الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشعر ضحية  زمن الفوضى..  بين وهم الجمال وحقائق العلم في الأسواق العراقية

← بواسطة azzaman

الشعر ضحية  زمن الفوضى..  بين وهم الجمال وحقائق العلم في الأسواق العراقية

حقي الزبيدي

 

في شوارع بغداد والمدن العراقية الأخرى، يلمع وعود تجميلية براقة على واجهات الصالونات ومنشورات التواصل الاجتماعي: فرد فوري لمعان يدوم تساقط يختفي بعد جلسة واحدة. خلف هذه الوعود، يقبع واقع أقل بريقا شعر متقصف فروة متهيجة وصحة معرضة للخطر هذه ليست مجرد مشكلة تجميلية بل أزمة وعي وصحة عامة تتطلب تحركا فوريا. إن ما نشهده اليوم في الأسواق العراقية ليس مجرد موضة عابرة بل ظاهرة خطيرة تهدد صحة ملايين النساء والرجال على حد سواء وتكشف عن فجوة كبيرة بين التطور العلمي في مجال العناية بالشعر والممارسات اليومية التي تغذيها الجهل والطمع التجاري.

الجسم العلمي للشعر: حقائق لا تختصر بإعلان الشعرة ليست مجرد خيط هي تركيب حيوي ثلاثي الطبقات الكيوتكل الخارجي درع وقائي القشرة (الكورتكس) مصدر القوة واللون واللب (الميدولا) الذي يؤثر على الكثافة أي اعتداء كيميائي أو حراري مفرط يمزق هذا التوازن النتائج ليست جمالية فقط هشاشة تكسر ترقق وتلف قد يتحول إلى تساقط واضح بعد أسابيع أو أشهر من الاستخدام الخاطئ للمواد. لفهم الأمر بشكل أعمق يجب أن ندرك أن الشعرة تنمو في دورة حياة معقدة تمر بمراحل النمو (الأناجين)، والتراجع (الكاتاجين)، والراحة (التيلوجين)، والتساقط الطبيعي. أي خلل في هذه الدورة بسبب المواد الكيميائية القاسية أو الحرارة المفرطة يمكن أن يعطل هذه الدورة الطبيعية ويؤدي إلى تساقط مبكر وشامل.

علاوة على ذلك، فإن فروة الرأس نفسها هي نظام بيئي دقيق يحتوي على غدد دهنية وبصيلات شعرية وحساسية عالية للتغيرات الهرمونية والغذائية والنفسية. الدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن الإجهاد التأكسدي الناتج عن استخدام مواد غير معتمدة يسرع من شيخوخة البصيلات ويقلل من قدرتها على إنتاج شعر صحي. كما أن بعض المواد الكيميائية الموجودة في منتجات الفرد والكيراتين الرخيصة تحتوي على مركبات تتفاعل مع بروتين الشعر بطريقة تؤدي إلى تصلبه وهشاشته بدلا من تقويته، وهو ما يفسر سبب تعرض كثير من النساء لتساقط مفاجئ بعد جلسات فرد تبدو ناجحة في البداية.

سوقنا: وعود ربحية بلا ضوابط

الأسواق العراقية تعج بمنتجات فرد وكيراتين وبروتين، كثير منها مجهول المصدر أو غير مرخص. الكاتبان الحقيقيان لهذه العملية هما الطمع ونقص الرقابة: تاجر يبحث عن ربح سريع، ومستهلك يبحث عن حل فوري. النتيجة: استخدام محال لمواد تحتوي أحيانا على الفورمالدهيد ومركبات ضارة أخرى، ومراكز تجميل تجري عمليات معقدة دون فحوص أو تقييم لحالة الشعر وفروة الرأس. التأثير؟ حالات صداع وتنفس مهاجمة للعاملين والزبائن، وتساقط شعر مفاجئ لدى كثيرات بعد جلسات مزيفة. الواقع المرير أن بعض هذه المنتجات تهرب عبر الحدود أو تصنع محليا بظروف غير صحية، دون أي إشراف من الجهات المختصة، مما يجعل المستهلك فريسة سهلة للإعلانات المضللة.

وللأسف، فإن ثقافة “النتيجة السريعة” هي التي تغذي هذه الظاهرة. فالكثيرات يبحثن عن حل آني لمشكلة قد تكون عضوية أو نفسية، فيلجأن إلى خيارات رخيصة وسريعة لا تلبث أن تتحول إلى كابوس حقيقي. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تفاقم الأزمة، حيث تروج مؤثرات غير متخصصات لمنتجات وخدمات دون أي خلفية علمية، مرفقة بصور معدلة رقميا تظهر نتائج وهمية، مما يضاعف من وطأة الخداع على المستهلكات اللواتي يجهلن حقائق هذه الصناعة.

البديل العلمي والعملي: توازن داخلي وخارجي

لا علاج سحري بدون علم. الصحة تبدأ من الداخل: بروتين كاف فيتامينات (B، D، مضادات أكسدة)، ومعادن مثل الحديد والزنك. فحص نقص العناصر والغدة الدرقية يجب أن يكون خط البداية لكل من تعاني تساقطا ملحوظا. الخارجي يحتاج لنهج محافظ: زيوت طبيعية موثوقة (أرغان، جوز الهند) لحماية الكيوتكل، واق من الشمس، والحد من الحرارة والأدوات الكهربائية. وأي تدخل كيميائي تلوين أو فرد أو بروتين يجب أن يسبقه تقييم تقني لحالة الشعر، واستخدام مواد معتمدة وفق بروتوكولات زمنية دقيقة. من المهم أيضا الإشارة إلى أن العناية بالشعر ليست رفاهية بل ضرورة صحية، وأن الاستثمار في منتجات ذات جودة عالية ومعتمدة علميا هو استثمار في الصحة العامة وليس مجرد إنفاق تجميلي.

أيضا، يجب ألا نغفل دور الحالة النفسية في صحة الشعر. الضغوط النفسية والقلق المزمن يمكن أن تسبب تساقطا هائلا من خلال آلية تعرف بـ التساقط الكربي، حيث يدخل عدد كبير من البصيلات في مرحلة الراحة ثم تتساقط بعد أشهر قليلة. لذا فإن التعامل مع مشاكل الشعر يجب أن يكون شاملا، يضم الاستشارة الطبية والنفسية والتغذوية معا. وفوق ذلك، يجب أن يدرك الجميع أن الشعر الصحي لا يبنى بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى صبر واستمرارية ورعاية متوازنة، وأن أي منتج يعد بنتائج خيالية في وقت قياسي هو بلا شك منتج مشبوه.

التقنيات الحديثة: سيف ذو حدين

تقنيات مثل الكيراتين والبروتين والفيلر تحمل إمكانات تجميلية حقيقية، لكنها أيضا مخاطرة إذا استخدمت خارج إطار علمي. الخلل ليس في التقنية بل في التنفيذ: مواد مغشوشة، تركيزات خاطئة، وتأهيل مهني ناقص. هذا ما يجعل نتيجة الجلسة مدمرة بدل أن تكون منقذة. التقنيات الحديثة عندما تطبق بشكل صحيح، وبيد خبيرة، وبمواد معتمدة من مؤسسات صحية عالمية، يمكن أن تكون فعالة جدا في تحسين ملمس الشعر ومظهره. لكن السوق العراقية تفتقر إلى هذا المستوى من المهنية في كثير من الأحيان، خاصة في المراكز غير المرخصة التي تغري الزبونات بأسعار منخفضة.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض هذه التقنيات تحتاج إلى فهم عميق لكيمياء الشعر وتفاعله مع المركبات المختلفة. فمثلا، فرد الشعر بالكيراتين يعتمد على استخدام الحرارة لدمج البروتين مع الشعرة، لكن إذا كانت الحرارة عالية جدا أو المادة غير مناسبة لنوع الشعر، فإن النتيجة ستكون شعرا محروقا ومتقصفا بدلا من شعر ناعم ولامع. وكذلك الحال مع البروتين التراكمي الذي قد يؤدي إلى تراكم البروتين على الشعر وجعله جافا وهشا إذا أسيء استخدامه. لذا، لا بد من التوعية المستمرة لكل من الممارسات والمستهلكات بأساسيات هذه التقنيات.

دور الحكومة والإعلام والمجتمع: من يوقف النزيف؟

الحل لا يقتصر على نصائح فردية بل على منظومة: تشديد الرقابة على استيراد وتداول مواد التجميل، فرض تراخيص للمراكز، حملات توعية مبسطة عبر الإعلام تظهر المخاطر وحالات واقعية، وبرامج تدريب معتمدة للعاملين في التجميل. المستهلك أيضا بقيادته السؤال عن مصدر المنتج، قراءة المكونات، ورفض العروض السحرية هي خطوات بسيطة لكنها فعالة. الحكومة العراقية.

 ممثلة بوزارة الصحة وهيئة التقييس والسيطرة النوعية، مدعوة إلى وضع معايير صارمة لاستيراد المنتجات التجميلية، تشمل فحوصا مخبرية دورية للتأكد من خلوه من مواد مسرطنة أو مهيجة.

كما يجب إطلاق حملات توعوية تلفزيونية وإذاعية ورقمية، تستضيف أطباء جلدية وخبراء تغذية لتوضيح الحقائق العلمية البسيطة بأسلوب جذاب وسهل الفهم. إضافة لذلك، ينبغي تفعيل دور نقابة الصيادلة وأطباء الجلد في مراقبة الإعلانات المضللة وفضحها، ومحاسبة الجهات المخالفة. المجتمع المدني أيضا يمكن أن يلعب دورا رقابيا وتوعويا كبيرا، من خلال تنظيم ندوات وورش عمل تستهدف النساء تحديدا، لأنهن الفئة الأكثر تأثرا بهذه المنتجات.

خاتمة: الشعر هويتنا—فلنحميه بالعلم

الشعر في العراق هو أكثر من زينة؛ إنه مرآة صحة وثقافة وهوية. المعركة اليوم ليست فقط ضد منتجات ملوثة أو ممارسات خاطئة، بل ضد جهل يتيح للفوضى أن تنتشر. حين نضع العلم في مواجهة السوق الرخيص، ونمنح المستهلك المعرفة والجهات الرقابية أدوات العمل، سننتقل من لحظة خسارة إلى نهضة جمالية وصحية تحافظ على جمال الشعر وصحة الإنسان في آن واحد. إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة جمال، ومعركة مستقبل صحي للأجيال القادمة التي تستحق أن تنعم بشعر يعكس صحتها الداخلية وجمالها الطبيعي، لا أن يكون ضحية جهل السوق وطمع التجار.

 


مشاهدات 11
الكاتب حقي الزبيدي
أضيف 2026/09/29 - 3:14 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:29 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1709 الشهر 50819 الكلي 16583339
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير