الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين المدفع والخبر.. معركة الحقيقة في زمن الحرب

بواسطة azzaman

بين المدفع والخبر.. معركة الحقيقة في زمن الحرب

فاضل محمد البدراني

 

الحرب ليست مجرد استهدافٍ للخصم بإطلاق المدافع أو قصف الطيران الحربي وقتل العدو وتدمير قوته؛ تلك هي لغتها الظاهرة في ميدان القتال. غير أنّ الحرب، في جوهرها، ثنائيةُ موقفٍ وأداء: موقفٌ يصوغ الرواية، وأداءٌ يفرضها على الوعي العام. ومن هنا تتجلى حربٌ أخرى لا تقلّ ضراوة، هي حرب الإعلام بين مؤسسات الأخبار حين يتحول التزييف إلى سلاحٍ فتاك، في مواجهة جمهورٍ متلقٍّ يمتلك حقَّ الحكم على مقدار ما يتوافر من المصداقية والمهنية أو ما يغيب منهما.

منصات رقمية

في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تعيش الفضائيات والإذاعات والصحف والمنصات الرقمية ما يشبه ربيعها الصاخب؛ إذ تتسع مساحات الحضور والتأثير. غير أنّ هذا الاتساع لا يعني دائماً اتساع الضمير المهني؛ فكثيرٌ منها لا يأبه لشرف المهنة، وقليلٌ منها يحمله بوصفه أمانةً ومسؤولية.

أما الجمهور فليس مجرد متلقٍ سلبي، بل قاضٍ يوميٌّ يصدر أحكامه على صدقية المنابر الإعلامية، كما يصدر الناس أحكامهم على سمعة الأفراد في المجتمع. وفي فضاءٍ مفتوحٍ بلا حواجز، يصبح الجميع معرّضاً للتقييم والمساءلة.

وهكذا يغدو الزمن زمنَ فرزٍ أخلاقيٍّ ومعرفي: إمّا قيمةٌ ثمينة تُصان، أو صورةٌ رخيصة تُهان.

إنّ مصادر المعلومات هي الأصل الحاكم في هذه المعادلة؛ فحين تصدق فيما تنقل، وتتعامل مع الجمهور بوصفه قاضياً لا تنطلي عليه الأكاذيب، أو تكون محصَّنةً بصدقيتها وواعيةً لحقّ المتلقي في معرفة الحقيقة، فإن ذلك يكشف عن مستوى قيمي رفيع في فهم الرسالة الإعلامية. وفي هذه الحرب الشرق أوسطية الدائرة على جبهاتٍ متعددة، والتي تداخلت فيها مصالح دولية كبرى، ووجدت فيها بلدانٌ نفسها أمام نتائج لم تكن تتوقعها، كان للإعلام صولاتٌ بين الحق والباطل.

رسالة متلوّنة

وقد ظنّت بعض المؤسسات الإعلامية، ومعها إعلام المواطن، أن الرسالة المتلوّنة قادرة على العبور إلى وعي الناس، غير أنّها سرعان ما تعثّرت في ميزان عقل المتلقي، حيث لا تدوم الروايات المصنوعة طويلاً.

ومهما تطاول أمد الحروب واتّسعت مساحات سردياتها، فإن لها خاتمةً لا مفرّ منها. ولست هنا بصدد الحديث عن منتصرٍ عسكريٍّ غائب؛ فالحرب، ما دامت لغةَ قتلٍ وتدميرٍ وخرابٍ يطال الإنسان والبيئة، لا يمكن أن تُنتج نصراً حقيقياً. المنتصر الوحيد فيها هو من نقل الحقيقة في سياقها الصحيح، ومن صان المعلومة من التزييف. فالناس تمتلك ذاكرةً لا تمحوها ضوضاء اللحظة، ووسائل الإعلام، كما الشخصيات التي تسهم في نسج الروايات، ينبغي لها ألا تغفل عن حكم الذاكرة الجمعية؛ فهي الحكم الأخير الذي لا يُستأنف.

 


مشاهدات 62
الكاتب فاضل محمد البدراني
أضيف 2026/03/16 - 11:18 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 14022 الكلي 15006091
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير