خيار السعودية الوحيد
فاتح عبدالسلام
إيران بثقلها العسكري وفي كل مراحل الحرب مع العراق طوال ثماني سنوات لم تستطع أن تنال مرة واحدة من مطار بغداد الدولي. وحتى القوات الامريكية حين احتلت العراق في زمن المعتوه جورج دبليو بوش وفاقد البوصلة صدام حسين في العام 2003 لم تدفع ثمناً غالياً أذهل الامريكان مثل ما دفعته على أرض مطار بغداد، ومن دون ان يكون للعراقيين أي نوع من التغطية الجوية.
مطارات العواصم هي مركز السيادة المعنوي في كل دول العالم. من هنا أرى انّ التصعيد الأخير بين قوات الحوثيين والسعودية يمثل احراقاً لكل المراكب في اللحظة التي وصلت فيها الجيوش الى عمق البحر المتلاطم.
لا يخفى على أي مراقب ومُطلع على مجريات الأوضاع في اليمن ان القرار هناك إيراني بامتياز، وانّ الذي اتخذ قرار ضرب السيادة السعودية أكبر من جماعة صغيرة في المجتمع اليمني تقود عبر ذراعها العسكري عمليات حربية هنا و هناك.
بالرغم من انّ السعودية تجاوزت مرحلة التأني المعروفة بها تاريخياً الى مرحلة “البطء السلبي» في اتخاذ القرارات الاستراتيجية في السنوات الخمس الأخيرة لأسباب تعود الى تقدير موقف خاص بها، نجد انّ خيارات الرياض باتت محدودة جداً، بعد وضع أجوائها رهن العربدة الصاروخية القادمة من صنعاء، وامتداد الاعتداءات الى قلب الاقتصاد في منشآت شركة أرامكو. ومحدودية الخيارات المقصودة هنا، هي حصر زاوية النظر في الخيار المصيري، ذلك انه لم يبق شيء لم ينتهك في المفهوم الدقيق للأمن القومي السعودي، وانّ ساعة القرار إذا لم تتوافق مع جسامة الاحداث، فإن المرّة المقبلة من التصعيد ستكون أمراً يرهن السعودية كلها بيد جهة واحدة تتحكم بمصير البلد الذي يحظى برمزية عالية في العالم الاسلامي.
لا يحتمل الوضع السعودي انتظار أسابيع أو شهوراً، ليست هي سوى أيام بإمكانها أن تضع حدوداً لأية جهة معتدية، أو ستضيع عزيمة المبادرة للأبد.
كان مفهوماً قبل سنوات انَّ عودة الحكومة اليمنية الشرعية الى عدن والتي تمّت في سرعة كبيرة، انما هي نوع من الحدود المرسومة بعناية أو الخطوط الحمر التي لم تقبل واشنطن أو دول أخرى بتجاوزها، على أساس انّ التقارب السياسي سيحصل ذات يوم، وسيوحد الجغرافيا ويطفئ النيران التي تشب فيها. غير انّ السعودية لا يمكنها انتظار مصير الفيتو الامريكي على الحدود الافتراضية بين المتصارعين اليمنيين، لأن النيران تصيبها في مقتل، وان خيارها الأقرب للدفاع عن نفسها انها ستكون متحررة من الخيارات الدولية، لأنّ أمنها القومي في خطر لم يواجه مثيلاً له في تاريخ المملكة كله.
لقد ضاقت الخيارات واستعجل محركو أذرع الفوضى في المنطقة العربية وارتكبوا الخطأ الجسيم، فلا أحد يستغرب، أن يكون حال صنعاء مثل حال دمشق.
fatihabdusalam@hotmail.com