الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المرأة الكردية

بواسطة azzaman

المرأة الكردية

 ياسين الحديدي

 

دراسة منشورة في 1-2-1913 في مجلة لغة العرب العدد 29  كتبها احد الكتاب اسمه شكري الفضلي اثناء سفرته الي الشمال في ذلك الزمن

(لغة العرب)  الذي عاش بين ظهراني الأكراد نحو 20 سنة وقد وقف على هذا الجيل أتم الوقوف حتى اطلع على عجرهم وبجرهم داخلهم وخارجهم خلوتهم وجلوتهم وقد تجول في تلك الديار كل التجول حتى إنه لم يفته أمر ولهذا لا تقرأ هنا إلا الصحيح الذي لا يشوبه ريب فنوجه نظر القارئ إلى مطالعة هذا البحث بتدبر. وكذلك كتب عن الرجل الكردي واسأنشرها تباعا في ثلاث حلقات

لا يقوم بناء مكين، إلا إذا كان هناك أساس متين، وحيث لا أساس رصين،يكون الخراب السريع الأكيد اليقين، وما يقال في البيت المادي يقال في البيت الاجتماعي، الذي تضم حيطانه سكانه، وأساس البيت الاجتماعي هو المرأة؛ فحيثما ترى المرأة كاملة عدة النفس وهي الفضائل الصادقة، والعلوم المرقية، والآداب الطاهرة، وخدمة المنزل بدون وناء وفتور، تحكم إن هناك العمران الحقيقي والحضارة المنشودة. وقد ترى المرأة مزودة بعدة النفس إلا أنه لا يرى هناك ما أشرنا إليه من أمر هذه الحقيقة؛ والسبب هو حالة المربي الموجودة هي فيه، كما أنك لو أقمت داراً عامرة أو قصراً مشيداً في وسط فلاة لا ماء فيها، ولا نبات يوشيها، فإن ذلك المعهد قد يستقيم أعواماً مديدة، إلا أنه يبقى خالياً من كل ساكن لوجوده في موطن لا يعيش فيه حي ولا يأنس فيه أنيس.

وهذا الذي نقوله يؤيده الواقع في المرأة الكردية الحالية التي تختلف بيئتها عن بيئة سائر الناس ولا سيما عن نساء العرب. فالمرأة الكردية لا تحتجب كالعربية أو كالإعرابية قطعاً، بل تطوي بساط أيامها في مقامها الطبيعي حرة العمل والتصرف هادئة الضمير والوجدان تذب عن حقوقها على حد ما يذب عنها الرجل الكردي بدون فرق. وهي ترافق زوجها مدى العمر إذا راعى حقوق الزوجية. وتفارقه أو تهجره إذا أصر على هضم تلك الحقوق أو انتهاكها ولهذا زوجها يوافقها قلباً وقالباً ولا يتعدى عليها إلا في النادر. تراها تشاطر الرجل (سواء كان أخاً أو أباً أو زوجاً أو قريباً) في أمر المعاش وتخفف عنه أعباء

المتاعب والمصاعب بكمال النشاط والهمة وتبعث في نفسه دواعي الشجاعة وتسليه في حالتي السراء والضراء، الرجاء واليأس. - تعنى بتربية الأولاد من بنين وبنات أشد العناية ولا تفرق تربية البنين من تربية البنات، إلا أنها تراعي حقوق المكان والزمان وتعودهم الأشغال الشاقة منذ نعومة أظفارهم وتناسب بين شغل وشغل مناسبة لشق وشق - تقوم بإدارة البيت وتستقبل الأقرباء والأحباء والضيوف بذيل طاهر، وطرف قاصر، وجفن ساهر، وقلب سليم، وعقل قوي، كل ذلك حضر زوجها أو غاب، حياً كان أو ميتاً - تصغي للرجل والرجل يصغي إليها في تجاذب أطراف ما يجب عمله أو إهماله حفظاً لحياة الأسرة أو تسهيلاً لقضاء حاجياتها لأنها تشاهد وترى كل ما يجري في بيتها وتعرف جميع أحوال الذي تعيش فيه فتطابق حالتها عليه ولا تفرق عن الرجل فيالانتباه إلى ما يجب عمله وتركه. اللهم إلا في الأمور التي لم يكن لها فيها ناقة ولا جمل، أو جرت بعيدة عنها على غير مرأى ومسمع منها - المرأة الكردية الشريفة الكبيرة العريقة النسب تقوم مقام الرجل في المعاملات: في اكرآء الدور والبساتين والخضر والحوانيت والخانات وتفجير العيون وتعمير الأرضين وأغلال الضيع بل تشارك الرجال في وظائف الحكومة المودعة لزوجها أو لأحد أقربائها وأنسابها وإن كان هذا الأمر نادراً. رأيت امرأة أحد قوام المقامات في كردستان واسمها (خانم) تدير شؤون القضاء فيراجعها المتوظفون في كل الأمور المتعلقة بالإمارة. وشاهدت امرأة أحد القضاة واسمها (آمة) (أي أمينة) تجمع الحرس وتجول بهم في الأزقة من الصباح إلى المساء أو بالعكس لحفظ البلدة من سطوة اللصوص وهجمات الأشقياء.

والمرأة الرحالة الكردية تمتطي الجواد كالرجل إذا أرادت السفر وتتسلح بالأسلحة المألوفة وتستعملها إذا اقتضت الحال، لركوب الأهوال - صادفت امرأة من عشيرة الشوان اسمها (كوخا نركس) قتل الهماوند أخاها فتزيت بزي الرجال وتسلحت وتنكبت بندقية وشكت في منطقتها مسدساً وامتطت جوادها وما زالت على متن فرسها حتى أخذت به وثأرت أخاها - والمرأة القروية تقطع المسافات البعيدة وتأتي المدن للبيع والشراء وهي تسعى سعياً حثيثاً على رجليها سواء كانت وحدها أم لا وقد تجلببت بالعزم والحزم وتحجبت بالمناعة والعفاف: رأيت في سفري إلى بعض ديار كردستان امرأة راجلة كانت تتبع قافلتها بجد

وسعي وكانت حبلى. وفي أثناء السير تأخرت عنا زمناً. ثم لما نزلنا على ماء لنتناول الغذاء إذا بالمرأة قد أدركتنا وبين ذراعيها وليد تباغمه، ولما ظعنا نهضت معنا وهي تجد في السير كالسابق فعلمنا أنها تأخرت لوضع الحمل. ولم يعقها عائق لا الحبل ولا الطلق ولا النفاس فقلت نعمت المرأة ولتكن النساء على هذا المثال من الجد والعناء، جاهلات الحمول والوناء. على أن المرأة المدنية لا تضاهي الكردية القروية في جميع الأمور لتغير أسباب المعيشة والبيئة والمربى.

 


مشاهدات 4
الكاتب  ياسين الحديدي
أضيف 2026/02/25 - 1:55 PM
آخر تحديث 2026/02/25 - 10:42 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 868 الشهر 20232 الكلي 14951875
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير