجبر الشيخ أحمد البارزاني، الذي كان حارساً للطريق وممتلكات الدولة، على حمل السلاح للدفاع عن وجوده. يكتب هاملتون منتقداً هذه الحماقة: «إن تكلفة العمليات العسكرية لعام 1932 كانت تكفي لتعليم كل طفل كردي. استخدام القوة لم يُنتج سوى الحقد».
وبينما كانت الجيوش تزحف نحو الجبال لضرب الكرد، كانت الوثائق في عصبة الأمم تكشف حقيقة صادمة: إن الكرد هم أصحاب الفضل في منح العراق حدوده الحالية، وإن ضم ولاية الموصل إلى بغداد لم يكن حقاً تاريخياً مُطلقاً للعراق، بل كان «قراراً مشروطاً».لقد مارست بريطانيا براغماتية سياسية لحرمان تركيا من الموصل، فاستخدمت «الورقة الديموغرافية الكردية». أثبت تقرير لجنة التحقيق الدولية عام 1925 أن الكرد أغلبية، معلنة بصراحة: «إذا أخذنا المعيار القومي كأساس، فإن النتيجة الحتمية هي إنشاء دولة كردية مستقلة، فهم ليسوا عرباً ولا تركاً بل أمة آرية». لِتجنب استقلال الكرد، وافقت عصبة الأمم على إلحاق المنطقة بالعراق، ولكن ليس كضمٍ قسري، بل كـ «عقد مشروط» بضمانات دولية صارمة تشمل: إنشاء إدارة محلية كردية، اعتماد اللغة الكردية رسمياً في التعليم والقضاء، وبقاء الانتداب البريطاني لـ 25 عاماً لضمان حماية الكرد. الكرد، من جهتهم، قبلوا الانضمام للعراق كـ «عقد سياسي» لحماية هويتهم من البطش التركي آنذاك. ولكن، بمجرد أن نال العراق استقلاله ودخل عصبة الأمم عام 1932، تنصلت بغداد من التزاماتها، وتجاهلت تقارير المبعوث الأممي (مسيو رابارد) .
الذي حذر بشدة من «مصير مظلم وخطير» ينتظر الكرد إن غابت الضمانات الدولية واستفردت بهم الأغلبية.
إن قراءة مذكرات هاملتون ووثائق عصبة الأمم اليوم ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي الأساس القانوني والسياسي والأخلاقي الذي يُحاكم عليه واقع العراق المعاصر. فالحقيقة التي يجب أن تُدركها السلطة الحاكمة في بغداد اليوم، هي أن ارتباط الكرد بالدولة العراقية، بموجب مقررات عصبة الأمم عام 1925، كان «ارتباطاً مشروطاً». هذا العقد التاريخي المشروط هو ذاته الذي أُعيد إنتاجه وصياغته في دستور «العراق الجديد» عام 2003. لقد وافق الكرد على البقاء ضمن عراق اتحادي بناءً على شروط ومبادئ واضحة تشكل روح الدستور، ألا وهي: التوازن، والتوافق، والشراكة. هذه المبادئ لم تكن شعارات تجميلية للعملية السياسية، بل كانت ولا تزال «ثمن بقاء الكرد ضمن خريطة العراق». ولكن، ما نشهده اليوم من جانب السلطة الاتحادية ومؤسساتها هو تهميش ممنهج لهذه المبادئ التأسيسية، وعودة خطيرة إلى مقاسات «التفرد بالقرار السياسي». إن بغداد اليوم تستقوي بـ «الأغلبية العددية» وأدوات المركزية السياسية والقرارات القضائية والتضييق الاقتصادي لتحجيم إقليم كردستان ومصادرة صلاحياته الدستورية، تماماً كما استقوت بجيشها عام 1932 لتجاهل شروط عصبة الأمم ومحاربة الشيخ أحمد البارزاني. وهنا تبرز الحقيقة التاريخية والقانونية الأخطر، والتي يجب أن تكون واضحة للجميع: إذا ما استمرت السلطة في بغداد بتجاوز هذه المبادئ التأسيسية (التوازن والتوافق والشراكة)، ونسفت عقد الارتباط المشروط عبر التفرد بالقرار السياسي والمالي، فإن العقد الذي يربط الكرد ببغداد يُعد لاغياً، سياسياً وتاريخياً وقانونياً. وحينما يُنقض العقد، وتنتفي الشراكة، وتسقط الشروط التي أُسست عليها خريطة العراق في عصبة الأمم وفي دستور 2003، يصبح من حق الكرد، وبكل مشروعية تاريخية ودولية، اللجوء إلى خياراتهم المفتوحة، والتفرد باتخاذ قرار سياسي آخر يحدد مصيرهم ويضمن مستقبل أجيالهم، بعيداً عن دولة تتنكر لأسس وجودها.
إن محاكمة التاريخ تخبرنا بوضوح تام: جغرافيا الأوطان لا تُحفظ بالقوة وفرض الإرادات، بل باحترام العقود والمواثيق. فإذا كانت بغداد تصر اليوم على تفخيخ «طريق الشراكة» بديناميت التفرد والإقصاء، فلا يحق لها أن تتفاجأ غداً أو تتباكى، إذا ما اختار الكرد طريقاً آخر للحرية، لا يمر عبر العاصمة المأزومة التي أدمنت نكث العهود.