الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أحمد دخيل النقيب فنان من الموصل.. التشكيل بوصفه ذاكرة مدينة وروحاً للشعر

بواسطة azzaman

أحمد دخيل النقيب فنان من الموصل.. التشكيل بوصفه ذاكرة مدينة وروحاً للشعر

ياس خضير البياتي

 

وُلد الفنان التشكيلي العراقي أحمد دخيل النقيب في الموصل عام 1957، ونشأ في بيئة ثقافية وجمالية غنية انعكست لاحقًا في أعماله الفنية التي حملت ملامح المكان وذاكرته وتفاصيل حياته اليومية. وهو واحدًا من الأسماء البارزة في الحركة التشكيلية في العراق، ولا سيما في مدينة الموصل التي ارتبطت تجربته الفنية بها ارتباطًا وثيقًا. امتلك النقيب مسيرة أكاديمية متميزة؛ فقد حصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1980 بامتياز، ثم نال شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة عام 1990. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل دراساته العليا ليحصل على الماجستير عام 2011 والدكتوراه عام 2014 بامتياز، قبل أن يُمنح الدكتوراه الفخرية في الفن التشكيلي من الأكاديمية العالمية الصوفية عام 2018، في اعتراف بمكانته الفنية وإسهاماته في تطوير التجربة التشكيلية.

على الصعيد المهني، شغل مواقع ثقافية وفنية متعددة، وكان عضوًا فاعلاً في عدد من المؤسسات والجمعيات الفنية، منها نقابة التشكيليين فرع نينوى، ونقابة الفنانين والمعلمين، وجمعية التشكيليين والخطاطين، وجمعية الفنون البصرية المعاصرة في العراق، إضافة إلى عضويته في جمعية الخطاطين الأردنيين واللجنة الاستشارية للبيت الثقافي في نينوى. كما كان عضوًا مركزيًا في رابطة مجموعات محمود درويش، ما يعكس اهتمامه العميق بالعلاقة بين الفنون البصرية والأدب.

أقام الفنان العديد من المعارض الشخصية في بغداد والموصل والأردن منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ابتداءً من عام 1979 مرورًا بالأعوام 1982 و1985 و1997 و1998 و2009 و2013 وصولاً إلى معارضه الحديثة في 2020 و2023. كما شارك في معارض جماعية مهمة مثل معرض الواسطي ومعرض الفن العراقي المعاصر ومعرض بابل الدولي. وقد وجدت أعماله طريقها إلى مقتنيات خاصة ورسمية في دول عربية وأجنبية مثل الأردن ومصر ودول الخليج وروسيا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة.

يُعرف الفنان الموصلي بتنوع تجربته الفنية، إذ اشتغل على الرسم والتصميم والغرافيك، وقدم تصميمات عديدة للشعارات والملصقات، من بينها تصميم طابع وفولدر مؤتمر برج بابل وزقورة بورسبا عام 1998، فضلًا عن عدد من البوسترات التي حاز عنها جوائز متعددة.

انتاج فكري

أما على صعيد الإنتاج الفكري، فقد أصدر عددًا من الكتب والدراسات التي تعكس اهتمامه بتاريخ الفن العراقي القديم وجمالياته، منها كتاب “تصاميم الرسوم على الأواني الفخارية في عصر فجر السلالات في العراق القديم” (2013)، و “القيم الجمالية للرسوم والمنحوتات في العصر الآشوري الحديث في العراق القديم” (2017). كما صدرت عنه دراسات وكتب نقدية تناولت تجربته الفنية، منها كتاب “الفنان التشكيلي د. أحمد دخيل النقيب إنسان لا يعرف الركود” لعبد الغني أحمد العالم، وكتاب “الانبهار الفني والروحي والميثولوجي” للكاتب موفق الطائي.

وقد حصد الفنان خلال مسيرته عددًا من الجوائز والتكريمات، من أبرزها الجائزة الأولى لملصق عدم الانحياز عام 1982، والجائزة العربية للإبداع الثقافي في الفن التشكيلي عام 2013، إلى جانب دروع تكريمية من جامعة الموصل والرابطة العربية للآداب والثقافة ومركز يوسف ذنون للأبحاث التاريخية والفنية.

لكن ما يميز تجربته ليس الجانب الأكاديمي أو المؤسسي فحسب، بل رؤيته الفنية التي تقوم على حوار دائم بين التراث والحداثة. فقد وجد نفسه أمام سؤال جمالي مهم: كيف يمكن للفنان أن يحافظ على جذوره الثقافية وفي الوقت نفسه ينفتح على الرؤى الفنية المعاصرة؟ جاءت إجابته عبر مشروع تشكيلي ينهل من الذاكرة المحلية لمدينة الموصل، ويحوّل مفرداتها المعمارية والإنسانية إلى نصوص بصرية غنية بالدلالات.

في أعماله، تتحول الأزقة الضيقة والنوافذ القديمة والأبواب الخشبية إلى عناصر تشكيلية نابضة بالحياة. فالمدينة بالنسبة إليه ليست مجرد موضوع للرسم، بل فضاء للذاكرة والحنين. لذلك تبدو لوحاته وكأنها استعادة لزمن جميل يتوارى خلف التحولات القاسية التي شهدتها المدينة. ومن خلال الكتل اللونية الهادئة والضربات الشفافة للفرشاة، يخلق الفنان إيقاعًا بصريًا يلامس وجدان المتلقي ويستحضر إحساس الألفة والحنين.

تتجلى في أعماله علاقات بصرية رمزية مثل العلاقة بين الشباك والباب، أو بين الزقاق والإنسان، أو بين المرأة والنافذة، وهي علاقات تمنح اللوحة بعدًا إنسانيًا وتأمليًا. كما تتسم تجربته بالابتعاد عن الثرثرة البصرية؛ إذ يحرص على اقتصاد الشكل واللون، والتركيز على الجوهر التعبيري للمشهد.

ومن التجارب اللافتة في مسيرته الأخيرة معرضه الذي مزج فيه بين الشعر والفن التشكيلي، حيث قدّم لوحات مستوحاة من قصائد لشعراء عراقيين وعرب. في هذا المشروع الفني تحوّلت القصيدة إلى صورة، وتحوّل اللون إلى لغة موازية للكلمة. فالشعر بالنسبة للنقيب ليس نصًا مقروءًا فقط، بل فضاء بصري يمكن أن يولد منه شكل ولون وإيقاع.

ويرى الفنان أن العلاقة بين الكلمة والصورة علاقة تكامل وتفاعل، إذ تتكون القصيدة من الحروف والمقاطع، بينما يتكوّن العمل التشكيلي من الخط واللون والحجم والشكل. وعندما يلتقي الاثنان، تتولد تجربة جمالية متعددة الأبعاد تسمح للمتلقي بقراءة الشعر بعين جديدة، ورؤية اللوحة بروح القصيدة.

إن تجربة أحمد دخيل النقيب في جوهرها محاولة دائمة للقبض على الزمن الهارب واستعادة ملامح المدينة التي أحبها. فهو يقف أمام النوافذ المفتوحة على الشوق والحنين، ويتأمل الجدران العتيقة التي تختزن الحكايات، ليحوّلها إلى لوحات تحمل أثر الماضي وإشراقات الجمال.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن مشروعه الفني ليس مجرد ممارسة تشكيلية، بل رحلة بحث عن الهوية الجمالية للمدينة والإنسان، حيث تمتزج الذاكرة بالمكان، والشعر بالصورة، ليبقى الفن عنده شاهدًا حيًا على ما تبقى من جمال العالم.

 

 


مشاهدات 25
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/03/07 - 2:01 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 73 الشهر 6440 الكلي 14960509
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير