جعفر السعدي.. حاجب الفن و منارة المسرح
عمار عبد الواحد
يظل الفنان الكبير جعفر السعدي علامة فارقة في تاريخ الفن العراقي وشخصية استثنائية لا يمكن أن تغيب عن ذاكرة العراقيين على تعاقب الأجيال فقد ترك خلفه إرثا فنيا حقيقيا نافعا اتسم بأدوار مهنية تربوية متميزة أبدع وأجاد في صياغتها لتكون مرآة للمجتمع الذي أحبه فهو من طينة الممثلين الذين قدموا فنا نظيفا ورصينا من خلال شاشة التلفاز وخشبة المسرح التي أطلق عليه فيها الكتاب والنقاد لقب «أبو المسرح العراقي» وجعفر السعدي وأمثاله من تلك القامات البارزة من «جماعة الفن الهادف» يبقون دوما على خط الخلود وقدوة حية لا تطوي الأيام صفحتهم المشرقة حتى وإن غادرونا ورحلوا إلى رب كريم.
لقد كان الراحل من الرعيل الأول ومؤسسي المسرح و التمثيل والدراما العراقية حيث حفر اسمه عميقا في وجدان المشاهد من خلال شخصيات اتقنت الأدوار فأبدعت في تقديمها للناس ومنها أدواره الرائعة في مسلسل «الأماني الضالة» من أشهر أعماله وتمثيلية «الهجرة إلى الداخل» وشخصية «عبدالله أفندي» في مسلسل «النسر وعيون المدينة» التي رسخت في الذاكرة الشعبية بلازمته الشهيرة «عجيب غريب أمور قضية» والتي ميزته شعبيا وجعلته قريبا من القلوب كما عرفه الجمهور في البرنامج التلفزيوني التعليمي «أحلى الكلام» بدور أستاذ القواعد وقبل ذلك في برنامجه اللغوي القديم «أين مكاني من الإعراب» مع الفنانة فوزية الشندي حيث كان منطقه دائما قريبا من اللغة العربية الفصحى وهذه البرامج اشتهرت في الوطن العربي الذي كرمه كرائد للمسرح العربي في مهرجان قرطاج المسرحي وجعلت منه مدرسة في الثقافة والفن.
إن مسيرة الإبداع والتميز للراحل السعدي تدعو للفخر والاعتزاز فقد قدم أدوارا كثيرة اتسمت بقوة الشخصية والوقار والثقافة العالية وكان يؤدي الشخصيات الاجتماعية بطريقة يعشقها ويحترمها المشاهدون ومن أجمل سماته الشخصية أنه كان يعتز بهويته اللغوية فعندما يتحدث عن نفسه يقول «أنا»وليس «اني» كما هو دارج في اللهجة المحكية ويكتب الدكتور حسين التكمه جي مبينا «أنه من أبناء مدينة الكاظمية وساهم في نشاطها المسرحي منذ نعومة أظفاره وهو أول من بنى مسرحا من الطين ليقدم عليه العروض المسرحية وكان أكثر الأساتذة تواضعا أمام طلابه وله حضوره الثقافي الطاغي» يذكر الفنان محمد عطاء انه» مثل معه ادوار مسرحيه جميلة» .
لقد شغل السعدي منصب رئيس فرقة المسرح الشعبي وظل طوال مشواره الطويل وفيا لرسالته الفنية وفي أحد لقاءاته الصحفية مطلع الألفية ذكر عبارة تعكس مدى نبله وتواضعه حين قال «لا ازال اعمل على تطوير نفسي حتى اكون فنانا حقيقيا» ومن هذا القول نستشف أن الفنان مهما بلغت مكانته يبقى بحرا يحتاج إلى المزيد من العطاء والتعلم فرحم الله المعلم والقدوة الذي علمنا أن الفن رسالة وأخلاق قبل كل شيء.