الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مبدعون بالذاكرة .. عبد اللطيف السعدون

بواسطة azzaman

مبدعون بالذاكرة .. عبد اللطيف السعدون

رحلة الكلمة في زمن الغياب

ياس خضير البياتي

 

ولد عبد اللطيف السعدون عام 1941 في الفلوجة، المدينة التي يحتضنها نهر الفرات بين ضفتين. وُلد في أسرة ذات جذور عميقة في تاريخ المنطقة وثقافتها.

في تلك الأرض حيث تتلاقى المياه مع اليابسة وتروي الرياح قصص العصور، نمت أولى ملامح حسه بالجمال وتفتحت روحه على إيقاع الحكايات المنبثقة من تفاصيل الحياة اليومية.

ترعرع بين الحواري الضيقة والمشاهد العادية التي تبدو بديهية للناس، لكن في عينيه كانت تمثل عوالم غامرة. كان فتىً يستكشف الحياة بدافع فضول كبير، يستمع إلى صوت أقدام المارة كما لو كانت أنغاماً تاريخية، ويرى القصص تتجلى في البائع الذي يقدم الخبز، وفي نداءات الأذان، وضحكات الأطفال في فناء المدرسة.

ومنذ تلك السنوات، بدأت الكلمة تأخذ مكانتها في قلبه، لا كأداة تعبيرية فقط، بل كنافذة لرؤية العالم من حوله.

عندما انتقل إلى بغداد لدراسة القانون، لم يكن ذلك مجرد خيار مهني، بل مرحلة من الوعي العميق. خلال حياته الجامعية، استكشف مفاهيم السلطة والعدالة والترتيبات الاجتماعية، وبدأ ممارسة النقد الذي أصبح لاحقاً إحدى سمات تقاريره الإعلامية.  كانت بغداد في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين مركزًا ثقافياً نابضاً، تجمع بين ذوي الفكر والإبداع، فعثر فيها على بيئة تفتح آفاقه وتنمي مهاراته.

يعتبر كاتباً وصحفياً معروفاً من جيل الرواد في العراق، حائزاً على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة كالغري في كندا، حيث تداخلت مسيرته بين المجالات الإعلامية والدبلوماسية. لقد قادته تجربته في إذاعة بغداد إلى العمل كمذيع ومدير للبرامج، وتولى عدة مهام، منها إدارة مراقبة المطبوعات، ومدير للأبحاث، ورئيس تحرير مجلة «المثقف العربي»، بالإضافة إلى ترؤسه تحرير مجلتي «العراق الجديد» في روما و«الرائد العربي» في تورنتو.

حضور فاعل

وهو أيضاً عضو في العديد من النقابات والجمعيات المهنية والقانونية، منها الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب، مما يعكس حضوره الفاعل في مجالات الإعلام وحقوق الإنسان على المستويين العربي والدولي

لم تكن تجربته الأولى في إذاعة بغداد مجرد وظيفة، بل كانت مدرسة حقيقية لفن التعبير والتواصل.

تعلم هناك كيفية استخدام الصوت كجسر، وكيف يمكن للكلمة المسموعة أن تخلق حضوراً يتجاوز الحواجز. أصبح صوته جزءاً من الفضاء العام، يحمل معاناة وآمال الشعب العراقي، ويعكس شغفهم بالحياة في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة.

لم تقتصر تجربته على الإذاعة فقط. انتقل إلى مواقع إعلامية ودبلوماسية في مدن مثل الخرطوم وبودابست وروما والرياض، بينما يحمل العراق في قلبه ويستكشف ثقافات جديدة.

لم تكن تجربة الغربة بالنسبة له انقطاعاً، بل كانت توسيعاً لآفاق الرؤية.

كان يعتبر كل تجربة خارجية فرصة لفهم الذات من خلال الغير، وترجمة العالم إلى لغة داخلية تعتمد على الصحافة والمشاعر الإنسانية.

ومع كل انتقال، تعزز شغفه بالترجمة، لا باعتبارها مجرد تقنية، بل كفعل ثقافي يعيد صياغة المعاني.

في ترجماته لأعمال مثل «عرب الأهوار» لوولفريد ثيسجر و«مذكرات سيدتين أميركيتين في مضارب شمر» و«في موطن آدم وحواء»، لم يقتصر على نقل النصوص، بل برع في استعادة الصور والأصوات والأمكنة، محافظاً على جوهر النص الأصلي مع تلوينه بلغة عربية حيوية.

كانت الترجمة بالنسبة له جسراً بين الثقافات، وسيلة لرسم صورة العراق للعالم وصورة العالم للعراق. على الرغم من أن مشواره لم يكن سلسًا أو خطيًا، إلا أنه شهد تحولات سياسية متقلبة، وتغيرات فكرية عميقة.

كان يفضل التفكير العميق على التفاعل العاطفي، وكان يميل إلى التحليل بدلاً من الاكتفاء بمجرد الوصف. لذلك، اتسمت كتاباته بالرصانة والعمق، حيث كانت تبحث عن المعاني المدفونة خلف الأحداث، والبنى الخفية وراء العناوين الكبيرة.

لم يكن مجرد صوت للسلطة، ولم يكن معارضًا بلا تفكير، بل سعى ليكون صوتًا مستقلًا يتحدث بمسؤولية أخلاقية عند تقييم كلماته.

أثناء عمله كمذيع مع الرئيس عبد السلام عارف، شهد مواقف تاريخية غنية بالرمزية والغموض. نظر إلى عالم السياسة من منظور داخلي، واكتشف أن وراء الصورة الرسمية أشخاص يعتريهم القلق والشك والمعانات.

نقل احداث

فهم أن الإعلام تجاوز كونه مجرد نقل للأحداث، بل يمثل قراءة لملامح البشر، وفهمًا لقلوبهم، وإعادة صياغة للقصص التي تأخذ بعين الاعتبار إنسانية جميع الأطراف. تتكوّن حياته من هجراتٍ متعاقبة، تُوِّجت بالمهجر الأخير بعد عام 2003. لكن الغربة عنده لم تكن مجرد انتقال في الجغرافيا، بل حالة وجودية مركّبة من الحنين والانفصال والأمل.

وحين أقام في فنزويلا نحو عقدين، ظلّ حاضرًا في المشهد الثقافي، يكتب ويترجم ويشارك في الإعلام الدولي، مستمسكًا بخيطٍ متين يصل قلبه بالعراق، رغم المسافات ومتاعب الصحة.

كانت تجربة الغربة اختبارًا لإيمانه بقوة الكلمة. ولم تدفعه للانسحاب. استمر يرى في الكتابة وسيلة للمقاومة ضد النسيان، وفي التوثيق حماية للذاكرة الجماعية.

كتب عن شخصيات وأحداث وتجارب، مدركًا أن الأمم التي لا تحفظ رواياتها تتلاشى وسط سرديات أخرى. استمرت مقالاته في العمل كأرشيف ثقافي حيوي يتداخل فيه الذاتي مع التاريخي والعام.

تميز أيضًا بقدرته على الجمع بين الأسلوب الأكاديمي واللغة السلسة. لم يلجأ إلى المصطلحات المعقدة، وفي الوقت نفسه، لم يفرط في الجدية. خاطب قراءه برقي، عازيًا أهمية وضوح الأفكار وثقافة التبسيط الذكي.

لذا، وجد فيه القراء صوتًا مألوفًا، يعبر عن مشاعرهم ويطرح قضاياهم دون تعالٍ.

في تعامله مع طلابه وزملائه، كان معروفًا بتواضعه ورغبته في الحوار. لم يكن أستاذًا يكتفي بإلقاء الدروس، بل كان دائمًا يشجع النقاش ويؤمن بأن المعرفة هي عملية تعاونية دائمة.

ترك أثرًا في نفوس الأجيال عبر العقول التي ألهمها، والثقة التي زرعها في قلوب الشباب.

الآن، وقد تجاوز الثمانين من عمره، لا يعتبر العمر نهاية للرحلة، ولا ينظر للغربة كبداية لنهاية. يشعر أنه لا يزال على مهمة: حماية الكلمة، نشر المعرفة، وفهم خصائص الإنسانية في قوتها وضعفها.

يعبر بكلماته عن تواصل رمزي بين بغداد التي تكمن في خياله وكراكاس التي احتضنته، مؤمنًا بأن المعاني لا تحدها الجغرافيا.

عبد اللطيف السعدون ليس مجرد إعلامي أو مترجم أو أستاذ جامعي، بل يمثل رمزًا لجيلٍ آمن بأن الثقافة عملية طويلة الأمد.

هو شاهد على تغيرات العراق وباني جسور بين الوطن والمهجر، بين الماضي والحاضر، وبين الكلمة والروح.

من خلال رحلته الغنية، يعلمنا أن الإعلام هو التزام أخلاقي وليس مجرد مهنة عابرة، وأن الكلمات التي تحمى بصدق تتحول إلى وطن يريد المسافات التلاشي أمامه.


مشاهدات 38
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/02/23 - 10:41 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 65 الشهر 18562 الكلي 14950205
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير