الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جدل المدينة والريف

بواسطة azzaman

جدل المدينة والريف

نزار محمود

 

منذ ان تواجد الانسان في مجتمعات على هذه الأرض وهو في صراعات دائمة، منها ما تدفعه اليها حاجاته الغريزية المرتبطة بشروط بقائه حياً مطمئناً، ومنها ما يغريه الى الترفع تلى الآخرين من خلالها.

تصارع الإنسان على الماء والطعام، وعلى الأرض التي يعتاش منها ويحتمي بها. كما تمادى في صراعه من أجل حاجات نفسية ودوافع هيمنة واستعلاء.

وعلى هذه الأرض تنوعت مستوطنات ذلك الإنسان في شرقها وغربها، وفي شمالها وجنوبها. ومعها تنوعت تضاريس تلك الأرض وعطاءاتها وما توفق به الإنسان من سبل الانتفاع منها.

وفي هذا الإطار تشكلت مع الزمن مجتمعات المدينة والإدارة العامة، وراحت تتخصص وتنشط في مجالات تعيش منها وتساهم بها، فكان انتشار الحرف والمهن اليدوية والبقالة في بادىء الأمر، وكذلك أعمال البناء والاعمار والادارة والأمن. لقد تتطلب اتقان تلك المهن تعلماً مناسباً وثقافة تعايش سلمية لمجاميع بشرية وجدت في مجتمعات المدن الكبيرة نسبياً اقامتها وعيشها. هذا التعايش الذي حكمته ضوابط عيش ونباهة تعايش.

وكان ان اهتدت تلك التجمعات الى بناء أسوار حول مدينتها لكي تنام ليلها بهدوء نسبي بعد ان تغلق بوابات تلك الاسوار,

لكن مجتمعات تلك المدن وجدت حاجة الى زراعة ما تحتاجه من حبوب وبقوليات وخضرة وفواكه ورعي ماشية خارج الاسوار لكي تعيش عليها كذلك، هذا النشاط الذي تحول مع الزمن كذلك الى استيطان بسيط في متطلبات عيشه ومهارات كسبه، حيث عرفت تلك التجمعات بالأرياف والقرى ووجدت في ما تنتجه عيشاً لها وكسباً للتسوق مما تنتجه المدن وتقدمه من خدمات عامة.

كما ان ما ميز سكان القرى والأرياف هو ترابط علاقاتهم الاجتماعية في قبائل وعشائر وصرامة تقاليدها وعاداتها وتمسكها بقيمها مقارنة بالمدن.

وخلاصة لما أشرنا اليه وباختصار شديد يتبين ان مجتمعات المدينة قد تميزت عن مجتمعات الريف بحزمة من الميزات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية كانت لها تداعياتها الحياتية المشتركة، حيث لا يوجد شعب ولا بلد في العالم الا ويتشكل مجتمعه من ريف ومدينة. كما ان حقوق المواطنة، ومع تطور الحياة، باتت تضغط باتجاه العدالة والمساواة الانسانية، وفي مقدمتها السياسية.

وحيث كان التمايز بين المدينة والريف في جانبيه الاجتماعي والثقافي على أشده، ومع انتشار التعليم وانخراط ابناء الريف فيه وحصولهم على شهاداته، فقد وجد كثير من ابناء الريف مستقبلهم في التعلم والحصول على الشهادات التاهيلية من ناحية، او الانخراط في سلك الأمن والعسكرية من ناحية ثانية.

 ان الطريق الثانية كانت وراء اتاحة الفرصة لكثير من عناصر الجيش والشرطة والأمن ممن ينحدرون من اصول ريفية الى تسلم مناصب قيادية وحساسة في اجهزة الدولة، لا سيما في حالات الانقلابات والثورات. وكانت لتلك الحالة الجديدة لاصحاب السلطة من الانحدار الريفي، بكل خصوصياته، انعكاساتها وتأثيراتها في الحياة العامة من سياسية وامنية وثقافية واجتماعية، متخالفة لابل ومتقاطعة، الى هذا الحد أو ذاك، مع ثقافة الحياة المدنية في كثير من الاحيان.

وفي ذلك كتب الكثير تحت ما اسموه بترييف المدينة مشيرين بذلك الى تداعياته في حياة المجتمع، وما قادت اليه من صراعات ونزاعات ثقافية وسياسية.

ملاحظات ختامية:

بعد استعراضنا بعضاً من سمات الحياة المدينية والحياة الريفية وهو ما ينعكس في عقليات وسلوكيات المنحدرين منها، لا بل وفي قيمهم الاجتماعية وعاداتهم، وفي محاولة لاسقاط ذلك على من تولى السلطة، وغالباً اثر انقلاب او ثورة عسكرية، في اكثر دولنا العربية ومنها العراق من ذوي الانحدارات الريفية، يتكشف لنا أسباب ما عشناه من صراعات اجتماعية وترييف للحياة وعسكرة للحكم.

وفي هذا الشأن بقي كذلك ان نشير الى ان نسبة ليست بالقليلة من سكان المدن هم كانوا اصلاً ممن انحدر من الريف او حتى البادية، واذا كانت جلابيبهم توحي بمدنيتهم، فإن تحتها قد تجد جلابيب ريفية وبدوية سرعان ما تكشر عن انيابها في معادلة شخصية منفصمة، كما روى لنا معلمنا الشيخ علي الوردي!

وفي ختام الختام لا بد من تسجيل وقفة بحق المنحدرين من اصول ريفية والذي لا يجب ان يسمح ما طرحناه وعلينا تدارك ما قد يوحي به من جوانب سلبية، فأقول: ان للانحدار الريفي جوانبه الايجابية الصافية كذلك في اخلاقياته وانضباطيته ومواقفه في التضحية عن الوطن والمساهمة في بنائه وتقدمه

 

 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب نزار محمود
أضيف 2026/04/11 - 12:28 AM
آخر تحديث 2026/04/11 - 2:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 94 الشهر 8549 الكلي 15226622
الوقت الآن
السبت 2026/4/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير