الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كل هذا لنا فمن يكون له بعدنا ؟

بواسطة azzaman

كل هذا لنا فمن يكون له بعدنا ؟

هدير الجبوري

 

كلما صعدت الى الطابق العلوي من منزلي، اشعر انني لا اصعد درجات من حجر، بل ارتقي سلماً خفياً يقودني الى عمري كله.

هناك حيث مكتبتي، واشيائي الصغيرة، ومجلاتي القديمة، الكواكب وآخر ساعة والموعد وسمر والهلال والف باء، التي توارثتها من امي وعائلتي حيث كان الجميع يسعى للحصول عليها وقراءتها، ومعها قصص الاطفال الكثيرة التي جمعتها طوال سنوات لاني مازلت متعطشة لطفولتي، والتي اصفرّت اطرافها كأنها تعب السنوات، والبومات صوري التي تبتسم فيها وجوه غابت وبقيت ملامحها معلقة في الورق… وهناك ايضا القطع الزجاجية والكاسات التي كانت متوارثة عن جدتي، كأنها تحمل دفء ايام بعيدة لا تزال تسكنها، وهناك مفكراتي التي كتبت فيها نفسي يوما بعد يوم، والدمى التي ما زلت احتفظ بها، كأنني اخشى ان تخونني الطفولة ان تخليت عنها.

في ذلك الركن من البيت، لا تعيش الاشياء كجمادات، بل ككائنات صامتة تحفظ سر حياتي. كل قطعة هناك تحمل نبضاً خفياً، وكل ورقة تختزن حكاية، وكل صورة تنادي اسماً ربما لم اعد اجرؤ على نطقه.

واتساءل، وانا اتنقل بين هذه الذاكرة المكدسة بعناية: كم يمضي الانسان من عمره وهو يحرس ما يحب؟ كم سنة نقضيها ونحن نجمع، ونرتب، وننفق بسخاء لنصنع لانفسنا عالماً صغيراً نسميه بيتنا؟ كم نخاف على تفاصيله من الفوضى، من ايدي الاطفال العابثة، ومن عيون الفضوليين؟

كأننا في الحقيقة لا نحمي الاشياء… بل نحمي انفسنا من التلاشي.نؤثث بيوتنا كما نؤثث ارواحنا ، نختار الالوان، نعلق الصور، نكدس الكتب، ونخبيء بعض الذكريات في ادراج مغلقة، لا لاننا نسيناها، بل لاننا نخاف ان تفيض.

 نمنح الاشياء قيمة تفوق مادتها، لانها ببساطة تحملنا… تحمل ما كناه يوما.

لكن السؤال الذي يتسلل فجأة، كريح باردة في مساء مطمئن: حين نرحل… ماذا سيحدث لكل هذا؟ من سيصعد ذلك السلم بعدنا؟ من سيفتح هذه الصناديق بحذر كما كنا نفعل؟ هل سيلمس احدهم هذه الاوراق كما لو انها جزء من قلب؟ ام سترمى ببساطة، في لحظة ضجر، او في حملة ترتيب عابرة، لتتحول اعمار كاملة الى اشياء بلا معنى؟ هل ستبدو مجلاتنا القديمة مجرد اوراق مهملة؟ وهل ستختصر صورنا الى وجوه لا يعرفها احد؟ وهل ستصبح مفكراتنا، التي كانت يوما مرآتنا الصادقة، مجرد دفاتر قديمة لا تستحق القراءة؟

كم هو موجع ان ندرك ان ما أفنينا فيه اعمارنا قد لا يعني شيئا لغيرنا. ان ارثنا، الذي بنيناه بحب وصبر، قد يتحول الى عبء على من يأتي بعدنا.

 وان الذاكرة، التي خبأناها بعناية، قد لا تجد من يصغي اليها.

ربما الحقيقة الاقسى ليست في الرحيل… بل في ان كل ما نحبه سيبقى، لكن دوننا.

 سيبقى صامتا، بلا روح تعيد اليه الحياة.

ومع ذلك، نواصل الجمع، ونواصل الحفظ، ونواصل الحلم بان تبقى آثارنا، ولو قليلا، شاهدة على اننا مررنا من هنا… اننا احببنا، وخفنا، واحتفظنا بكل ما استطعنا الاحتفاظ به، لاننا ببساطة… كنا نخشى النسيان.

في الطابق العلوي من بيتي، لا توجد مجرد اشياء… بل توجد انا، كما كنت وربما، كما لن اكون مرة اخرى..

 

 


مشاهدات 52
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/04/20 - 2:30 PM
آخر تحديث 2026/04/21 - 1:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 17443 الكلي 15235516
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير