القراءة الخلدونية.. ذاكرة قرن ترسم مستقبل مليون و 200 ألف تلميذ
محمد فخري المولى
اقترب موعد قرع أول جرس للعام الدراسي الجديد 2026 ـ 2027 ومعه تبدأ رحلة استثنائية ل 1.2 مليون تلميذ وتلميذة يخطون خطواتهم الأولى نحو مقاعد الصف الأول الابتدائي بقلوب صغيرة يختلط فيها الفضول بالحماس وربما بشيء من التوجس والخوف ومع أبواب المدارس التي تستقبل التلاميذ، تستعيد العوائل العراقية ذاكرتها مع أول يوم دراسي وأول كتاب حملته الأيدي الصغيرة وأول حرف نُطق وأول كلمة قُرأت ولعل من أكثر ما بقي راسخاً في الذاكرة التعليمية العراقية القراءة الخلدونية.المعلمون والمعلمات فيستعدون لاستقبال هذا الحدث التربوي والاجتماعي الكبير لأن أعداد التلاميذ ليست مجرد أرقام تعلنها وزارة التربية بل هي تعداد لمستقبل بلد بأكمله. فكل كلمة يتعلمها الطفل خطوة نحو المستقبل وكل حرف يكتبه على السبورة نافذة تفتح أمامه عالماً جديداً فمن بين هؤلاء الصغار سيخرج الطبيب والمهندس والمعلم والباحث والجندي والفلاح والمختص وكل من سيشارك لاحقاً في صناعة مستقبل العراق.
(دادا و دار)...كلمة تستدعي ذاكرة أجيال
لعل كلمة دار وحدها قادرة على استدعاء ذاكرة أجيال عراقية كاملة،
أما دادا فتفتح باباً أوسع للذاكرة أخ أو أخت، أب أو أم، بيت وشارع ومدرسة وطفولة ارتبطت فيها الكلمات الأولى بصور وأصوات ومواقف بقيت في الذاكرة.. قراءة الخلدونية لم تكن مجرد صفحات في كتاب مدرسي، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة التعليمية والاجتماعية للعراقيين، وتحوّلت كلماتها وصورها إلى علامات تستدعي زمناً تعليمياً امتد عبر أجيال.. لكن... وما أدراك ما لكن. هنا تبدأ الأسئلة المهنية التي اطرحها بعد عقود بالبحث والتطوير التعليمي
لماذا تتكرر محاولات تغيير أو استبدال مناهج الصف الأول؟ وهل نحن أمام تطوير حقيقي لتجربة تعليمية راسخة
أم أمام انتقال متكرر من منهج إلى آخر من دون منح التجربة السابقة وقتها الكافي للتقييم العلمي؟
وهل المطلوب تغيير الكتاب، أم تطوير طريقة استخدامه وتأهيل المعلم وتحسين البيئة التعليمية التي يتعلم فيها الطفل؟
للإجابة عن هذه الأسئلة بداية
من البحث التربوي إلى سؤال الخلدونية
أعود إلى تجربتي البحثية ضمن سلسلة (أبنائنا والتربية) التي بدأت من خلالها مشواراً في البحث العلمي التربوي،
ثم امتد اهتمامي إلى مجالات الإدارة والتخطيط الاستراتيجي.
من أوائل الموضوعات التي تناولتها عام 2007 بحث بعنوان:
مناهج تعليم القراءة والكتابة للصفوف الأربعة الأولى ـ
كتاب القراءة الخلدونية أنموذجاً.
أنوه لست متخصصاً في علوم اللغة لكنني كنت وما زلت وسابقى مهتماً بآليات بناء المناهج وتاريخها وأثرها في العملية التربوية التعليمية العراقية.
هنا يبرز اسم رجل كان له حضور استثنائي في صناعة المناهج العراقية ساطع الحصري (1876 ـ 1968) صاحب تجربة طويلة في التعليم والإدارة التربوية وإعداد المناهج ولولا عدد من الرؤى السياسية لكان عراب التربية والتعليم ومهندس المناهج وعالم اللغة الاول اما موقفه من شخصية عراقية وهو معلم جراء بيت شعر فهي القشة التي قسمت ظهر البعير كما يردد لقد ارتبطت تجربته في تعليم القراءة والكتابة في العراق بما عُرف لاحقاً باسم القراءة الخلدونية العراقية
فيما تُنسب تسمية (الخلدونية) في روايات متداولة إلى ابنه خلدون الذي لولا اخذه بجريرة اراء والده لكانت جنازته عام 2007 ذات طابع مختلف من الحفاوة والتكربم ووجدنا له مع ابيه نصب بساحة الاندلس او قرب شارع الرشيد او السعدون،
هذه التفاصيل التاريخية مثل غيرها تســــتحق العودة إلى الوثائق والمذكرات الأصلية عند توثيقها ولا سيما مذكرات الحصري وما كتبه عن تجربته في العراق.
التعليم مشروع دولة
تعود جذور تجربة ساطع الحصري في الإدارة والمناهج إلى مراحل متعددة بدأت مع والده الاداري والقاضي في الدولة العثمانية ثم سورية قريبا من فيصل الاول وصولاً إلى العراق
عند تولى الملك فيصل الأول عرش العراق عَرض على الحصري تولي منصب وزير المعارف أي ما يناظر وزارة التربية بمفهومها الحالي،
لكنه لم يتولَّ الوزارة واختير أبو المحاسن للمنصب فيما تولى الحصري موقع مدير المعارف ولعل اختيار هذا الموقع الإداري يكشف جانباً مهماً من رؤيته.. إذ كان يرى أن بناء العملية التعليمية والمناهج يحتاج إلى وقت واستمرارية وأن الوزير قد تتغير مهمته أو موقعه، بينما مشروع التعليم ينبغي أن يمتد أبعد من فترة استيزار الوزير وهو ما قدمة للملك فيصل الاول من اجابة، هنا تظهر إحدى أهم سمات تجربة الحصري أنه لم ينظر إلى التعليم باعتباره منصباً تشريفيا أو وظيفة إدارية مؤقتة بل باعتباره مشروع بناء دولة ومجتمع.
لماذا بقيت الخلدونية
الخلدونية العراقية ليست مجرد كتاب مدرسي عابر، بل تجربة تعليمية امتدت لعقود طويلة وتطورت طبعاتها ووسائل عرضها بما يتلاءم مع مراحل التعليم والبيئات المختلفة.
من أبرز ما عُرف عن الطريقة الخلدونية اعتمادها على الأسلوب الصوتي والتركيبي وعدم الاكتفاء بحفظ الأبجدية بصورة مجردة مع الانطلاق من كلمات بسيطة وقريبة من عالم الطفل
دادا... دار... دور...
هنا تكمن أهمية البداية
الطفل لا يدخل عالم القراءة من خلال الحروف المجردة وحدها
إنما من خلال كلمات وأصوات وصور يستطيع ربطها بحياته اليومية
كما كان للجانب البصري حضور واضح في مراحل مختلفة من الكتاب، من خلال الرسوم والإيضاحات التي تجعل الكلمة أقرب إلى عقل الطفل وخياله
مع مرور الزمن، شهدت بعض طبعات القراءة الخلدونية تطويراً فنياً وبصرياً شارك فيه خطاطون وفنانون اجانب ومنهم السيدة ماغريت زوجة الحصري وفانين عراقيون،
فأصبحت بعض تلك الطبعات جزءاً من الذاكرة البصرية للأجيال إلى جانب قيمتها التعليمية ومن الأسماء التي ارتبطت بمراحل فنية لاحقة الفنان التشكيلي العراقي شوكت سليمان (١٨٩٩ ـ ١٩٨٧)، والخطاط هاشم البغدادي (١٩٢١ ـ ١٩٧٣) صاحب كتاب قواعد الخط العربي الذي ترك أثراً بارزاً في تعليم الخط العربي ولا سيما خط النسخ
لذلك لم تكن الخلدونية نصاً لغوياً جامدا فقط، بل تداخل فيها الحرف والصوت والصورة والخط والذاكرة.
تخيلوا المشهد...
مليون و٢٠٠ ألف تلميذ وتلميذة يبدأون عامهم الدراسي الأول يرددون الكلمات الأولى للقراءة بعد معلمة في مدرسة ببغداد، وأخرى في قرية بعيدة في الأنبار، وثالثة في حي مكتظ بالبصرة، ورابعة في ناحية من نواحي الموصل
ترفع الكتاب وتبدأ بصوت واضح
فتتردد الكلمة في الصف ومن صف إلى آخر ومن مدرسة إلى أخرى
إنها لحظة تعليمية تتجاوز الحروف والكلمات
لأن الصف الأول يفترض أن يكون نقطة البداية المشتركة للجميع
لانه مشروع مواطنة صالحة
ابن المسؤول وابن الموظف والتاجر والعامل معا وتلميذ المدرسة الكبيرة والصغيرة والنموذجية وتلميذ المدرسة المتواضعة
الجميع يقفون أمام الحرف الأول والكلمة الأولى
هنا تكمن إحدى أهم وظائف التعليم العام الحكومي
صناعة نقطة بداية مشتركة
تتيح لأبناء المجتمع فرصة متقاربة في التعليم والمعرفة.
المشكلة ليست في الكتاب وحده
فرحلة التعليم والتعلم ليست سهلة
فالمدرسة تواجه تحديات حقيقية
من بينها اكتظاظ الصفوف ونقص الأبنية المدرسية والدوام المزدوج أو الثلاثي في بعض المدارس،
فضلاً عن الحاجة المستمرة إلى تدريب معلمي الصف الأول وتأهيلهم على أفضل أساليب تعليم القراءة والكتابة،
هنا أرى أن الخلدونية لا يمكن اختزالها في صفحات كتاب،
بل بطريقة تعليم طفل في الصف الأول الذي لا يتعلم بالحفظ وحده
بل يتعلم بالحركة والصوت والصورة والقصة والتكرار والتفاعل.
لذلك فإن تطوير التعليم لا ينبغي أن يبدأ دائماً من تغيير الكتاب
بل من تفصيل أهم
كيف يستخدم المعلم الكتاب؟
فأفضل منهج يمكن أن يفقد أثره
إذا كان المعلم غير مؤهل وكذلك
الصف مكتظاً والبيئة المدرسية غير مناسبة.
التجريب ليس تطويراً دائما
لا أحد يستطيع أن يقف ضد تحديث التعليم ومناهج التربية
لكن هناك فرقاً بين التطوير المدروس وبين الاستبدال المتكرر
المناهج التعليمية ليست مساحة للتجريب المستمر
لأن نتائج أي تجربة لا يتحملها واضع المنهج وحده بل يتحملها طفل صغير، وعائلة ومعلم ومدرسة ومجتمع بأكمله.
لذلك فإن أي تغيير في مناهج الصف الأول ينبغي أن يستند إلى دراسات علمية وتجارب ميدانية وقياس واضح للنتائج وتقييم حقيقي لما سبق
ولا يمكن أن تبقى تسمية الخلدونية حاضرة بينما يغيب جوهر الأسلوب الذي جعلها تجربة راسخة
كان من الممكن مثلاً
تطوير التجربة بروح جديدة وكتاب جديد وشخصيات جديدة قريبة من الطفل العراقي المعاصر مع الحفاظ على الأسس العلمية لتعليم القراءة والكتابة بصورة متدرجة ومحببة.
الشخصيات والأسماء والصور قد تتغير
لكن جوهر التعليم الناجح لا ينبغي أن يتغير لمجرد التغيير
سؤال... لماذا تراجع مستوى النطق والخط للتلاميذ والطلبة
سؤال آخر يستحق التوقف عنده
إذا كانت المناهج السابقة قد حققت نجاحاً في تعليم أجيال متعاقبة القراءة والكتابة
فلماذا نرى اليوم بعد تغيير منهجية التعليم في مراحل دراسية مختلفة وصولاً إلى الجامعة مظاهر ضعف في النطق السليم وركاكة في القراءة والكتابة فضلاً عن تراجع مستوى الخط
ألا يعني هذا أن الخلل يقع على منهج واحد أو تجربة واحدة فالمشكلة التعليمية أكثر تعقيداً من ذلك
لأن أي تقييم لمنهج سابق أو جديد يجب أن ينظر إلى النتائج التعليمية الفعلية، لا إلى شكل الكتاب أو حداثة تصميمه فقط
الامر يحتاج إلى نقاش علمي وتربوي واضح،
لا إلى مجرد تغيير في العنوان أو الشكل.
هنا تقع مسؤولية المجتمع والإعلام والنخب والمختصين الدفاع عن استقرار العملية التعليمية من جهة والمطالبة بتطويرها وفق أسس علمية واضحة من جهة أخرى.
معلم الصف الأول... أهم رجل في الدولة ومنهج الصف الأول هو أساس التعليم
قد تبدو العبارة كبيرة
لكنها في الحقيقة تصف جوهر المهمة
فمعلم الصف الأول هو أول من يضع الحرف في يد الطفل وأول من يعرّفه معنى المدرسة وأول من يبني علاقته بالكتاب والمعرفة والحياة وأول من يساعده على اكتشاف قدرته على التعلم،
وإذا كان الأساس متيناً أمكن للبناء أن يرتفع بثبات،
أما إذا اختل الأساس فإن آثار الخلل قد تمتد إلى المراحل اللاحقة
لذلك فإن إعادة الهيبة إلى المعلم
لا تعني رفع شعارات الدعم ىالتاييد،
بل تعني التدريب والتأهيل والاحترام والدعم ومنحه الأدوات التي تساعده على أداء مهمته بكفاءة.
مدرسة واحدة للمجتمع
إن تطوير تعليم القراءة في العراق يجب أن يكون جزءاً من رؤية أكبر لإعادة بناء المدرسة الحكومية بوصفها
مؤسسة وطنية جامعة
ليس الهدف أن تتعدد المدارس والبرامج على أساس القدرة الاقتصادية للعائلة، بحيث يصبح ابن المسؤول والتاجر والمستثمر في مسار،
وابن الموظف والعامل البسيط في مسار آخر
التعليم العام القوي هو الذي يمنح الجميع حق البداية المتساوية
ثم يتيح لكل طفل أن يثبت قدرته بالعلم والاجتهاد وفق الفروق الفردية
من هنا يمكن أن تكون الخلدونية نقطة انطلاق لنقاش أوسع،
لا للعودة إلى الماضي لمجرد الحنين وإنما للاستفادة من تجربة استطاعت الوصول إلى أجيال متعاقبة ودراسة أسباب استمرار أثرها في الذاكرة العراقية.
الحرف مفتاح المستقبل
قد تتغير وسائل التعليم وتتعدد مصادر المعرفة وتدخل التقنيات الحديثة إلى المدرسة وقد يصبح الذكاء الاصطناعي واامدرسة الإلكترونية والصف الذكي جزءاً من العملية التعليمية
لكن حقيقة واحدة ستبقى
من يتقن الحرف والقراءة والكتابة يمتلك مفتاحاً واسعاً للعلم والتعلم.
هؤلاء التلاميذ الذين سيجلسون في الصف الأول الابتدائي لا يدخلون المدرسة لتعلم كلمات قليلة فحسب
بل يدخلون أول محطة في رحلة طويلة نحو المعرفة والحياة
لهذا فإن قضية الخلدونية ليست قضية كتاب قديم أو جديد فقط
وإنما هي سؤال أكبر
كيف نريد أن نعلّم أبناء العراق؟
وكيف نريد أن تكون مدرستهم؟
وما الذي نريد أن يبقى في ذاكرتهم عندما يكبرون؟
لقد صمدت القراءة الخلدونية قرابة قرن لأنها لم تكن حروفاً وكلمات فقط بل أصبحت جزءاً من الذاكرة التعليمية والاجتماعية العراقية.
اليوم ونحن أمام كتاب جديد ورحلة جديدة للتلاميذ،
نحتاج إلى أن نجعل التعليم رحلة محبة للمدرسة وثقة بالمعلم وشغفاً بالقراءة وأملاً بالمستقبل.
قد يتغير الكتاب وقد تتغير الصورة وقد تتغير التقنية
لكن الطفل سيبقى بحاجة إلى من يأخذ بيده في أول الطريق ويقول له
اقرأ... فهنا تبدأ الرحلة.