الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هوس حرف الدال


هوس حرف الدال

حازم محمود حميد النعيمي

 

شدّني أمر لافت وفريد عند قراءة مقالات كتّاب «جريدة الزمان» البارزين، وهو أن الصحيفة تكتب اسماء كاتبي المقالات بأسمائهم المجردة دون الإشارة إلى الألقاب العلمية او وضع حرف (د) قبل اسمائهم، مع العلم أن كثيرين منهم يحملون شهادة الدكتوراه. وقد تبدو هذه الملاحظة بسيطة للوهلة الأولى لكنها في الحقيقة تعكس ثقافة صحفية ومهنية مهمة تُحسب لهذه الصحيفة لأنها تقدّم الكاتب للقارئ بما يكتبه من أفكار وتحليلات لا بما يسبق اسمه من ألقاب.

وهذه الممارسة تذكّر بما يجري في معظم الصحف الغربية حيث تُنشر مقالات الكتّاب بأسمائهم دون إضافة لقب «دكتور» حتى عندما يكون الكاتب حاصلا على أعلى الدرجات الأكاديمية من جامعات عريقة. فالقارئ في تلك الصحف يقرأ مقالات لكتّاب معروفين مثل عالم الاقتصاد (بول كروغمان) في صحيفة نيويورك تايمز وهو الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، أو الصحفي المعروف (فريد زكريا) الحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد، وغيرهم كثير ومع ذلك تُنشر مقالاتهم بأسمائهم المجردة دون إضافة كلمة «دكتور» قبل الاسم. ويمكن ان نلاحظ ذلك ايضا مع مؤلفي الكتب العلمية في الغرب حيث لا يضعون الألقاب العلمية أمام أسمائهم؛ فعندما نقرأ كتب علمية نجد أسماء العلماء كما هي دون ألقاب، فلا يُكتب «الدكتور» قبل اسم (البرت اينشتاين) او (ستيفن هوكنغ)  رغم أن تأثيرهما العلمي غيّر فهم البشرية للكون وما زلنا نعتمد على اسهاماتهم العلمية في حياتنا الحاضرة، بالاضافة الى كونهم حاصلين على شهادات دكتوراه من جامعات عريقة. فالعلماء في تلك الثقافات يُعرَّفون بإنجازاتهم وأفكارهم لا بالحروف او الكلمات التي تسبق أسماءهم.

هذه الظاهرة ليست مجرد تفصيل شكلي بسيط بل تعكس فلسفة وثقافة راسخة في كثير من الدول الغربية تقوم على تقليل استخدام الألقاب في الحياة اليومية. ففي الجامعات والمؤسسات العلمية في أوروبا وأمريكا الشمالية تتم مخاطبة الأستاذ الجامعي باسمه المباشر دون إضافة لقب «دكتور»، وهو أمر قد يبدو غير مألوف في مجتمعات اعتادت على إرفاق الأسماء بالألقاب العلمية في معظم المناسبات. هذه الثقافة لا تقتصر على الجامعات الغربية بل تمتد أيضا إلى بيئات العمل هناك. ففي كثير من المناصب الحكومية العليا والمنظمات الدولية والشركات العالمية ينادي الموظفون المدير التنفيذي بأسمه المباشر مثلما ينادون زملاءهم. ويرى خبراء الإدارة أن هذا الأسلوب يعزز روح الفريق ويجعل التواصل أكثر مرونة لأن العلاقة المهنية تصبح قائمة على الكفاءة والعمل المشترك أكثر من اعتمادها على الرموز الشكلية للمكانة.

السنوات الاخيرة

وعند مقارنة هذه الثقافة بالواقع في بعض المجتمعات العربية، ومنها العراق، تظهر مفارقة لافتة. ففي السنوات الأخيرة أصبح الحصول على لقب «دكتور» لدى بعض الفئات وخصوصا السياسيين والقيادات الحكومية ليس مجرد إنجاز علمي وانما هدفا اجتماعيا بحد ذاته واصبحت جزءا من هوية الشخص حيث يسعى كثيرون إلى إبراز كلمة «الدكتور» قبل أسمائهم في كل مناسبة وكأن هذه الكلمة تمنح صاحبها مكانة إضافية في المجال العام. وامتد هذا الامر حتى الى الأوساط العسكرية فقد أصبحنا نلاحظ أحيانا أن بعض القيادات العسكرية في الجيش والشرطة التي تحمل شهادات أكاديمية بدأت تُقدَّم بلقب «الدكتور» قبل الرتبة العسكرية، فيُقال مثلا الدكتور اللواء أو الدكتور العميد. ورغم أن الجمع بين الشهادة الأكاديمية والرتبة العسكرية قد يبدو في ظاهره أمرا طبيعيا الا ان هذا يسبب خلطا بين المجالين الأكاديمي والعسكري اللذين لكل منهما تقاليده المهنية الخاصة، بينما في الجيوش المحترفة حول العالم تُعرّف القيادات العسكرية عادة برتبها العسكرية فقط داخل السياق المهني. والاكثر من ذلك تجد بعض الاشخاص يشعرون بالإهانة عند مناداتهم بأسمائهم أو بأسماء الأكبر من أبنائهم مجردة من ألقابهم الأكاديمية لأنهم لم يعتادوا على ذلك. وقد وصل الأمر في بعض الحالات إلى محاولات غير صحية للحصول على هذا اللقب بأي وسيلة ممكنة. فقد شهدت السنوات الماضية حالات سعى فيها بعض السياسيين أو الشخصيات العامة إلى الحصول على شهادات من جامعات غير معترف بها أو ما يُعرف بالجامعات الوهمية، في حين لجأ آخرون إلى الحصول على ما يسمى الدكتوراه الفخرية التي تمنحها بعض المؤسسات مقابل مبالغ مالية أو لأغراض دعائية بدون اي انجاز علمي، ثم يجري تقديمها للرأي العام وكأنها شهادة أكاديمية حقيقية. ويرى باحثون في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة تعكس أحيانا ثقافة اجتماعية تميل إلى تقديس الرموز الشكلية للمكانة أكثر من تقدير مضمون المعرفة نفسها.

ومن الطرائف التي تعكس ظاهرة الهوس بالألقاب العلمية ما حدث مع الفنان المصري محمد رمضان  عندما ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر اعلانه الحصول شهادة الدكتوراه من جهة تُدعى (المركز الثقافي الألماني الدولي). غير أن الجدل تصاعد بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الألمانية أن الحكومة الألمانية لا علاقة لها بهذه المؤسسة. وتبيّن لاحقا أن المركز ليس مؤسسة ألمانية رسمية بل جمعية مسجلة في لبنان تمنح شهادة الدكتوراه الفخرية مقابل مبلغ لا يتجاوز مائة دولار فقط وان الدكتوراه الفخرية التي يمنحها لا تحمل أي قيمة أكاديمية وأن فائدتها الأساسية لدى البعض تقتصر على استخدام لقب «دكتور».

يشير علماء الاجتماع إلى أن التوجه الغربي في الحد قدر الامكان من استخدام الالقاب العلمية ليس مجرد مسألة لغوية وانما تعكس فلسفة اجتماعية أعمق تقوم على تقليل المسافة الرمزية بين الأفراد. فقد أشار عالم الثقافة التنظيمية المعروف (غيرت هوفستيد)  إلى أن بعض المجتمعات تسعى إلى تقليل ما يسمى «المسافة بين السلطة والأفراد»، أي الفوارق التي تنشأ بسبب المنصب أو اللقب أو المكانة الاجتماعية. وفي مثل هذه المجتمعات تُستخدم الألقاب في سياقاتها المهنية المحددة لكنها لا تتحول إلى جزء دائم من المخاطبة اليومية. ومن زاوية نفسية واجتماعية، يرى بعض المختصين أن المبالغة في التمسك بالألقاب العلمية قد تعكس في بعض الأحيان شعورا داخليا بالحاجة إلى إثبات المكانة أو البحث عن الاعتراف الاجتماعي. فعندما يحرص الشخص على تكرار اللقب في كل مناسبة أو يصر على أن يُنادى به في كل حديث قد يكون ذلك تعبيرا عن محاولة لتعويض شعور بعدم الثقة أو الرغبة في تعزيز الهيبة الاجتماعية. ولهذا تميل المجتمعات الواثقة من قيمة العلم إلى التقليل من المظاهر الشكلية للألقاب، لأن المكانة الحقيقية تُكتسب من الإنجاز لا من اللقب.

وفي النهاية، يجب ان لا يكون اللقب هدفا بحد ذاته لانه سيفقد معناه العلمي الحقيقي. ويبقى العلم أكبر من أي لقب لأن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بالحروف التي تسبق الاسم بل بالأثر الذي يتركه صاحبها في حياة الناس. ان العلم الحقيقي لا يحتاج إلى لقب يسبقه، لأن المعرفة تُعرَّف بإنجازها لا بالحروف التي توضع قبل الأسماء.


مشاهدات 42
الكاتب حازم محمود حميد النعيمي
أضيف 2026/04/02 - 1:04 AM
آخر تحديث 2026/04/02 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 93 الشهر 1033 الكلي 15219106
الوقت الآن
الخميس 2026/4/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير