نحو عدالة كاملة غير منقوصة
الغيث مزهر الخفاجي
قبل أيام، استيقظ العراقيون على أخبار تتحدث عن وجود عشرات المتهمين بقضايا فساد، بعضهم يتمتع بحصانات قانونية وأخرى سياسية. وقد رافقت عملية إلقاء القبض عليهم مشاهد أمنية لافتة أعادت إلى أذهان كثيرين صور الدبابات وانتشار القوات في الشوارع، رغم أن الرأي العام يتساءل عمّا إذا كانت هناك وسائل إجرائية أقل استعراضاً وأكثر اتساقاً مع طبيعة بعض المتهمين ومراكزهم الوظيفية.
ولست هنا في موضع الدفاع عن أي فاسد أو سارق، فكل من يثبت عليه الاعتداء على المال العام يجب أن يخضع للمحاسبة القانونية العادلة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يشعر العراقيون بأن تطبيق القانون لا يسير دائماً بالدرجة نفسها على الجميع؟لقد حدد الدستور العراقي في المادة (63) قيوداً وإجراءات خاصة بإلقاء القبض على أعضاء مجلس النواب، وأكدت المحكمة الاتحادية العليا في أكثر من قرار أن الاعتقال يكون ضمن الحالات التي يجيزها القانون، ومنها الجرائم المشهودة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي للرأي العام بشأن الأساس القانوني والإجرائي لكل حالة، لأن الشفافية هي الضمانة الأولى لثقة المواطنين بالمؤسسات.
إجماع واسع
إن جوهر المشكلة لا يكمن في مبدأ مكافحة الفساد، فهذا المبدأ يحظى بإجماع واسع، بل في الكيفية التي يطبَّق بها. فالعدالة لا تُقاس بعدد من يُحاسَبون فقط، وإنما بمدى مساواة الجميع أمام القانون. وعندما يشعر الناس أن بعض المتهمين يُلاحَقون بسرعة بينما يثار التساؤل حول مدى خضوع آخرين للإجراءات نفسها، فإن الثقة بالمنظومة القانونية والرقابية تتعرض للاهتزاز.
وأتذكر جيداً أن أول درس تعلمناه في كلية القانون كان أن العدالة هي قيمة أخلاقية وقانونية تعني إعطاء كل ذي حق حقه، والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، والحكم بينهم بإنصاف وحياد دون تمييز أو ظلم. وإذا كانت هذه هي القاعدة، فإن المطلوب أن يكون معيار المحاسبة واحداً على جميع من يثبت تورطهم في الفساد، بعيداً عن الانتماءات السياسية أو حجم التمثيل أو النفوذ.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر أهمية: أين كانت المؤسسات الرقابية قبل إبرام العقود الفاسدة وصرف الأموال؟ فمكافحة الفساد لا تبدأ عند لحظة الاعتقال، بل تبدأ من الرقابة السابقة على العقود، والتدقيق المالي، ومنع تضارب المصالح، والمتابعة اللاحقة للتنفيذ والصرف. وإذا استمرت قضايا الفساد بمبالغ ضخمة عبر سنوات طويلة، فإن التساؤل لا يقتصر على المسؤول التنفيذي وحده، بل يمتد إلى فاعلية منظومة الرقابة بأكملها.
كما أن استرداد الأموال – على أهميته – لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المحاسبة الجنائية متى ما ثبت وقوع جرائم فساد. فالقانون يهدف إلى أمرين متلازمين: إعادة الحق العام، وتحقيق الردع ومنع تكرار الجريمة. أما الاكتفاء بإعادة الأموال دون مساءلة حقيقية، فإنه يثير قلقاً مشروعاً لدى المواطنين ويضعف أثر الردع الذي يفترض أن تحققه العدالة.
مؤسسات رقابية
ومن المهم هنا التمييز بين النقد المشروع والاتهام الجازم. فالمطالبة بالشفافية، وبالمساواة أمام القانون، وبكشف دور المؤسسات الرقابية والقضائية، هي مطالب مشروعة لأي مواطن حريص على دولته. أما الترويج الذي يصل مرحلة الجزم في تسويق وجود تسويات أو استثناءات أو اتفاقات معينة، فهو أمر يحتاج إلى أدلة معلنة وبيانات رسمية واضحة. ولهذا فإن الأجدر أن تُطرح الأسئلة بصيغة تطالب بالتوضيح والكشف، لا بصيغة تفترض حقائق لم تُعلن تفاصيلها للرأي العام.
ولعل أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس الفساد المالي وحده، بل أيضاً الفوضى المعلوماتية التي تصنعها الجيوش الإلكترونية والإعلام المضلل والتسريبات غير الدقيقة والتي تضعنا امام سؤالين هل ترى هذه الحالة او الظاهرة جزء من « الشو « الاعلامي والسياسي الذي اعتدنا عليه في وسائل الاعلام او انها تأتي لخلل في الامانة التي يحملها بعض العاملين في مؤسساتنا الامنيه والجهات التحقيقيه المختصة، حتى وصل الامر الى استخدام هذه الأخبار لتأجيج الرأي العام أو توجيهه ضد طرف دون آخر. ولهذا فإن حماية الدولة تتطلب في الوقت نفسه مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، لان الشفافية وحدها كفيلة في تعزيز ثقة المواطن بمؤسساته القانونيه والقضائية والتحقيقية وهو في ذات الوقت يقطع الطريق امام فوضى الاتهام المجاني للأسماء والشخصيات والمؤسسات ، وهذه الفوضى ستخلق عدم اتزان سياسي واممني واقتصادي وحتى اخلاقية ومواجهة التضليل الإعلامي بالقانون والمعلومة الدقيقة.
إن خلاصة القضية يمكن أن تُختصر في ثلاث قواعد أساسية: لاتوجد مكافحة حقيقية للفساد دون محاسبة الجميع بغض النظر عن انتماءه السياسي والطائفي والقبلي، ولا تكفي الاعتقالات وحدها ما لم يُكشف الخلل المؤسسي الذي سمح بالفساد، والشفافية تبقى الضمانة الأساسية لاستعادة ثقة العراقيين بالدولة ومؤسساتها.
إن الحفاظ على العراق لا يتحقق بالشعارات والنوايا المسبقة، بل ببناء دولة يشعر فيها المواطن أن القانون يطبق على الجميع بالقدر نفسه، وأن المال العام مصان، وأن المؤسسات الرقابية والقضائية تعمل بكفاءة واستقلال، وأن من أساء للعراق وأموال العراقيين سيحاسب وفق الدستور والقانون، لا وفق موازين النفوذ أو المصالح السياسية. عندها فقط يمكن القول إن معركة التغيير الذي غايته الاصلاح في بنيه العمل السياسي والاقتصادي والخدمي تسير في الاتجاه الصحيح، وإن العدالة التي تعلمنا معناها في ادبياتنا القانونية ومراكز بحوثنا قد وجدت طريقها ..
وأن الانغماس في المماحكة السياسية والاعلامية سيفرط في جوهر العدالة التي هدفها الحفاظ على مصالح المواطن ومصلحة دولته وترسيخ قيم العدالة فيه ان السعي لمكافحة الفاسدين ضرورة حتميه لترسيخ مباديء العدل وهي عنصر اساس في بناء دولة الحق والقانون ، والا كان العدل منقوصاً وعندها تتحول الدولة الى « دولة موز «