الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لعلكم تتّقون.. قراءة في فلسفة الصيام

بواسطة azzaman

لعلكم تتّقون.. قراءة في فلسفة الصيام

حسين الزيادي

 

ليست الحكمة من صيام رمضان مقصورة على الامتناع عن المفطرات، ولا تقتصر على إشعار الغني بمعاناة الفقير ولو كانت هذه هي الغاية النهائية، لما شُرع الصوم  للفقراء والاغنياء على حد سواء، وهما يذوقان مرارة الحاجة في واقع حياتهما، ومن هنا يتضح ان هناك غايات اكثر عمقاً من تشريع الصيام ليكون فرصة متجددة للمراجعة والتطهير، ومجالًا لمحو ما علق بالنفس من أوزار وخطايا، حتى يخرج الإنسان منه وقد تجددت صفحته، ونقِيَت سريرته، وخفّ حمله الروحي، غير أن هذا الفضل لا يتحقق على وجهه الأكمل إلا لمن أدرك حقيقة الصوم،؛ فكفّ جوارحه عن المعصية كما كف بطنه ولسانه عن المفطرات، وضبط سمعه وبصره عن المنكرات وبذلك يتحول شهر الصوم من عادة موسمية روتينية إلى محطة تحول حقيقي نحو الرقي وصفاء النفس وقوة الإرادة وصدق التوجّه إلى الله.

مفهوم نظري

التقوى في معناها الشرعي ليست مفهوما نظريا مجرداً، بل هي سلوك عملي يتمثل في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، فهي التزام شامل يضبط حركة الإنسان في القول والعمل، في السر والعلن، ويجعل حياته كلّها دائرة في فلك الطاعة والوعي الأخلاقي، ومن هنا يتضح أن الصوم ليس غاية في ذاته، بل وسيلة تربوية لصناعة هذا المعنى العميق، وترسيخه في وجدان المؤمن حتى يصبح خلقًا ثابتًا ومنهج حياة، كما يتجلّى البعد التربوي للصوم في قدرته على بناء الإرادة وتعميق ملكة الصبر لدى الإنسان، فالصائم يعيش تجربة امتناع واعٍ عن أكثر ما تميل إليه النفس من طعام وشراب ولذائذ مباحة في أصلها، ومع ذلك يكفّ عنها بإرادته الحرة امتثالًا لأمر الله تعالى، ومن جهة اخرى يتجاوز ذلك إلى تنمية الشعور برقابة الله في أعماق النفس، فالصيام عبادة خفية في جوهرها؛

رقيب بشري

 إذ يمكن للإنسان أن يفطر بعيدًا عن أعين الناس، ومع ذلك يمتنع، وهذه المساحة التي يغيب فيها الرقيب البشري وتبقى فيها رقابة الله وحدها، تُنشئ في القلب إحساسا حيا بحضوره سبحانه، وتوقظ الضمير ليكون هو الحارس الداخلي للسلوك. وهنا يتحول الامتناع عن المفطرات إلى تعبير عن وعيٍ أخلاقي عميق، لا عن التزام اجتماعي ظاهري، وهذا الإحساس بالمراقبة الإلهية لا ينحصر في زمن الصيام، بل يمتد أثره إلى سائر الحياة.  فالشخص الذي تعلّم أن يكفّ نفسه عن الطعام والشراب في خلوته، بدافع إيمانه بأن الله مطّلع عليه، يغدو أقدر على اجتناب الغش والخداع والاعتداء وأكل أموال الناس بالباطل، سواء أكان في العلن أم في السر.

وهكذا يسهم الصوم في بناء الضمير الحيّ الذي يردع صاحبه قبل أن تردعه القوانين أو أنظمة الرقابة الخارجية، وتكشف الآية الكريمة: (… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) عن الغاية التربوية للصيام؛ فالتعبير بـلعلّ  يفيد رجاء تحقق المقصد، إشارةً إلى أن التقوى ثمرةٌ اختيارية تتوقّف على وعي الإنسان واستجابته، فالصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو وسيلةٌ لكسر سلطان الشهوة، وتخفيف دوافع المعصية.

 


مشاهدات 63
الكاتب حسين الزيادي
أضيف 2026/02/21 - 3:57 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 2:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 16885 الكلي 14948528
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير