حين يصبح الخنوع فضيلة باسم الحسين
رائد فؤاد العبودي
ليس من الإنصاف أن يختزل الحديث عن الشعائر الحسينية في معادلة ساذجة تجعل كل من ينتقد ممارسة ما خصما للحسين، وكل من يمارسها مدافعا عنه. فالحسين أكبر من الطقوس، وأعظم من أن يوضع اسمه درعا يحمي أي ممارسة من السؤال والنقد. وإذا كان الحسين قد خرج طلبا للإصلاح ومواجهة الظلم والانحراف، فإن أول الوفاء له أن نسأل بشجاعة عما إذا كان كل ما يفعل اليوم باسمه ينسجم فعلا مع قيمه، وعما إذا أصبح من المحرم نقد ممارسات لمجرد أنها ألحقت بمرور الزمن بعنوان الشعائر الحسينية.
المشكلة لم تعد في تصرف فردي هنا أو ممارسة محدودة هناك. فقد شهدت السنوات الأخيرة استفحال طقوس وسلوكيات غريبة تمارس باسم الحسين، بعضها يؤذي الجسد، وبعضها يهين الإنسان، وبعضها يكرس الخرافة والمبالغة، وبعضها يحول المناسبة إلى استعراض. والأخطر بينها تلك التي تقوم على إذلال الذات وامتهان الكرامة وتحويل الخنوع إلى فضيلة، حتى أصبحت بعض مشاهدها مادة للاستهزاء بالشيعة أنفسهم، والإساءة إلى صورة العراقيين وتاريخ شعب عرف بالتمرد على القهر ورفض الذل والخضوع.
فخلال الزيارات المليونية نشاهد من يوقف المشاية المتوجهين إلى كربلاء ليقبل أقدامهم، بل أحذيتهم، ومن يأخذ تراب الطريق الذي داسته أقدام الزوار فيمسح به وجهه ورأسه. وشاهدنا صاحب موكب يتوسل إلى الزائر ويقسم عليه أن يهينه أو يضربه، وكأن إذلال النفس أصبح قرينا بإباء الحسين وعنفوانه من أجل الحرية والكرامة.
إن التواضع للناس وفاء للحسين لا يكون بتقبيل الأحذية وامتهان الكرامة، بل بالحث على حفظ كرامات الناس، وسد حاجاتهم، وإغاثة ملهوفهم. فتلك أقرب إلى المعنى الأخلاقي لثورة الحسين من تحويل الإنسان نفسه إلى موضوع للإهانة، أو جعل التذلل أمام الآخرين دليلا على شدة الولاء.
إن هذه الممارسات المازوخية، مهما كانت نيات أصحابها، لم تعد أفعالا فردية منعزلة، بل أخذ بعضها ينتشر بالتقليد والمزايدة، حتى بات المشهد ينتقل من صورة غريبة إلى أخرى أشد غرابة، ويصبح المطلوب في كل مرة ابتكار شكل جديد للمبالغة في إظهار الولاء، بدلا من البحث عن المعنى الذي قام من أجله الحسين.
والأمر أشد إثارة للاعتراض حين يصل إلى المؤسسة العسكرية. فقد تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل مشهدا لضابط عراقي يرتدي زيه ورتبته العسكرية وهو يغسل قدم زائر إيراني بالماء والصابون. والضابط بزيه الرسمي لا يمثل نفسه وحده، فالرتبة والشارات والبدلة العسكرية رموز للمؤسسة والدولة وهيبتها.
والمفارقة قاسية لمن يعرف تقاليد الكلية العسكرية العراقية، التي كان طالبها يربى منذ دخوله على الانضباط والاعتداد بالنفس والهيبة، ويسير في الشارع متأبطا عصا التبختر بكل ما ترمز إليه صورة الضابط الذي يجري إعداده لتمثيل القوات المسلحة. ومن الصعب أمام ذلك استيعاب مشهد صاحب رتبة عراقية، مرتديا الزي نفسه، جاثيا يغسل قدم زائر أجنبي ويغطيها برغوة الصابون، ثم يقدم ذلك باعتباره خدمة للحسين.
والاعتراض ليس على الإيراني لأنه إيراني. فلو كان الجالس عراقيا أو عربيا أو أوروبيا لبقي الاعتراض نفسه. لكن المشهد يفرض سؤالا آخر لا يقل مشروعية. هل يحدث في إيران أن يستقبل ضباط إيرانيون الزائر العراقي بهذه الصورة، أو أن يجلس العراقي على كرسي ليغسل ضابط إيراني أو طفل إيراني قدميه بالماء والصابون، أو أن تقبل أحذيته بوصف ذلك خدمة للحسين. الإيرانيون يقيمون مواكب لخدمة الزوار، وهذا أمر معروف، لكن الخدمة شيء، وتحويل إذلال النفس أمام الزائر إلى شعيرة شيء آخر.
والأكثر إيلاما إقحام الأطفال العراقيين في هذه الممارسات. فإذا كان البالغ حرا في اختيار ما يفعله بنفسه، فلا معنى لأن نربي طفلا على أن التعبير عن الإيمان يقتضي وضع نفسه في هيئة خضوع أمام شخص بالغ. الضيافة شيء والخضوع شيء آخر. يمكن للعراقي أن يفتح بيته للزائر، ويطعمه ويسقيه ويوفر له مكان الراحة والعلاج، وهذا كرم لا يحتاج العراقي إلى من يعلمه إياه. أما تعليم الطفل أن المبالغة في التذلل فضيلة دينية، فذلك أمر مختلف تماما.
ومن صور المبالغة التي ظهرت كذلك الزحف على البطن وسط أرجل الزائرين للوصول إلى المقام، في مشهد يثير الاستغراب والنفور. وليس الاعتراض على الخشوع، وإنما على تحويله إلى تذلل جسدي علني واستعراضي. فالخشوع لا يحتاج إلى جمهور وكاميرات، ولا يصبح الإنسان أكثر قربا من الحسين كلما بالغ في إظهار نفسه ضعيفا أمام الآخرين. ولا نستطيع الحكم على نيات الأشخاص، لكننا نستطيع نقد ممارسة تفتح باب الرياء والمزايدة الدينية، وتجعل المبالغة الجسدية معيارا مرئيا للولاء.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فكل ذلك ينسب إلى رجل اكتسب رمزيته التاريخية من النقيض تماما. الحسين لم يصبح سيدا للأحرار لأنه أتقن الخضوع، وإنما لأنه رفضه. وكان يستطيع أن يجنب نفسه وأهل بيته وأصحابه المصير المعروف لو قبل بما رآه خضوعا وإقرارا لسلطة رفض شرعيتها، لكنه اختار ألا يدفع من كرامته ثمن النجاة. وهنا لم يعد الأمر اختلافا حول شكل الشعيرة، بل انقلابا في معناها.
ويأتي التطبير في مقدمة الممارسات الأخرى التي تستوجب مراجعة صريحة، بما يتضمنه من تعمد جرح الرأس وإسالة الدم، وما قد يرافقه من أضرار صحية، فضلا عن إشراك الأطفال أحيانا. وليس مفهوما كيف أصبح إيذاء الجسد معيارا للولاء إلى رجل لم تكن عظمة تضحيته في الدم الذي نزفه، بل في القضية والموقف اللذين نزف ذلك الدم من أجلهما.
ولا تقف الإساءة عند الجسد. فهناك الخرافات والمبالغات والروايات غير الموثقة التي تتسلل إلى بعض المنابر، حتى يبدو كأن واقعة كربلاء بعظمتها التاريخية والإنسانية لم تعد كافية، فلا بد من إضافة الحكايات الغريبة والتفاصيل غير المثبتة لاستدرار مزيد من الدموع. والحسين لا يحتاج إلى أسطورة كي يكون عظيما، فقضيته كما حدثت تكفي.
كما تحولت بعض المجالس والمواكب إلى مساحة للاستعراض، وتحول بعض الرواديد إلى نجوم تقاس مكانتهم بالمشاهدات والإثارة والصخب، لا بعمق ما يقدمونه. ويضاف إلى ذلك الإفراط في مكبرات الصوت، وإغلاق الطرق بلا ضرورة، وتعطيل مصالح الناس، والإسراف وهدر الطعام. ولا يمكن أن تصبح إقامة الشعيرة مبررا لإيذاء الآخرين أو إهدار الموارد.
ثم يأتي التسييس، برفع صور الزعماء وشعارات الأحزاب والجماعات المسلحة، ومحاولة إلباس شخصيات ومشروعات سياسية معاصرة شيئا من قداسة الحسين. وهذه من أخطر صور الاستغلال، لأنها لا تستخدم المناسبة لخدمة السياسة فقط، بل تستخدم الحسين نفسه لمنح الشرعية لمن يريدها.
وأمام هذا كله يبرز السؤال الذي يجري تجنبه منذ سنوات عن موقف الحوزة العلمية في النجف وكبار مراجع المذهب.
ليس دقيقا الادعاء بعدم وجود أي مواقف دينية معترضة، فقد صدرت مواقف متفرقة ضد بعض التجاوزات. لكن حجم الظاهرة واتساعها يجعلان السؤال عن غياب موقف مؤسسي واضح ومؤثر مشروعا. فما نشهده لم يعد مجرد تفاصيل فقهية صغيرة أو اختلاف في أساليب التعبير عن الحزن، بل أصبح يمس صورة المذهب ومفهوم الكرامة الذي يفترض أن يكون في قلب الرسالة الحسينية.
والصمت أمام ممارسة تتوسع اجتماعيا لا يبقى دائما موقفا محايدا، لأنه قد يفهم على أنه قبول ضمني، ويترك المجال للأكثر تطرفا لكي يحدد للناس معنى الولاء للحسين. وإذا كانت المرجعيات الكبرى تمتلك ثقلا يسمح لها بإبداء المواقف في الشأن السياسي والاجتماعي، فمن الطبيعي أن ينتظر منها موقف أكثر وضوحا عندما تمارس باسم الحسين أفعال تمس كرامة الإنسان وتشوه مضمون ثورته.
والدولة العراقية ليست معفاة من المسؤولية. احترام حرية الشعائر لا يعني تعليق القانون أو تجاهل حقوق المواطنين وحماية الأطفال، ولا يعني السكوت عن استخدام الزي والرتبة العسكريين في ممارسات تمس صورة المؤسسة وهيبتها. كما أن الإعلام الرسمي ليس مطلوبا منه أن يبقى كاميرا تنقل الحشود والمواكب، بل أن يفتح نقاشا جديا حول ما استجد على الشعائر، بمشاركة رجال الدين والمؤرخين والأطباء وعلماء الاجتماع والتربية.
إن القضية ليست دعوة إلى منع الشعائر الحسينية ولا التضييق على المؤمنين، بل دعوة إلى إنقاذها مما ألصق بها، وإعادة الاعتبار إلى مضمونها، والتمييز بين إحياء الحسين وبين كل ما اخترعه الناس لاحقا ووضعوا اسمه عليه.
فثورة الحسين لم تكن دعوة إلى احتقار الذات، ولا تقديس الألم، ولا تحويل الخضوع إلى فضيلة. كانت رفضا للظلم وتمسكا بالكرامة مهما بلغ ثمنها. ولهذا ليس من المعقول أن نحيي كل عام ذكرى الحسين لأنه رفض الذل، ثم نحول بعض الشعائر المقامة باسمه إلى مدرسة لتعليم الذل والخنوع وإهانة الإنسان.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لثورة الحسين ليس أن ينساها الناس، وإنما أن يحتفظوا باسمها وشعاراتها، ثم يمارسوا تحت رايتها نقيض القيم التي قامت من أجلها.