الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدينار الرقمي.. هل يكون مخرجاً من أزمة السيولة؟

بواسطة azzaman

الدينار الرقمي.. هل يكون مخرجاً من أزمة السيولة؟

نبيل رحيم العبادي

 

مع قرب إصدار البنك المركزي العراقي تراخيص المصارف الرقمية مطلع أيلول المقبل، يبرز سؤال جوهري: هل يكون لدينار الرقمي الحل السحري لأزمة السيولة المتكررة التي تعصف برواتب الملايين؟

في مشهد مالي يعيش حالة من المفارقة العجيبة، يجلس البنك المركزي العراقي على كتّابٍ من الضوابط والمعايير لمنح تراخيص المصارف الرقمية، بينما يقف ملايين الموظفين في طوابير الانتظار الطويلة أمام الصرافات، يتساءلون: أين الرواتب؟ وكيف لمصرف رقمي أن يحل ما عجزت عنه المصارف التقليدية لعقود؟

لقد بات تأخر الرواتب في العراق ظاهرة مزمنة، لكنها بلغت في صيف 2026 ذروتها، إذ تجاوز تأخر صرف رواتب شهر تموز أكثر من أربعين يوماً، في ظل أزمة سيولة حادة ناتجة عن تراجع إيرادات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز. والأرقام هنا ليست مجرد أرقام: الرواتب الشهرية للدولة تبلغ نحو 8 تريليونات دينار عراقي (نحو 5 مليارات دولار)، وتأخيرها يعني شللاً اقتصادياً يطاول ملايين الأسر.

هنا يأتي المقترح الذي يستحق الوقوف عنده: إطلاق الدينار العراقي الرقمي كعملة رقمية للبنك المركزي (CBDC)، وإيداع الرواتب فيها مباشرة، مع إلغاء التعامل النقدي تدريجياً. الفكرة ليست طوباوية، بل تستند إلى رؤية أقرّها البنك المركزي نفسه، و بتأكيد سابق أن مشروع الدينار الرقمي قيد التنفيذ.

لكن السؤال الأهم: كيف يعالج الدينار الرقمي أزمة الرواتب؟

أولاً، إيداع الراتب كعملة رقمية في المحافظ المالية الموطنة يعني أن الموظف يستلم مستحقاته فوراً، دون انتظار توفير الكاش النقدي الذي يعاني العراق شحاً فيه. فالنقود الورقية تحتاج إلى طباعة ونقل وتأمين، بينما العملة الرقمية تنتقل بضغطة زر.

ثانياً، إتاحة استخدام الراتب فوراً في الشراء والدفع الإلكتروني تعني أن السيولة الرقمية تظل متدفقة في الاقتصاد، حتى في أوقات شح النقد الورقي. وهذا ما تسعى إليه الحكومة بالفعل، حيث أعلن البنك المركزي أن جميع المدفوعات الحكومية ستنتقل إلى القنوات الإلكترونية بحلول تموز 2026.

ثالثاً، الدينار الرقمي المعتمد من البنك المركزي سيقلل بشكل جذري تكاليف طباعة النقود ونقلها وتأمينها، وهي تكاليف تقدّر بمليارات الدنانير سنوياً. والأهم من ذلك، أنه سيعزز الشفافية ويمكن من تتبع السيولة الرقمية واتجاهات الإنفاق، مما يمنح صانعي السياسة أدوات دقيقة لإدارة الأزمات.

لكن الطريق إلى الدينار الرقمي ليس مفروشاً بالورود. هناك تحديات حقيقية:

· البنية التحتية التقنية: يحتاج المشروع إلى شبكات إنترنت موثوقة وأنظمة أمن سيبراني متقدمة، وهي تحديات لا تزال قائمة في كثير من مناطق العراق.

· الثقافة المجتمعية: لا يزال كثير من العراقيين يفضلون التعامل النقدي، وتغيير هذه الثقافة يحتاج إلى وقت وتعليم مصرفي مستدام.

· الشمول المالي: نحو 70% من البالغين في العراق لا يمتلكون حسابات مصرفية، وتحويلهم إلى النظام الرقمي يتطلب جهداً كبيراً.

ومع ذلك، فإن الفرصة تاريخية. فالمصارف الرقمية التي يستعد البنك المركزي لترخيصها بدءاً من أيلول 2026، بعد أن تلقى طلباًت لتأسيسها، ستشكل العمود الفقري لهذا التحول. وهذه المصارف، التي تخضع لمعايير صارمة تشمل متطلبات رأسمال تصل إلى 100 مليار دينار، ستقدم خدماتها بالكامل عبر القنوات الرقمية، مما يجعلها الوسيلة المثالية لتوزيع الدينار الرقمي.

إن مقترح إلغاء التعامل النقدي تدريجياً واستبداله بالدينار الرقمي ليس مجرد حل تقني لأزمة السيولة، بل هو مشروع نهضة مالية شاملة. فهو يعالج أزمة الرواتب، ويحد من التضخم الناتج عن طباعة النقود، ويعزز الشفافية، ويكافح الفساد، ويدمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة المالية.

التقديرات تشير إلى أن مشروعاً كهذا قد يحقق فوائد اقتصادية سنوية تتراوح بين 7.5 و12.5 مليار دولار. وهو استثمار أولي لا يتجاوز 3-5 ملايين دولار— أي أقل بكثير من تكاليف طباعة النقود وتأخير الرواتب التي تتكبدها الدولة شهرياً.

الخلاصة: الدينار الرقمي ليس عصا سحرية تحل كل المشاكل بين ليلة وضحاها، لكنه بلا شك المخرج الاستراتيجي من أزمة السيولة المزمنة. ومع قرب إصدار تراخيص المصارف الرقمية، حان الوقت للانتقال من مرحلة المقترحات إلى مرحلة التنفيذ. فالشعب العراقي، الذي يعاني من تأخر رواتبه شهراً بعد شهر، يستحق أكثر من مجرد وعود نقدية—يستحق نظاماً مالياً رقمياً عصرياً يضمن له حقوقه المالية في الوقت المحدد، وبكل شفافية وأمان.

 

 متخصص في الشؤون المصرفية


مشاهدات 434
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/08/09 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 1:54 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 688 الشهر 10464 الكلي 16100168
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير