الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي.. سعد البزاز

← بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي.. سعد البزاز

رحلة الكلمة من المنبع إلى فضاء الإعلام العربي

صالح رضا

هناك شخصيات عراقية لا يمكن أن تمر في الذاكرة مروراً عابراً، لأنها لم تكن جزءاً من مرحلة واحدة، بل كانت شاهدة على مراحل متعددة من تاريخ العراق، وأسهمت في صناعة المشهد الثقافي والإعلامي والفكري خلال عقود طويلة. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الإعلامي والصحفي الكبير الأستاذ سعد البزاز، أحد الأسماء التي تركت حضوراً واضحاً في تاريخ الإعلام العراقي والعربي خلال العقود الماضية. ولد سعد عبد السلام البزاز في مدينة الموصل عام 1952، المدينة التي أنجبت على مدى تاريخها الطويل أسماء كبيرة في الأدب والفن والثقافة والإعلام. ومن هذه البيئة بدأ البزاز خطواته الأولى، ليشق طريقه في عالم الإعلام، ويصبح واحداً من الأسماء المعروفة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون. بدأ عمله الإعلامي في تلفزيون الموصل، ثم انتقل إلى بغداد، حيث تدرج في عدد من المواقع المهمة في المؤسسات الإعلامية . وتولى خلال مسيرته مسؤوليات بارزة في الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء العراقية، كما تولى رئاسة تحرير جريدة «الجمهورية»، وعمل في مجالات النشر والثقافة والإعلام، الأمر الذي منحه خبرة واسعة في مختلف جوانب العمل الصحفي والإعلامي. ولم تكن هذه المناصب مجرد عناوين وظيفية في مسيرته، وإنما كانت مراحل أسهمت في تكوين شخصية إعلامية تعرف الصحافة من داخلها، وتعرف أهمية الخبر والتحقيق والحوار، وتدرك أن المؤسسة الإعلامية الناجحة تحتاج إلى كادر مهني وثقافة واسعة ورؤية تتجاوز حدود الخبر اليومي. وكان للحوار الإعلامي مساحة مهمة في تجربته، إذ ارتبط اسمه بعدد من اللقاءات والحوارات مع شخصيات عراقية وعربية بارزة، وهو ما كشف عن اهتمامه بالثقافة والفكر إلى جانب اهتمامه بالصحافة والإعلام. لكن المحطة الأهم في مسيرته جاءت عندما غادر العراق واستقر في لندن، حيث أسس عام 1997 جريدة (الزمان)، لتبدأ مرحلة جديدة في تجربته المهنية. لم يكن تأسيس صحيفة عراقية في لندن في تلك المرحلة أمراً سهلاً، خصوصاً أن العاصمة البريطانية كانت تضم مؤسسات صحفية عربية كبيرة، وكانت المنافسة شديدة. ومع ذلك استطاع البزاز أن يحول فكرة الصحيفة إلى مشروع إعلامي مستمر، وأن يجعل (الزمان) حاضرة بين الصحف العراقية والعربية. ومع مرور السنوات اتسع انتشار الصحيفة، وأصبح لها حضور في أكثر من مكان، ثم صدرت لها طبعة في بغداد بعد عام 2003، لتكون حاضرة في المشهد العراقي إلى جانب حضورها الدولي. وهنا تظهر إحدى أهم سمات تجربة سعد البزاز، وهي أنه لم ينظر إلى الصحافة باعتبارها صحيفة فقط، وإنما باعتبارها مؤسسة إعلامية متكاملة تستطيع أن تتوسع وتستمر وتواكب المتغيرات. ثم انتقل مشروعه الإعلامي إلى الفضاء التلفزيوني، فكانت قناة (الشرقية) إحدى أبرز التجارب التي ارتبطت باسمه، لتصبح الشاشة امتداداً للمشروع الصحفي، وتتوسع التجربة من الصحيفة إلى التلفزيون والإعلام المرئي.

جانب انساني

غير أن ما يستحق التوقف عنده في تجربة البزاز ليس الجانب المهني وحده، بل الجانب الإنساني الذي ظهر في عدد من برامجه ومواقفه الإعلامية. فالإعلام، في نظر كثير من الناس، لا يكتسب قيمته الحقيقية من نقل الأخبار وحدها، وإنما عندما يقترب من الإنسان ومشكلاته اليومية. وقد عرف البزاز في عدد من برامجه ولقاءاته باهتمامه بقضايا المواطنين، وفتح المجال أمام أصحاب المشكلات والحالات الإنسانية لإيصال أصواتهم، والسعي إلى معالجة بعض قضاياهم من خلال قوة الإعلام وقدرته على الوصول إلى المسؤولين وأصحاب القرار.وقد تكون مساعدة إنسان بسيط في محنة، أو إيصال صوته إلى جهة قادرة على مساعدته، من أهم الأدوار التي يمكن أن يؤديها الإعلام. وهذا الجانب الإنساني هو الذي يجعل الإعلام قريباً من الناس، لأن المواطن عندما يجد أن مشكلته تجد من يسمعها ويتابعها، يشعر أن الشاشة والصحيفة ليستا بعيدتين عن حياته، وإنما يمكن أن تكونا وسيلة للدفاع عنه وإيصال صوته. ومن هنا فإن تجربة سعد البزاز لا تختصر في الصحيفة والقناة والمناصب التي شغلها، وإنما تمتد إلى علاقة الإعلام بالمجتمع، وإلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسة الإعلامية في خدمة المواطن والوقوف إلى جانبه. ولا يمكن الحديث عن (الزمان) في بغداد من دون الإشارة إلى الأستاذ الدكتور أحمد عبد المجيد، الذي يتولى إدارة الجريدة في بغداد، ويقود العمل الصحفي فيها بمهنية واقتدار. لقد استطاع الدكتور أحمد عبد المجيد أن يحافظ على حضور «الزمان» في المشهد الصحفي العراقي، وأن يدير واحدة من المؤسسات الصحفية المهمة في البلاد وسط ظروف إعلامية متغيرة ومتسارعة. وهو صاحب تجربة طويلة في الصحافة والثقافة، وقد منح الجريدة حضوراً مهنياً واضحاً، وأسهم في استمرارها وتطورها.

ومن الإنصاف أن يذكر اسمه إلى جانب تجربة (الزمان)، وقد كان لعبد المجيد دور مهم في دعم مشروع (شخصيات من بلادي)، وتشجيع الفنان على توثيق عدد من الشخصيات العراقية والعربية من خلال البورتريت، وهو ما منح هذا المشروع مساحة مهمة في صفحات (الزمان)، وجعل الصحيفة شريكاً في حفظ جانب من  الذاكرة الفنية والثقافية العراقية. ومن هنا جاءت صور عدد من الشخصيات التي رسمتها بريشتي لتجد طريقها إلى صفحات الصحيفة، ضمن مشروع أردت من خلاله أن تبقى وجوه المبدعين العراقيين والعرب حاضرة في الذاكرة. إن سعد البزاز، في مسيرته الطويلة، يمثل نموذجاً للإعلامي الذي لم يكتفِ بالعمل داخل مؤسسة قائمة، وإنما انتقل إلى تأسيس مشروعه الخاص، وواصل تطويره عبر الصحافة والإذاعة والتلفزيون والفضاء الفضائي، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بمؤسسات إعلامية واسعة الانتشار. وإذا كانت الصحافة مرآة للمجتمع، فإن الصحفي والإعلامي مسؤول أيضاً عن الصورة التي يقدمها لهذا المجتمع. ولذلك فإن قيمة الإعلام لا تقاس بعدد الصفحات أو ساعات البث وحدها، وإنما بقدرته على ملامسة حياة الناس، ونقل قضاياهم، وفتح الأبواب أمام أصوات قد لا تجد طريقها إلى المسؤول أو الرأي العام.

صحيفة ورقية

لقد عاش البزاز مراحل مختلفة من تاريخ العراق، وعايش تحولات كبيرة في الإعلام العربي والعالمي، من عصر الصحيفة الورقية إلى عصر الفضائيات، ثم إلى زمن الإعلام الرقمي والمنصات الحديثة. ومع ذلك ظل مشروعه الإعلامي حاضراً وقادراً على مواصلة الطريق. أما (الزمان) فقد بقيت اسماً له حضوره في الصحافة العراقية، واستمرت في بغداد من خلال إدارتها وكادرها الصحفي، إلى جانب امتدادها الدولي. وهكذا تلتقي في هذه التجربة أسماء وجهود متعددة: مؤسس وضع الفكرة وأطلق المشروع، وإدارة صحفية حملت المسؤولية وواصلت المسيرة، وكوادر صحفية وفنية وثقافية أسهمت في أن تبقى المؤسسة حاضرة. إنني عندما أتأمل هذه التجربة أجد أن الإعلام الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، وإنما تصنعه فكرة يؤمن بها أصحابها، ثم تتحول مع الزمن إلى مؤسسة وذاكرة.وسعد البزاز واحد من الذين تركوا بصمتهم في هذه الذاكرة. فمن الموصل بدأت الخطوات الأولى، ومن بغداد اتسعت التجربة، ومن لندن انطلقت «الزمان» إلى فضاء أوسع، ثم أصبحت للصحيفة مساحة ثابتة في المشهد العراقي من خلال طبعتها في بغداد، فيما استمر البزاز مقيماً في لندن ومتابعاً لمشروعه الإعلامي.وهكذا أصبحت المسافة بين لندن وبغداد لا تمنع حضور الفكرة، لأن الإعلام في النهاية لا تحده الجغرافيا عندما تكون لديه القدرة على الاستمرار والتواصل. وفي مشروع «شخصيات من بلادي» وجدت أن سعد البزاز يستحق أن يكون بين الوجوه التي أعمل على توثيقها، ليس لأنه إعلامي معروف فحسب، وإنما لأنه يمثل مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام العراقي، مرحلة انتقلت فيها الصحافة العراقية من الصحيفة التقليدية إلى المؤسسة الإعلامية الواسعة، ومن الورق إلى الشاشة، ومن الحدود المحلية إلى الفضاء العربي والدولي. إن حفظ هذه الشخصيات ليس ترفاً، بل هو جزء من حفظ ذاكرة الوطن.فالأوطان لا تحفظ بتاريخ السياسيين وحدهم، وإنما تحفظ أيضاً برجال الثقافة والفن والأدب والصحافة والإعلام، وبكل من ترك أثراً في حياة الناس. وسعد البزاز واحد من هذه الأسماء التي تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة العراقية. وستبقى «الزمان» جزءاً من هذه الرحلة، كما سيبقى اسم الدكتور أحمد عبد المجيد مرتبطاً بمرحلة مهمة من استمرار الصحيفة وحضورها في بغداد.

أما الوجوه التي توثقها الريشة، فهي محاولة لأن يبقى الإنسان حاضراً حتى بعد أن تتغير الأزمنة. فبعض الوجوه تغيب عن المشهد، ولكنها لا تغيب عن الذاكرة. وبعض الصفحات تُطوى، أما الكلمات التي تُكتب بصدق ومحبة، فإنها تبقى مفتوحة في سجل الوطن.

 


مشاهدات 39
أضيف 2026/10/12 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/10/13 - 12:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 22666 الكلي 16607835
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/10/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير