من ذاكرة المسرح.. اللجنة تفتح أبوابها متأخّرة
صباح شاكر
«لقد أوجعتني الحرب فقلت شهادتي، وأرجو أن يؤجل استشهادي، فالعالم الجديد لا يخبرك بعذابات المقتول، قدر ما يزكمنا بشجاعة القاتل»
بهذه الديباجة التراجيدية، يبدأ الكاتب فلاح شاكر سرد حكاية الأسير العائد الى بيته بعد أكثر من عشر من انتهاء الحرب، فيكتشف ان أول من يتنكر له بعد تلك الرحلة المضنية وسنواتها المظلمة، هي حبيبته زوجته، والمصيبة المتناقضة، انها .. ورغم عميق حبها ولهفتها لعودته، تنكره وتنفر منه، لا لأنها لم تعد تحبه او أنها تميل لرجل آخر، أنما إصرارها على عدم القبول به، وعذرها في ذلك ان الأسر قد أكل شبابه وجفف جذوته، وأطفأ بريق عينيه، فدار بينهما الحوار سجالا ولهاثا لأثبات كل منهما ذاته، فيما ظلَ السؤال يتأرجح بين أن أكون أو لا أكون، في ظل المؤكد واللا مؤكد، وتلك لَعِمري اشكالية الأسر الطويل والعودة المتأخرة، والأجدر بنا فهمها، لاسيما ونحن شعب وبلاد عشنا ويلات ومآسي الحروب لعقود غير قليلة، كنتيجة حتمية لفوضوية الحكام ونزعاتهم الدموية، دون أن نستثني من كان وراء تلك الحروب وإدامتها.
الحروب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين والأسرى، إضافة الى إفراغ خزينة الدولة، وتحويل العراق من دائن الى مدين، وما سببته من خراب ودمار لكل قطاعات الدولة كالاقتصاد والصناعة والزراعة والتعليم والصحة والبيئة، ناهيكم عن الأضرار النفسية التي لحقت بالمجتمع العراقي، والتشويه الذي لحق بالطباع والسلوك، وتراجع القيم الخلاقة التي كانت واحدة من سمات المجتمع العراقي.
أما الكارثة الكبرى، فهي تحويل العقل الجمعي العراقي من حالاته المدنية العصرية المتحضرة الى مكب لنفايات القبلية والطائفية والخرافة والمد المشوه للدين، وشيوع قانون الغاب.
وأنا عندما أستذكر هذا العمل المسرحي، أجد من الواجب إنصاف فريق العمل بمجمله، خصوصا وإن العرض إعتمد على الممثل وأمكاناته في الإقناع والتجسيد، ونجاحه في إيصال الرسالة، وأبدأ من المبدعة دائما وأبدا الفنانة شذى سالم وروعة أدائها في التعبير عن حزن المرأة المهجورة المفجوعة، التي فقدت ذاتها بين الأنتظار والحزن والخيبة، وقد إستحقت يومها لقب فنانة الشعب.
وفي المقابل كان هناك جواد الشكرجي، الممثل النجم الذي جسَّد ثيمة النص، في أدائه المتقن لدور الأسير الخاسر العائد من الخيبة، ليواجه خيبة فقد بيته وزوجته الحبيبة، ترى اي مصيبة عاصفة يراد من الشكرجي تجسيدها، لقد كان بحق ممثل نجم بكل ما تحمله الصفة من معاني، ولا يفوتني ذكر الممثل الجدير بالمحبة والأحترام الفنان رائد محسن وما تركه من اثر طيب في تماهيه وتمثيله لدور المعلم - وحارس المدرسة.
أما على صعيد النص والإخراج فإن المؤلف فلاح شاكر والمخرج الراحل محسن العلي قد أحكما سيطرتهما على تماهيات المضمون، بشكل جيد ومتماسك، وسد كل الثغرات المتوقعة، لاسيما وأن النص كان يقبل التأويل، ونحن داخل أسوار سلطة لا ترحم، مما جعل الفريق بمجموعه في حذر دائم، خشية منع العمل في أية لحظة. وتوجيه تهمة التحريض لهم، وما الى ذلك من التهم الجاهزة التي إعتادها العراقيون، خاصة وأن العمل قدم في العام 1999، ذلك العام المضطرب في كل شئ.
□ ممثل ومخرج مسرحي