الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قبل خمسين عاماً

بواسطة azzaman

قبل خمسين عاماً

حسن النواب

 

سأرجئ نشر الحلقة (11) من تطواف الغريب هذا الأسبوع، لأكتب عن شهر رمضان في أيام الصبا وقبل خمسين عاماً، وأقول يا الله رفقاً بسغب الناس المتعففين في كل أصقاع العالم؛ ولا تدع شهر رمضان يمضي على المعدمين والكادحين بالحسرة والغم والهم والعوز؛ وأتضرع إليك أنْ تملأ موائد الفقراء بما لذَّ وطاب من طعام وشراب.  وأقولُ بأملٍ يضيء وجداني؛ إنَّ قلبي يزهرُ بالنجوم كلما جاء شهر رمضان؛ بل إنَّ روحي تتماهى إلى سماواتٍ أرى من خلالها ترتيل القرآن ينهمر كجدول كوثر في مناجم عقلي، وأرى الناس ما هم بأُناسٍ، إنَّما ملائكة يمشون على الأرض، ماذا لو كانت كل سنواتنا رمضان، كان بوسعنا أنْ نرى الجنَّة تمشي على قدميها الطاهرتين فوق أرضٍ بلا فسادٍ وبلا حُسَّادٍ وبلا نفاقٍ وبلا مؤامرات؛ في هذا الشهر يصوم العالم الإسلامي بمجملهِ عن أي شيء يُكدِّر سعادة الإنسان، كل شيء في هذا الشهر المبارك يثير بك الدهشة بدءاً من صوت طبل السحور ومروراً بصلاة الفجر المحفوفةِ بالأدعيةِ والغفرانِ وقيلولةِ الصائم حين تلسعه شمس الظهيرة بامتحانها العسير، وليس انتهاء بدقائق الانتظار والصبر الملائكي لسماع صوت أذان الغروب؛  وهو يردِّد في أرجاء الكون بأسره؛ الله أكبر؛ حيث تخشع القلوب المجبولةِ بالصبر الجميل والأمل الذي لا حدود له؛ سعياً إلى فردوس في مجاهل السماء تترقَّبُ قدومنا ونحثُّ الخطى المؤمنة إلى أبوابها الفسيحة؛ أذكر قبل خمسينَ عاماً وربما أكثر؛ هناك في مدينة متواضعة من خارطة البلاد، اسمها قضاء أبو صخير، تُسمَّى المناذرة الآن، كأنَّها ماسةً خضراء على خصر الفرات، كان الناس في آخر يوم من شهر شعبان يتجمَّعون فوقَ رابيةٍ تُسمَّى «الردَّاد» وهو عبارة عن ساتر ترابي يفصل البساتين عن البيوت ربما شيَّد في ذلك الوقت خشية من فيضان الفرات، كان الناس يتسلَّقون ذلك الساتر الترابي وعيونهم نحو السماء عسى أنْ تظفر حدقة إحداهم برؤية هلال رمضان؛ وحالما يرى الهلال ذلك المحظوظ، حتى تتصاعد من حناجرهم   الأهازيج والصلوات، ويتبادلون التهاني كما لو أنَّهم سيدخلون إلى الفردوس بعد برهةٍ، وحين تبدأ طقوس شهر رمضان كانت المعضلة التي ترافقني حينها مع أخوتي وأخُيَّاتي هي كيف سيمر هذا الشهر علينا بسلام دون أنْ تلحق بنا أية عقوبة من أبي الطيب رحمه الله، حيث أنَّ أمي الشغوفة بالمراسيم الحسينية القُح كما يقولون رحمها الله كانت تحرص على إبعادنا الى خارج البيت حتى يُنهي والدي فطوره الإسلامي المتواضع، وكان لهُ الحق في ذلك، فلقد كُنَّا بشيطنةٍ لا حدود لها، يجزعُ منها حتى الحجر؛ وكم من مرَّةٍ جعلنا فطور والدي كالعلقم بسبب مشاجراتنا العنيفة وصخبنا الذي لا ينتهي، أذكر في منتصف الشهر الكريم  حيث جُرح الأمام علي «ع « تحدث مجزرة مباركة لجميع الدجاج والديوك في حديقة الدار لتقدَّم ثواباً على أرواح الموتى وفي مقدمتهم روح الإمام الباسل «ع» ، وأذكر أنَّ أخي «علي» رحمهُ الله، كان ينتهز تلك المناسبة ويتسلل إلى المطبخ بخفَّة قط ليسطو على جميع أكباد الدجاج المسلوقة؛ وكان هذا الأمر الطريف يحدث في كل رمضان ويترك والدتي في حيرة من أمرها عن سر اختفاء أكباد الدجاج!

وبعد الفطور نهرع نحن الصبية كل مع زمرته أو مع صبيان محلَّته لنطرق الأبواب ونصيح بأصوات لجوجة: ما جينه، ياما جينه، في حين يضرب أكبر زمرتنا على طبلته التي عادةً ما يكون جلدها من معزةٍ نافقة؛ نجمع الزبيب بكيس أبيض والحلوى بكيس آخر، أمَّا إذا تكرَّم أحد البيوت ووهبنا بعض شبابيك الزلابية؛ فترى أنَّ شجاراً حامي الوطيس سيشبُّ بعد خطوات من مغادرتنا ذلك البيت فيما بيننا، ليظفر كل منّا بشبَّاك الزلابية، وربَّما يسيل الدم من أفواه بعضنا؛ ذلك لا يهم مادام ذاق لسانه شباك الزلابية العسير المنال في ذلك الزمان؛ في حين أنَّ صوت مؤذن الجامع يردد بشجن عجيب: أهلاً؛ أهلاً بشهر رمضان، ومن صوب آخر تسمع اصطخاب المقاهي المنشغلة بلعبة «المحيبس» وصوت أحدهم يصيح «بات». فيا شهر رمضان المبارك؛ ها أنا أتضرَّع إلى الله حتى تمرُّ كريماً مسالماً آمناً كما عهدتك على البلاد وبما يحيط بها، وتترك في قلوب جميع الناس المحبة والسلام.

 


مشاهدات 53
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/02/23 - 4:38 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 21 الشهر 18518 الكلي 14950161
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير