الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عبد الستّار عز الدين الراوي.. من دربونة زنكو إلى درابين الفلسفة والسياسة

بواسطة azzaman

عبد الستّار عز الدين الراوي.. من دربونة زنكو إلى درابين الفلسفة والسياسة

رعد البيدر

 

وُلِد البروفسور عبدُ الستّار الراوي عام 1941، في دربونة «زنكو» من فحّامة كرخ بغداد؛ وفي ذلك الزقاق الصغير، تشربت روحه بأول معنى للإنسان وأول رائحة للوطن. لم تكن الدربونة مسرح طفولته فحسب، بل كانت الكتاب الأول الذي قرأه، والمدينة التي لم تغادره يومًا، مهما ابتعدت به المناصب أو نأى به المنفى. فقد خرج إلى الدنيا، لكن زنكو بقيت فيه، ثابتة كنبض لا يهدأ وكجرح لا يريد أن يُشفى، لكي لا يُنسى.

بساطة البيوت

في ذلك الزقاق الصغير، بين أحد عشر بيتًا وست عشرة أسرة، تعلّم الراوي ما لم يتعلّمه من الجامعات فيما يخص: محبة الفقراء، شهامة الرجال، بساطة البيوت، كرم الموائد، ودفء العلاقات التي تُربّي الطفل قبل أن تُربّي المدينة. زنكو لم تكن مكانًا؛ كانت صفةً أخلاقية، و مدرسةً تُخرّج رجالًا لا يعرفون الخذلان، لذلك بقيت فردوس الأرض في عينه، كما يسمّيها، فردوسًا لا يضاهيه رخام ولا تحاكيه مدن.

زنكو وما حولها في ذاكرته لا تفارق عالمها ، الذي عاش فيه: إبراهيم الجميلي، ملا مولود المشهداني، جبّوري العداي، هدية المُصلح ، ماهية الحمادي ، نورة القدسي ، مدرسة الزوراء، نخلة حفصة، حصان الحجي مشمش (تاج الملوك)، طيور أحمد البطوشة، حمار إبراهيم الجرمط، شاطئ القمرية، ساحة الشهداء وجسرها العتيق، شارع الرشيد… أنها ليست أسماء، بل أوردة الذاكرة التي يضخ بها قلبه، وجزء من شريان حياته وحياة زنكو، وفحّامة الكرخ، وبغداد كلها. فالذاكرة عنده لا تعرف الضياع إذا كان الحزن ممزوجًا بالوفاء.

تزايدت سنوات عبد الستّار الراوي وهو يحمل رصيداً من النقاء، فمضى يطرق أبواب الفلسفة حتى نال الدكتوراه من جامعة الإسكندرية عام 1977، ثم عاد إلى بغداد ليُدرّس الفلسفة في جامعتها بين 1978 و1998، قبل أن يصبح سفيرًا للعراق في طهران حتى عام 2003، عام غربته الطويلة. لم تغيّره المناصب، بل زادته قربًا من جذوره، ومن زنكو التي لم تساومه يومًا على محبته لها. بقي يحمل روح ابن الكرخ الذي يرى الفلسفة من نافذة الناس، لا من صفحات الكتب.

كتب عن الاعتزال ففتح بابًا على ضوء بغداد القديم، وكتب عن الاحتلال فحوّل الدمعة إلى تحليل، والغضب إلى فكر، والمأساة إلى مجلدات «معجم العقل السياسي». يعيش حياته بين لقيمات بسيطة، فنجان قهوة، سكارته، وركن الكتابة الذي صار وطنًا داخل وطن. لم يكن يكتب للتاريخ فقط، بل كان يكتب ليحفظ ما تبقّى من ضوء العراق قبل أن يبتلعه العتم.

لا أكتب عنه لأنه فيلسوف كبير ، بل لأنه أخي الكبير، ولأن الكرخ عندي وعنده فردوس الأرض، لا يُنافسه فردوساً آخر. ولأن الوفاء يُقسَّم بين حاضر الإنسان وطفولته، عساني قد وفيتُ لحاضره ولطفولته معًا. أكتب عنه لأبكي معه على زمن رأيته يبكيه بالدموع والكلمات، يبكيه بدموع المروءة لا بدموع المساكين، ويرثيه بكلمات تهزّ وجدان هذا الزمان، الذي نضج حزنه أكثر مما نضج وعيه. كتبت عنه لأن بكاء الرجال لا يُؤلم، بل يعلّم. ولأن بكاء الكرخ ليس بكاء مدينة، بل بكاء وطن مكسور القامة، معلول القلب.

حين يكتب عبد الستّار الراوي، فإن صدى كلماته سيصل إلى حيث سنكون لاحقًا في الشيخ معروف الكرخي ، أو تلّ أحمر، أو الشيخ جنيد البغدادي ، سيصل إلى من عرف بغداد، ومن فقد بغداد، ومن عاش على ضوء الكرخ، ومن ظلّ يدعو للعراق كما يدعو الابن لأبيه العليل. ستُقرأ كلماته هناك، بين الذين حفظوا أرضهم بدموعهم، وحفظتهم أرضهم بترابها.

أكتب عنه ويقيني لا يتغير:

أن من لا ماضٍ له لا حاضر له، ومن لا وفاء له لا ذاكرة تُبقي اسمه قائمًا بعد رحيله.

 أبا العز عُذراً إن كانت سطوري أقلّ من مقامك، كونك صادق في محبتك، وصادق في وجعك، وصادق في عشقك لبغداد بصوبيها، وللكرخ خاصةً، وللعراق كلّه، عراق مُقلّ العيون، وشغاف القلب، ولقمة الخبز، وقدح الكرامة.

 


مشاهدات 30
الكاتب رعد البيدر
أضيف 2025/11/29 - 3:07 AM
آخر تحديث 2025/11/29 - 4:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 21004 الكلي 12682507
الوقت الآن
السبت 2025/11/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير