رواية (ناي ) لفخري امين تستلهم علامات التعايش الموصلي
راهبة ومقرئ يجسدان النظرة تجاه الاديان
سامر الياس سعيد
تتمحور ثيمة رواية (ناي ) التي قدمها للمشهد الثقافي مؤخرا الكاتب فخري امين ضمن منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق حيث جاءت الرواية المذكورة بنحو 246 صفحة من القطع المتوسط حافلة بالمقومات الرئيسية التي ترتكز عليها ملامح التعايش المسيحي الاسلامي في مدينة الموصل .ويدرك امين عبر روايته تلك الملامح التي عززت الحضور الخاص بابناء المكونين ونقاط التقائهما بعيدا عن بعض الاحداث التي حاولت تشوية تلك المرتكزات وحرفها عن مسارها الصحيح ففيما تعلو اصوات بطلي الرواية وهما الراهبة ماريا عبد الاحد ومقريء القران وبائع السوس ومصحف الكتب السيد حيدر السواس حيث يترجم الكاتب مرتكزات حوارتهما اعتمادا على كم القراءات التي انهاها الكاتب فخري امين في تناول القراءات الصوفية والتاملية التي تهييء لنظرة اخرى نابعة من عمق الانسان وافكاره لا ان تسير وفق مسارات اخرى يتم من خلالها ادانة الانسان وجعله يخطو في طرق اخرى بعيدة عن دعوة الله فتضحي بذلك انتحارا بطيئا كما وقع فيه السيد حاتم والد السيد حيدر حينما .
شخصان متوازيان
وقع اسير شكوك وهواجس اودت به بالنهاية لحتفه حيث وقع اسير الكثير من الشكوك التي جعله في محيطها الشيخ النهماني وحسن فعل الكاتب فخري امين حينما جسد شخصيتين متوازيين في كلا الديانتين حينما اوجد النهماني الذي ابرزه كشيخ له اتباعه يحاول ايقاع الناس في محيط الهواجس والشكوك تميهدا للاجهاز عليهم وقبض روحهم بالطريقة البطيئة التي تبدا بالاعتكاف اما في الديانة الاخرى فابرز الكاتب لشخصية الاخت مادلين رغم ان محيط الراهبات يندر بايجاد مثل تلك الشخصية التي تحاول التلصص والمراقبة وابتكار القصص اللاواقعية رغبة منها في تهميش الاخر وتجريده من كل ما يبرزه من ابداعات وفعلا اسهمت الرواية بنوع ما الى الاطلالة الى عالمين متوازيين عما عالم رجل الدين المسلم الذي يجد نفسه بين الخطابات التي تتمسك بالموروثات التي لايحاد عنها والادانة لكل ما يتعلق بالابتعاد عن تلك المحددات اضافة الى القوة التي تحكمها اتباع تلك الانماط الدينية بعيدا عن التغريد خارج السرب وكذلك الاستهلالية التي بداها الكاتب للاشارة الى ما عانته الراهبة ماريا قبل ولوجها عالم الرهبنة بدءا من علاقتها اللاشرعية مع راعي الغنم المنحدر من بلدة سميل بسبب ما تعرضت له تلك البلدة من اضطهادات وذلك في عام 1933 وما نجم عنها من ازهاق ارواح الئات من اهالي تلك البلدة من الاشوريين ليجد احد شبابها فرصته المواتية بالعمل كراعي لاغنام احد الاثرياء في بلدة تلكيف وتنشا بذلك قصة حب تنجم عنها حمل غير شرعي لايقف عنده الكاتب كثيرا بل يعتبره امرا واقعيا حتى تتعرض بطلة الرواية للكثير من الاحداث التي تنجم عن اجهاضها لتتمسك بهدفها في الولوج لعالم الرهبنة قبل ان تحاط بثلة تحاول اغتصابها وكانه يشير الى مديات الحياة الخاصة بالمسيحيين والتي لطالما لم تخلو من عمليات الاغتصاب لحقوقهم وممتلكاتهم عبر الازمنة والتواريخ التي ما انفكت تخلو من عام يعد عام الازهار او المعيشة المستقرة بالنسبة لهم ومع ذلك فتجد الراهبة ماريا مبتغاها فيما بعد لتحاول توظيف هدية حبيبها السابق راعي الغنم مراد وهو الناي في ان ترسم من خلاله صورة لحياتها المستقبلية بابراز تفوقها بعالم الموسيقى واجتراحها لانماط موسيقية تنتهي عن حافة الحفلة التي ابرزت من خلالها كما هائلا من الاحداث التي مرت بها لاسيما في الاطلالة عما واجهته بلدة راعي الغنم وهي سميل من اهوال لم تجد برغم مرور ذكراها ال 90 في العام الماضي اي صدى او تحرك حكومي في ابراز حقوق شهدائها ممن نالوا اكليل الشهادة في اب من العام المذكور برغم ان المسيحيين لجاوا الى اعتبار يوم 7 اب من كل عام يوما لاعلان الحداد على ارواح ممن سقطوا في تلك المذابح ليمررا رسالتهم بشان المناشدة بتحركات حكومية لوقف الاضطهادات المتكررة بحق مسيحيي العراق دون جدوى اما في المقابل فيبرز الكاتب قضية السيد حيدر السواس وقدرته في ان يستجمع جراءته لمعاتبة الشيخ النهماني الذي يمثل صوت الدين المتزمت الذي اوقع والد السيد حيدر بحبائل الشكوك والهواجس حتى قضى عليه تماما لتبرز بالتالي اصوات ثانوية في سياق الرواية واحداها لخديجة زوجة السيد حاتم والتي ابرزت من خلالها هواجسها ببقاء روح حاتم حية في بيت الموصل رغم رحيله وهذا ما التفت اليه حيدر ايضا في ابرازها من خلال عودته من بغداد واستقراره بغرفة والده بين الكتب التي كان يقراها الراحل .
ومن الملاحظات المكتشفة في سياق الرواية ان الكاتب يقع ضحية الاحداث التاريخية التي لايذعن لها فيكتفي بايراد بعض الاحداث التي لاتتصل مع بعضها البعض وابرزها ما يتعلق بوقائع ودلالات دينية كنقل اية دون الحفاظ على هيكلها وخصوصيتها الدينية حيث يورد في الصفحة 130 اضافة للصفحة 185الاية الانجيلية التي يستهلها الانجيلي يوحنا بالاشارة الى في البدء كان الكلمة والانجيلي هنا بطبيعة الحال يسهب للاشارة الى ان الكلمة هو الله .
الصفحة المذكورة
فيما اورد امين الاية سواء في الصفحة المذكورة سلفا الى جانب تكريرها لها في صفحة اخرى بالاشارة الى انه في البدء كانت الكلمة فيحصل تفاوت ما بين رغبة الكاتب بتوظيف الاية وما بين الايو بواقعها فيوارد في الانجيل المذكور وفي الصفة 142 يورد معلومة مفادها بان مدرسة شمعون الصفا تعود الى كنيسة الساعة والاصح بان المدرسة المذكورة التي تاسست في عام 1806 تابعة لمطرانية الكلدان بينما تتبع كنيسة الساعة وهي اصلا باسم دير الاباء الدومنيكان وقد وضع الكاتب والمربي الراحل بهنام حبابة كتابا موسعا تجاه تاريخ تلك الجماعة بكتاب حمل عنوان الاباء الدومنكان في الموصل اخبارهم وخدماتهم 1750 ولغاية 2005 وقد ابرزت تلك الجماعة التي ليس لها مطران يتراسها بقدر ما تمتلك رئاسة تدير شؤونها وتدبر اعمالها حيث من الامانة ان لانطلق على كنيسة اسم الساعة وهو الشائع والمتداول بين اهالي مدينة الموصل مثلما تمسك الكاتب كشانه من اهالي المدية باطلاق كلمة نصراني على المسيحيين حتى انه من خلال سياق بعض الحوارات تشير الراهبة لكونها نصرانية والتسمية بشكل عام لاتمت الى المسيحية بصلة حيث لابد من التمييز بين كلمتي نصراني ومسيحي وكثير من الكتاب يلتزم كلمة النصراني للاشارة الى المسيحيين وهذا خطا بحد ذاته فالنصرانية بدعة يهودية اما المسيحية فهي ديانة بحد ذاتها فالمسيحيين لايستمدون ايمانهم من الموروثات التاريخية بل من كتابهم المقدس المرتكز على حياة السيد المسيح والتلاميذ الاولين والرسل اضافة الى ان كلمة نصارى لم ترد في اي نص من النصوص الانجيلية في مقابل ايراد كلمة المسيحيين التي اوردها سفر اعمال الرسل حينما ذكر انه في انطاكية دعي التلاميذ اول مرة بالمسيحيين وفق الاصحاح11 في السفر المذكور بينما يؤكد المؤرخون ان كلمة النصرانية او النصارى اوردها شخص يهودي يدعى ترتلس وبشكل عام فان مفردة النرانية تعد لفظة احتقار بحق المسيحيين وهذا ما اشار اليه كتاب الاثار المسيحية في بلاد الرافدين لمؤلفيه حكمت بشير الاسود وعبد السلام سمعان الخديدي حيث صدر الكتاب المذكور في مدينة الموصل عام 2013 بالتسلسل الاول من سلسلة ابحاث دراسية صادرة عن كلية القديس افرام كما يورد الكاتب معلومة اخرى حيث يذكر في الصفحة 156 علومة تشير لتحويل كنيسة ام المعونة في منطقة الدواسة الى مدرسة رسمية فيما الادق بان الكنيسة بقيت وتم انشاء مدرسة مجاورة لها بذات الاسم وذلك في عام 1945 اي ان التواريخ في تلك الحالة تجذب القاريء لربطها مع الاحداث الجارية في الرواية وايضا فان مرجعية المدرسة لاترتبط بالاباء الدومنيكان كما ورد على لسان الراهبة في سياق الرواية وانما ارتباطها ايضا بمسؤولية الكنيسة الكلدانية في مدينة الموصل كما يجدد الكاتب ابرازه لمطرانية الساعة وانما كما اشرنا سلفا بان الكنيسة مرتبطة بجماعة الاباء الدومنيكان فيما المطرانية التي يقصدها هي مطرانية الكلدان .
الرواية تعد من الروايات القليلة التي تحلق في فلك ماساة سميل وكثيرا ما يستحضر الكاتب تلك الاحداث التي تمت صيف عام 1933 ليسكبها في سياق الرواية اضافة لابرازها اكثر من حدث وحدث وكان من الادق ربط مثل تلك الاحداث بسياق تاريخي يمنح الرواية واقعا توثيقيا مثلما اسلفنا مثلما هو الحال مع المدارس التي انشات او الاشارة الى بقاء وسيلة الربل كوسيلة نقل بالرغم من وجود السيارات اضافة الى التزام الناس في انارة منازلهم باعتمادهم على اللمبة وغيرها من الامور التي يبني عليها القاري تصوراته الى مسرح الاحداث وزمن وقوعها حيث يتناول الكاتب اشارة الى منع الراهبة ماريا من الخروج من الكنيسة لسبب وجود بعض الاضطهادات بحق مسيحيي الموصل وهي اذا ما افترضنا جدلا بوقوع الرواية في زمن متصل من بين منتصف الثلاثينيات حتى منتصف الاربعينيات وما يتجاوزها فسوف نلمس اختفاء مثل تلك الاحداث بالمقارنة مع فترة نهاية الخمسينيات وبالتحديد احداث ثورة الشواف التي جرت عام 1959 والتي افرغت مدينة الموصل من اغلب مسيحييها حيث اضطرتهم الظروف لترك المدينة واللجوء الى العاصمة بغداد حيث انشئت مناطق ذات اغلبية مسيحية فيها كالغدير وزيونة بجانب الرصافة بالعاصمة العراقية بغداد فيما لم يلتفت الكاتب الى فترة الاربعينيات التي شهد منتصفها انشاء منطقة الدواسة التي كانت اغلب حواريها مسكونة من المسيحيين من اللائذين بمدينة الموصل بعد ان تركوا مناطقهم في زاخو وقرى الشمال بسبب الاصطرابات التي كانت تحصل في تلك الفترة .