التخلّي.. انعتاق الوجود من أسر التعلّق
امال أبو حرب
في التجربة الإنسانية يلتقي التعلّق والتخلّي عند نقطة الفقد فهما وجهان لحركة واحدة داخل النفس تبحث عن المعنى في الارتباط والانفصال التعلّق ينشأ من خوف الإنسان من العدم من رغبته في أن يجد لنفسه مرآةً في الآخر أو في الشيء بينما التخلّي يشكّل نداء الوعي نحو التحرّر من المرايا والعودة إلى الذات الأولى.
يصف الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر التخلّي بوصفه حالة يقظة وجودية فيها يستعيد الإنسان وعيه بحضوره في العالم بصفائه الأصيل متخففًا من الغايات الخارجية ومتلقّيًا للحظة، كما هي في كتاباته عن الوجود نحو الموت ربط هايدغر هذا الانعتاق بقدرة الكائن على مواجهة فنائه فالذي يتأمل في تجربة الموت يصفو من التشبّث ويبلغ صدقًا في معايشة الحاضر.
من زاوية نفسية يتجلّى التخلّي كذروة للنضج الانفعالي فهو توازن بين الرغبة في البقاء والقدرة على الفقد الإنسان المتعلّق يعيش في قيد الاستمرار يخشى الانفصال لأنه يراه محوًا لذاته وحين يكتسب الوعي الداخلي يدرك أن الهوية تنبع من الخبرة والتجربة فيتحوّل التخلّي إلى طاقة داخلية تفتح مساحة للسلام والقبول حيث يستطيع أن يحبّ بحرية ويعبّر عن حزنه بعمق واتزان.
وفي تجربة فريدريك نيتشه يظهر هذا التحوّل في أوضح صوره حين انقلبت عليه صحته وأفكاره في أواخر حياته واجه انطفاءه بعين الفيلسوف الذي يتخلى عن صور القوة القديمة ليبلغ مقام الإنسان الأعلى — الكائن الذي يتجاوز ذاته السابقة ويتحرّر من أثقال رغباته ليمشي في العراء مكتفيًا بمعنى وجوده المحض مارس نيتشه التخلّي كفعل فلسفي يولّد حرية داخلية تفوق حدود التملّك.
في الشعر الجاهلي يبرز كعب بن زهير بن أبي سلمى ابن شاعر المعلقة زهير وحفيد ربيعة بن رياح مثالًا حيًّا على التخلّي الذي يولّد الخلاص نشأ كعب في أسرة شعرية عريقة فكان أبوه زهير من حكماء الشعراء في الجاهلية وأخوه بجير من أوائل من أسلموا غير أن عناد العصبية الجاهلية دفع كعبًا إلى هجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم أخوه فصار هدفًا مباحًا لدمه.
لكن التخلّي غيّر مسار حياته إذ هرب كعب فترة ثم أسلم عام الفتح وجاء إلى المدينة معتذرًا بقصيدته الخالدة بانت سعاد التي نال بها عفو النبي ورداءه الشريف تخلّى كعب عن عصبيته القبلية وعن هجائه الجاهلي وعن وهم المجد الزائف فوجد الطمأنينة والأمان جعل منه التخلّي شاعرًا جديدًا انتقل من الهجاء إلى المديح ومن الشرك إلى الإيمان ومن المحلية إلى الخلود الشعري في قصيدته التي مطلعها بانت سعاد فقلبي اليوم متبول حيث أحرقت نار التحول جذوره القديمة لتنبت فيه حياة جديدة بصوت النور لا الجاهلية.
وتتجسّد فكرة التخلّي الكامل أيضًا في تجربة الشاعر الفرنسي أرثور رامبو الذي كتب أجمل شعره وهو في ذروة التمرّد ثم تخلى عن الشعر في العشرين من عمره كما لو أنه يتخلّى عن نفسه ترك أوروبا وسافر إلى أفريقيا ساعيًا نحو حياة خالية من المعنى الأدبي الذي ملأ شبابه كان تخلّيه صرخة ضد العالم وضد اللغة وانتهى هذا التمرّد بموت مبكر وهو في السابعة والثلاثين في تجربته صار التخلّي انتحارًا رمزيًا ضد الذاكرة وكأن الجسد لم يجد مهربًا من عبء الحرية التي اختارها.
من المنظار الوجودي كلّ تخلٍّ أصيل تمرين على الموت قبل أن يأتي وإعلان ولادة جديدة في كل مرة فكلما ترك الإنسان ما ظنّه ضروريًا لوجوده ازداد التصاقًا بالحياة ذاتها التخلّي يغدو عودة إلى جوهر الذات وإلى قدرتها على أن تحيا دون أقنعة في صفاء التجربة واتساع المعنى.
تجربتي مع التخلّي قليلة لكنها كانت قاسية إلى حدّ يجعلها تتردد في ملامحي أحيانًا أشعر بحزن يسكن في عينيّ يسألني عنه الجميع ولا أجد له جوابًا واضحًا هو أثر تخلٍّ عن من أحب أو عن ما كنت أظنه جزءًا مني التخلّي في الواقع أكثر صعوبة مما يُصاغ في الكلمات لأنه الحزن في صورته الخالصة قرار يقف ضد رغبتنا ومع ذلك نضطر إليه لأن كل نفس تطلب الراحة بطريقة ما.
وجدت أن التخلّي يصفّي قلبي ويمنحه نقاءً أعمق ويقوّي روحي حتى تزداد وضوحًا بعد أن كانت محجوبة بالتعلّق حين تخلّيت عمّا كان يملأ شعوري انفتحت أمامي مساحة أرحب لفهم الحياة الوجع تحوّل إلى بصيرة والبياض الذي كان وجعًا صار ضوءًا في التخلّي وجدت حريتي وفي التعلّق ظننت أنني أعيش عمق المعنى.
أنا لا أشجع أحدًا على التخلّي فالقصد في أن يتعلّم الإنسان اتخاذ الموقف الصحيح في وقته الصحيح أحيانًا أؤيد التخلّي عن الكتابة لأنها تُرهقني وتستنزف ذاكرتي حين أتوقف عنها أتنفّس قليلًا بعد الغرق في بحر الكلمات ومع ذلك أعود إليها لأنها تستبقي ما في داخلي من نبض.
حتى الصداقة رغبت أحيانًا أن أتخلى عنها فلي فيها مآرب أخرى وأفكاري تجاهها شديدة التقلّب حتى اختلافي مع الآخرين فكّرت أحيانًا في التخلّي عنه لكنه يمثلني ويشكّل جوهر وجودي هذا التناقض يجعلني رغم ما أحققه من نجاح أشعر بالألم كأنه ظلّ مرافق لا يفارقني.
وكما قال المعري حين ضاق بالعالم وأحلامه الزائلة تعبٌ كلّها الحياة فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد في تلك الجملة تتجسّد خلاصة التخلّي أن يدرك الإنسان أن ثِقَل الرغبة هو ما يربطه بالألم وأن الصفاء يتحقّق حين يرضى بطبيعة الوجود كما هي دون زيفٍ أو مجاهدةٍ للقدر.
* كاتبة وحقوقية تونسية