الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لولو زعلانة

بواسطة azzaman

كلام أبيض

لولو زعلانة

جليل وادي

 

زعلت علينا حفيدتي لولو ابنة الخامسة من العمر، وقد ذرفت من دموع الاحباط الكثير، كان زعلها مختلفا هذه المرة، تشعر به نابعا من ثنايا القلب، وبائنا على وجهها الشاحب بوضوح، لم نتمكن من ارضائها بالرغم من تعويضها بجميع الأشياء التي كانت تنتظرها، عادت لولو الى فراشها على غير عادتها عند الاستيقاظ حيث تملأ البيت حركة وكلاما، فتزعج من بقي نائما، لكن أحدا لا يستطيع تعكير مزاجها، فهي آسرة للقلوب، يصحو أغلبنا على وقع حركاتها والأشياء المتساقطة من يديها، لا ندري لِمَ نسينا ما نفعله في ليلة أخر السنة التي نسهر فيها الى ساعة متأخرة، متسمرين قبالة شاشة التلفزيون نتنقل من فضائية لأخرى لمشاهدة احتفالات شعوب الدنيا بأعياد الميلاد، بينما يتعذر علينا نحن أصحاب العوائل الخروج مثلهم الى الشوارع والساحات لنستمتع بجموع الناس والسماء المزدانة بألوان الألعاب النارية المنظمة، فأماكننا الاحتفالية تسللت اليها وحوش ضارية حتى تستغرب كيف أصبح شبابنا بهذه الحال.

قلبنا الأعذار لنجد ما يقنع لولو كما ندلعها، لكي نعيد البسمة الى شفاهها، فبسمتها الصباحية تشيع التفاؤل في نفوسنا، ذلك ان البيت يعمل على ايقاعاتها، ولا أكتمكم انه بالرغم من صغر سنها، لكنها تتمتع بتفكير أكبر من عمرها، والسبب نموها اللغوي السريع، ما منحها حصيلة لغوية تتيح لها ان تفكر بطريقة مقبولة في أحيان كثيرة، حتى نعجب كيف تصوغ عباراتها بهذه الدقة لتعبر عما يدور في دماغها من أفكار، وهنا أيقنت تماما بما أكده علماء اللغة : من ان اللغة هي الآلية التي يستخدمها الدماغ في التفكير، ولا أشكك أبدا بمقولة المستشرق الفرنسي ماسينيون من ان النهوض بالأمم يبدأ من الارتقاء بلغتها، ولكن عندما أعلنت هذه الحقيقة العلمية في مؤتمر شارك به فنانون أكاديميون استغرب بعضهم قولي: ان ضعف خيال طلبتنا في الفنون يعزى لوجود خلل في آلية التفكير المتمثلة باللغة، ولذلك أتساءل: هل التأخر الذي يعانيه شبابنا سببه انخفاض مهاراتهم اللغوية وتراجع حصيلتهم الثقافية؟.

أعود لحفيدتي التي أحرجتنا في ايجاد تبرير منطقي يقنعها ويكف بكائها وينهي الاحباط الذي خيم عليها عندما استيقظت صباحا ولم تجد هدايا بابا نوئيل عند الباب، كان في بالنا القول لها ان البابا أحضر الهدايا، لكن الأطيان والمياه التي خلفتها الامطار الأخيرة في شارعنا غير المعبد منعته من الوصول لبابنا لكي لا تتلوث ملابسه، لكننا ترددنا خوف أن يتشكل لديها اتجاه سلبي ازاء المطر وهو خير وبركة، كما هي حالي، فمع بلوغي العقد السادس ونيف، لكن سرعان ما تتسلل الكآبة الى نفسي بمجرد أن تكون السماء غائمة، فالغيوم تعني في طفولتنا انهمار المطر من سقوف بيوتنا الطينية المتكونة من جذوع النخيل والقش والسعف، ويصل حتى الى فراشنا عندما يكون شديدا، وأحيانا نسمع أصوات سقوط أشياء ثقيلة من سقف الحجرة، فنظنها جرذان او أفاعي مختبئة بين القش والسعف، فنرتجف خوفا وسط ظلام دامس الا من بصيص ضوء يبعثه فانوس نفطي عليل، ليال بفارغ الصبر ننتظر صباحها.

أخيرا القينا باللوم على الخالة نمارق بأنها احتفظت بهدايا بابا نوئيل التي وضعها عند الباب تحسبا من عبث القطط والكلاب السائبة، وهدأت الأجواء بانتظار الخالة التي ستأتي ظهرا، مثلما انتظرت عند باب الكلية صديقي الودود الذي ضاعت علّي أخباره بالرغم من ابحاري المتواصل عنه في مواقع التواصل خالد فرج المسيحي الوحيد في شعبتنا لأهنئه بأعياد الميلاد.

كان جميع الطلبة يحتفلون بأعياد الميلاد، فهو عيد الجميع، لم نميز بين عيد وآخر اسلاميا كان ام مسيحيا ام صابئيا وغيرها من أعياد الديانات الأخرى، هكذا كنا وسنبقى مهما فعلت بنا سياسة آخر زمن، فجمال العراق في ألوانه الاجتماعية، وصورته لن تكتمل بلا مسيحيين وصابئة وأيزيديين وسنة وشيعة، ولن يكون قويا بلا أكراد وتركمان وآشوريين وعرب وغيرهم، ولا يمكنني أن اتصور عراقا بهيجا بلا مسيحيين، لنفهم ذلك رجاء. لم تتأخر الخالة، الكل استقبلها عند الباب تتقدمهم عزيزة أهلها وعينها على ما تحمله الخالة بيدها، فابتسمت لولو مع نظرة غريبة للخالة لم نعرف لها  تفسيرا.

 

jwhj1963@yahoo.com

 


مشاهدات 84
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/01/04 - 12:55 PM
آخر تحديث 2026/01/04 - 11:24 PM

أخبار مشابهة
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 2816 الكلي 13110239
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير