الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بصراوي ساعد النرويج على النجاة من النفط

بواسطة azzaman

العراق لم يعرف ماذا يفعل؟

بصراوي ساعد النرويج على النجاة من النفط

أسامة أبو شعير

 

في مقالي السابق «ماذا سيبقى منّا؟» تحدثت عن جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؛ الجيل الذي وجد عراقاً لم يكن مثالياً، لكنه وجد تعليماً يفتح لابن الفقير باب الجامعة، وكفاءات تتشكل، ودولة تطمح إلى بناء قدراتها. وسألت: إذا كان هذا هو العراق الذي وجدناه، فكيف سنتركه لمن يأتي بعدنا؟

وللتاريخ أحياناً طريقته الساخرة في الإجابة. وهذه المرة تأتي من بصراوي اسمه فاروق القاسم. ولد في البصرة عام 1934، ودرس الجيولوجيا في بريطانيا بمنحة عراقية، وعمل في النفط العراقي قبل انتقاله إلى النرويج عام 1968. وبعد اكتشاف حقل إيكوفيسك في 1969، وجد نفسه أمام دولة تدخل عصر النفط وتبحث عمّن يساعدها على فهم ما وجدته تحت بحرها.

اهمية القاسم

كان يمكن للنرويج أن تسأل: كم سننتج وكم سننفق؟ لكنها فهمت أن السؤال الأخطر هو: كيف تعرف الدولة عن ثروتها ما يكفي كي لا تصبح الشركات التي تستخرجها أقوى معرفة منها؟

هنا كانت أهمية القاسم. لم يكن بطلاً أسطورياً فعل كل شيء وحده؛ فالدول لا يبنيها رجل واحد. لكنه أصبح مديراً للموارد في مديرية البترول النرويجية من 1972 إلى 1990، وكان شخصية محورية في بناء إدارتها النفطية.

وهنا تبدأ المفارقة. عراقي يصل إلى بلد غريب، بلغة غير لغته وثقافة غير ثقافته، فتجد المؤسسة سبباً للاستماع إليه: الرجل يعرف شيئاً تحتاج إليه.

كان السؤال: ماذا تعرف؟ لا: من تعرف؟

وبين السؤالين قد تختصر المسافة بين دولتين.

والأشد مفارقة أننا لم نبدأ متأخرين. فقد تأسست شركة النفط الوطنية العراقية عام 1964، قبل Statoil النرويجية بثماني سنوات، في سياق استعادة مساحات من امتيازات الشركات الأجنبية وبناء قدرة وطنية لاستثمارها. وفي 1972، بينما كانت النرويج تؤسس شركتها الوطنية، أمّم العراق عمليات شركة نفط العراق.

لقد بدأنا قبلهم.

لكن الدول لا تُقاس بمن يبدأ أولاً، بل بمن يجعل ما بدأه يتراكم. وربما تختصر قصة النفط جانباً من تاريخنا: العراق عرف كيف يبدأ؛ المشكلة كانت كيف لا يبدأ من جديد كل مرة.

ولا يعني ذلك أن العراق كان يستطيع أن يصبح نرويجاً أخرى. فالنرويج تمتعت باستقرار سياسي ومؤسسي، بينما عاش العراق حروباً وحصاراً واحتلالاً وصراعات وتدخلات خارجية. ليست المقارنة بين شعب حكيم وآخر بدد ثروته، بل بين بيئتين استطاعت إحداهما حماية تراكم المؤسسة، فيما دفعت الأخرى مؤسساتها مراراً ثمن السياسة والتاريخ.

صندوق سيادي

وحين يُذكر النجاح النرويجي يذهب الذهن إلى صندوقها السيادي. وهنا ينبغي تصحيح رواية شائعة: القاسم لم يؤسس الصندوق عام 1996. أُقر قانون صندوق البترول عام 1990، وجاء أول تحويل إليه في 1996. وبنهاية 2025 بلغت قيمته 21.268 تريليون كرونة، وكان أكثر من نصفها ناتجاً عن عوائد الاستثمارات. والرقم مذهل، لكنه ليس لب الحكاية.

الصندوق لم يصنع الدولة القادرة؛ الدولة القادرة هي التي صنعت الصندوق وحمته.فالنفط مورد، والعقل مورد، لكن المؤسسة هي التي تحوّل المورد إلى قدرة تتراكم. وليس أصعب شيء أن تضع المال في صندوق؛ الأصعب أن تستطيع الدولة أن تقول لنفسها «لا» عندما تريد إخراجه.

ولم يكن العراق بلا مال؛ فقد تدفقت عليه عوائد نفطية هائلة، لكنه عاش ظروفاً ونفقات لا تشبه النرويج. ويبقى السؤال: بعد كل ما خرج من تحت الأرض، ماذا بقي فوقها؟

ونحن نميل أحياناً إلى استيراد الثمرة وترك الشجرة.

 نرى صندوقاً فننشئ صندوقاً، وهيئة فننشئ هيئة، ثم ننتظر النتيجة نفسها.

فالظروف عندنا تبدأ استثنائية، ثم تتمتع بقدرة مدهشة على البقاء، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، وتبقى القاعدة محفوظة في القانون، وربما محفوظة من التطبيق أيضاً.والدرس النرويجي لم يكن دولة ضد القطاع الخاص، بل دولة تعرف ماذا تريد منه. فقد استخدمت سياسات المحتوى المحلي ونقل التكنولوجيا وتطوير الموردين لبناء قدرة وطنية.وهذا يغيّر السؤال العراقي عند التعاقد مع شركة عالمية: كم مهندساً عراقياً ستؤهل؟ كم شركة محلية ستدخل سلسلة التوريد؟

وكم معرفة ستبقى بعد انتهاء العقد؟ فالقطاع الخاص العراقي يحتاج إلى تدريب وتمويل ومعايير جودة وشراكات تنقل المعرفة. والمحتوى المحلي الحقيقي ليس أن يفوز العراقي بالعقد لأنه عراقي، بل أن يصبح قادراً على الفوز به لأنه منافس.

والأمر نفسه ينطبق على الكفاءات. فسجل لها قد يصبح قائمة أخرى للمحاصصة؛ فنحن لا نعجز دائماً عن إنشاء المؤسسة، بل ننجح أحياناً في إنشائها، ثم نريحها من الغرض الذي أُنشئت من أجله. لذلك نحتاج سجلاً مستقلاً للكفاءات، بمعايير منشورة وتدقيق مستقل، يقاس نجاحه بما يبقى: معرفة انتقلت، ونظام تحسن، وكادر أصبح أكثر قدرة.

وهنا تفتح قصة القاسم سؤالاً أكبر: كم فاروق قاسم آخر خرج من العراق ولم نكتب قصته؟

تصوروا العراق الموزع على مؤسسات العالم: طبيب في مستشفى بريطاني، وعالم في مختبر أوروبي، ومهندس في الخليج، وأستاذ في جامعة أمريكية، واقتصادي في مؤسسة دولية. ثمة عراق آخر لا تظهر حدوده على الخريطة؛ عراق من العقول والخبرات. وليس ضرورياً أن يعودوا جميعاً؛ المهم أن يعود أثرهم.

وأنا هنا لا أقف خارج السؤال. ففاروق القاسم ليس بالنسبة لي مجرد بصراوي نجح في النرويج. أنا ابن البصرة أيضاً، وخرجت منها حاملاً معرفتي إلى بلد آخر؛ من الجامعات البريطانية، إلى العمل في التعليم وقيادة مؤسسات تعليمية، ثم التفتيش المدرسي ضمن منظومة Ofsted في إنجلترا، وصولاً إلى نحو اثني عشر عاماً في الاستشارات التعليمية الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتطوير السياسات التعليمية وضمان الجودة وقيادة فرق الرقابة الدولية، كمستشار دولي في التعليم والتنمية. وأسهمت خلال ذلك في تطوير أطر للتفتيش والتقييم، وما زلت أكتب وأعمل في التعليم والتنمية والاقتصاد السياسي في بناء الدولة.

ولا أقارن تجربتي بتجربة القاسم؛ فلكل تجربة سياقها وحجمها. لكنني عرفت معنى أن تفتح لك مؤسسة خارج وطنك أبوابها لما تعرفه، لا لمن تعرفه. وتعلمت أن المؤسسة لا تقوى باسمها، بل حين تكون معاييرها واضحة، واختيارها للكفاءات قابلاً للتفسير، وقرارها خاضعاً للمساءلة.

ولهذا يصبح السؤال شخصياً أيضاً: لماذا تستطيع مؤسسات بعيدة أن ترى في العراقي ما يعرفه، بينما لا يستطيع وطنه دائماً أن يفعل الشيء نفسه؟

البصرة لم تفشل في إنجاب فاروق القاسم، والعراق لم يفشل في إنجاب العقول. ما لم ننجح فيه بما يكفي هو بناء المؤسسة التي تكتشف الكفاءة قبل أن يكتشفها الآخرون.

في مقالي السابق سألت: ماذا سيبقى منّا؟ وربما تعطينا قصة ابن البصرة جزءاً من الجواب:

سيبقى ما حولناه إلى مؤسسة.

فقد أثبت العراق أنه يستطيع إنتاج النفط وإنجاب الكفاءات. وما بقي عليه أن يثبت أنه يستطيع بناء مؤسسة تجعل «ماذا تعرف؟» أقوى من «من تعرف؟»، وتحول معرفة الإنسان إلى قدرة تبقى بعد رحيله. فالثروة الحقيقية ليست النفط تحت الأرض، ولا العراقي الناجح في الخارج؛ الثروة الحقيقية أن تبني مؤسسة تعرف ماذا تفعل بالنفط حين تجده، وبالعراقي حين تجده.


مشاهدات 39
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/08/24 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 31140 الكلي 16120844
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير