الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة

حازم السهيل .. دبلوماسي معارض وسليل بني تميم   1-2
صلاح عبد الرزاق

إضاءات
بواسطة azzaman

شخصيات عرفتها

حازم السهيل .. دبلوماسي معارض وسليل بني تميم   1-2

صلاح عبد الرزاق

ندوات فكرية وسياسية في المهجر

عندما كنت في المنفى الهولندي ، كنت ناشطاً في العمل السياسي والاجتماعي. وفي عام 1998 أسسنا مع شخصيات سياسية ومثقفة مقيمة في هولندا لتأسيس ندوة دورية يستضيفها أحدنا في منزله. في بداية التأسيس عقدت اجتماعاً تأسيسياً في منزلي لمناقشة الفكرة وكيفية المحافظة على ديمومتها وانفتاحها على كل التيارات العراقية ، الإسلامية والشيوعية والقومية والكردية والعشائرية. وقد أطلقنا عليها اسم (ملتقى الاتجاهات الفكرية) ، حيث يتم اختيار محور معين يقوم أحدهم بإلقاء كلمة حول الموضوع ثم يبدأ النقاش والحوار من قبل الحاضرين. وقد عقدت قرابة عشرون ندوة حتى سقوط النظام عام 2003 ، تناولت كثيراً من القضايا العراقية والفكرية والسياسية.

في 2 نيسان 2000 عقدنا ندوة بعنوان (العشائر العراقية بين القيم والسياسة) ، وكان الشيخ حازم السهيل هو المتحدث الأول فيها ، حيث حضر مرتدياً اللباس الشعبي العراقي المتألف من الدشداشة والعباءة والغترة والعقال. وقد تناول فيها عن (نظام دعاوى العشائر في العراق) لعام 1924 الذي تم وضعه النظام الملكي للسيطرة على العشائر والريف العراقي ، والذي تضمن تحديد العقوبات وخاصة في حالات القتل والاغتصاب والسرقة. وكذلك حل الخلافات الناشبة بين العشائر حول الأراضي وغيرها.

وقد تم إلغاء نظام العشائر بعد تأسيس الجمهورية في تمود ١٩٥٨ ، لكن صداماً أسس فيما بعد (مكتب العشائر) الذي كان يتدخل لحل النزاعات العشائرية وتسوية الخلافات بعد دفع الدية ، ثم يعقبه صدور مرسوم جمهوري بإعفاء القاتل من العقوبة ، فيخرج من السجن ويُلغى بذلك الحكم الذي أصدرته المحكمة.

التواصل مع الشيخ

في تلك الفترة جمعتنا هموم السياسة وقضايا الوطن ، وكان الشيخ السهيل مشاركا في أغلب الندوات التي نعقدها. وربما اجتمعنا في مناسبات ونشاطات أخرى غير الندوة المذكورة آنفاً.

وبعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003 وعودتي إلى العراق وانشغالي بالعمل السياسي والإعلامي والوظيفي انقطع التواصل بين كل أعضاء الندوة. إذ عاد بعضهم إلى العراق وشغل مناصب مثل د. فؤاد حسين ، د. حسان عاكف ، د. علي الابراهيمي ، محمد ناصر العلي ، زيد وتوت (عسكري) ، أحمد سلطان الحسناوي (عسكري) ، أبو هند الزاملي (عسكري) ، أبو ياسر زنكي ، شهيد مطر الزيادي وبعضهم توفي في المهجر مثل د. علي كريم و د. سلمان شمسة وآخرين. وكنا نستضيف شخصيات أكاديمية غير عراقية.  خلال تلك الفترة كنت أسافر إلى هولندا للعلاج أو قضاء بعض الأمور ، وكنت أزور الشيخ حازم السهيل بين حين وآخر. وفي 6 تشرين الأول 2023 زرته في منزله في ضواحي مدينة روتردام، حيث يقيم في شقة مع زوجته. وكان وضعه الصحي ليس على ما يرام حيث يعاني من مشاكل في الكلى. وجدته مسروراً لزيارتي ، بشوشاً كعادته ، اعتذر بسبب عدم ارتدائه ملابس رسمية لأن العلاج والأنابيب الخارجة من جسمه تعيق ذلك. جلسنا وتحدثنا كثيراً ، عندها خطرت في ذهني فكرة تسجيل هذا الحديث الذي يتضمن تاريخاً وذكريات ومواقف ، فوافق على التسجيل. ويختلف هذا المقال عن مقالاتي السابقة في شخصيات عرفتها بأنني تركته يتحدث عن نفسه وعلى سجيته فكان هذا المقال.

قبيلة بني تميم

من القبائل العربية العريقة والواسعة في العراق والدول العربية.

يقول حازم: والدي هو محمد باقر ابن الأمير نجم السهيل شيخ مشايخ بني تميم ، وابن عمي اسمه محمد باقر خميس السهيل الذي أصبح شيخ العشيرة بعد وفاة والده. كان والدي فارساً منذ شبابه ، مهاباً بسبب موقعه في قبيلته.

ولد الشيخ محمد باقر السهيل عام 1889 وتوفي في 30 تموز 1975. كان إقطاعياً يمتلك أراضي زراعية ، ولم يعمل في منصب حكومي أو سياسي. فلم يكن بحاجة للوظيفة كمورد ولا كجاه لأنه كان يمتلكهما. كانت علاقاته جيدة بالحكومة الملكية . وكانت وزارة الخارجية تضع ضمن برنامجها للضيوف الأجانب زيارة مضارب بني تميم وتقديم واجب الضيافة للزوار. فعندما كان يأتي الملك عبد الله عاهل الأردن إلي بغداد يرافقونه إلى بني تميم.

وكان يؤمه حشد كبير من من الشخصيات السياسية العراقية والعربية والأجنبية. فقد زاره الملك عبدالله والامير عبد الاله الوصي على عرش العراق . كما حضر جمع من زعماء الدولة امثال نوري السعيد و فاضل الجمالي , وعندما زاره ولي عهد السويد اقام له الشيخ التميمي استعراضاً لفرسان بـــنـــي تــمـــيــم كان هو على رأس المستعرضين راكباً فرسه المطهمة فأعجب النظار بحركات سيفه حيث ادى به تحايا الملوك. وامتد الاستعراض من مدينة الكاظمية الى مدينة عكركوف ونشرت الصحف العالمية اخباره . وفي تلك الحقبة من الثلاثينيات ذهب لأداء فريضة الحج فأستقبله الامراء الســعـــوديون وأقام له الملك عـــبــد العـــزيــز حفلة خاصة على شرفه دعي اليها شيوخ الجزيرة العربية .  في عام 1954 زار لندن بدعوة من ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية ، وفي حوار بينهما سألته الملكة : ما هي العشيرة ؟ فقال لها : اعصبة الدم. ودعي ايضا الى مؤتمرات عالمية والى دول أخرى . وكانت تنشر اخباره في صحف تلك البلدان مثلما تنشر اخبار الملوك والامراء .

مدارس ابتدائية

 وله اصلاحات كثيرة منها انه اسس مدارس ابتدائية ومستوصفات صحية في منطقته . واعان الكثير من الباحثين ورواد الصحافة على طبع مؤلفاتهم . وكان اصيلا في مثل القبائل وكان مجتهداً في آرائه وله امتدادات الى عمق الجزيرة العربية وقيل انه كان بناءا خاصا في الارادة والعزيمة ووحدة الشخصية.  يتحدث الشيخ حازم السهيل فيقول: بعد وفاة والدي الشيخ السهيل كان الكبير هو عمي حسن ، والكبار الأربعة  هم عمي حسن السهيل وحسين السهيل الذي توفي عام 1946 بالسرطان ، والثالث أبي محمد باقر السهيل وعلي السهيل والد طالب. أصبح حسن السهيل نائباً لثلاث دورات ، وكان معارضاً لنوري السعيد مع أنهما كان أصدقاء. وعندما توفي حسن السهيل حضر نوري السعيد مجلس الفاتحة ثلاث مرات ، وكان يبكي ويقول: لقد فقدت أخاً عزيزاً . كما حضر الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله إلى مجلس الفاتحة. كانت علاقاتهم الاجتماعية وثيقة لكنهم في خلاف سياسي. ويضيف الشيخ حازم: كان والدي محمد باقر السهيل مسؤولاً عن الأمور العشائرية. إن قبيلة تميم كبيرة ومتوزعة في عدة دول. مثلاً هم أمراء قطر؛ كما ينتشرون في البصرة . وعندما يتوفى شيخهم هناك يتصلون بوالدي وعمي حسن ، فيذهبان إلى البصرة لحضور مجلس الفاتحة.

ويقوم آل كنعان بانتخاب شيخ آخر ، فيبارك والدي وعمي هذا الانتخاب. وعندما يأتي شيوخ كنعان إلى بغداد يقيمون عندنا. ولذلك أنا أعرفهم شخصياً. كانت العلاقات أقوى في السابق وليس كما في الوقت الحاضر. وفي ديالى لدينا الشيخ بلاسم الحسن وآلبو شلال وشيخهم مصطاف ، وكان والده نائباً عن ديالى. ويوجد بيت حميد ملا جواد البو حسان ، قسم منهم في ديالى وقسم في بلد. وهناك ألبو حشمة وشيوخهم من السنة وهم آلبو ثامر. وكانت علاقة والدي وثيقة جداً معهم. ولمحبتهم لوالدي كانوا يحلفون بقولهم وراس عبد القادر وراس محمد باقر. وبعد انتعاش أمور العشائر بعد السقوط صارت عشائر من الموصل وكركوك يتصلون بالشيخ محمد باقر خميس السهيل لبعض أمورهم.   

البطاقة الشخصية

أنا حازم محمد باقر السهيل التميمي. ولدت في بغداد ، أبو غريب ، منطقة عكركوف  عام ١٩٤٠ . أكملت دراستي الابتدائية في (مدرسة عادل الأهلية) ، دخلت كلية بغداد لكن لم أكمل الدراسة فيها بل أكملت الثانوية في (إعدادية الكاظمية)

في وزارة الاعلام

في عام ١٩٦٧ دخلت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الدورة الأولى في الجامعة المستنصرية ، قسم العلوم السياسية. وكانت الدراسة مسائية في الجامعة.  في الصباح عملت موظفاً في الشركة العامة للمطاحن ، ثم في المصلحة العامة لتنظيم الحبوب.

بعد تخرجي من الجامعة ، ولأن عملي الوظيفي لا ينسجم مع اختصاصي الجامعي ، طلبت نقلي إلى وزارة الاعلام. حتى عام ١٩٧٨ عملت في وزارة الإعلام في وظيفة رئيس قسم مراسلي أجهزة الإعلام الخارجية. وخلال عملي اكتسبت خبرة في التعامل مع رجال الصحافة الأجانب الذين كانوا يعملون في العراق.

في وزارة الخارجية

في عام ١٩٧٨ دعت وزارة الخارجية خريجي العلوم السياسية والاختصاصات القريبة للعمل الدبلوماسي للتقديم في وزارة الخارجية. قدمت أوراقي لاجتياز الامتحان الذي كان تحت إشراف لجنة تضم معز الدين الخطيب رئيساً وكان زيلاً لي في اعدادية الكاظمية ، وعضوية نبيل نجم الذي كان زميلاً للدراسة في الجامعة. نجحت في الامتحان ونقلت أوراقي من وزارة الاعلام إلى وزارة الخارجية 

في نفس العام تم افتتاح الدورة التاسعة في معهد الخدمة الخارجية حيث توجد دراسة لمدة سنة واحدة ، يحصل المتخرج منها على دبلوم عالي بالعلاقات الدولية والعلوم السياسية. بعد اجتياز الدورة صدر كتاب بنقلي للتدريب حسب اللغات حيث كانت اللغات الإنكليزية والفرنسية والروسية إلى الدول المعنية.

في سجن المخابرات

في عام ١٩٨٠ هرب أخي الدكتور سهيل السهيل  إلى سوريا ، ولم أكن أعرف سبب هروبه. وأصبح عضو قيادة قومية في سوريا.

الدكتور سهيل من مواليد عام ١٩٣٧ ، درس في اعدادية الكاظمية ، وكان عضو الاتحاد العام لطلبة العراق ، ثم رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق فرع دمشق ، ثم رئيس المؤتمر العام للاتحاد الوطني العراق عام ١٩٦٨ الذي عقد في دمشق.  ثم تخرج من كلية الحقوق بجامعة بغداد. أكمل الماجستير في الفلسفة الماركسية والدكتوراه في القانون المدني في جامعة صوفيا ببلغاريا. ولده ذو الفقار لديه فيصل سهيل التميمي الذي يعمل في وزارة الخارجية ، وزينة.

في شهر آب ١٩٨٠ اتصل بي مدير عام الدائرة الإدارية في وزارة الخارجية مسلم الجبوري وهو كان رئيس محكمة الثورة. وطلب حضوري في مكتبه ، فذهبت فقال لي : الجماعة يردوك. لم أعرف من هم لكن ذهبت معهم. اثر ذلك تم اعتقالي أنا وأخي واسمه قمندار الذي كان يعمل مديراً في وزارة الاعلام ، وهو خريج أميركا في العلوم السياسية.  كانوا يسألونني عن تستري عليه ، وأنني كنت أعلم بنية فراره من العراق. تم اقتيادي بسيارة ، وعند عبورنا جسر الجمهورية سألني أحدهم أين أخوك سهيل؟ فأجبته: لا أعلم. وفعلا كنت لا أعلم. لأنه على حد علمي كان سهيل في لندن إلى الدراسة . سألني: أنت في الاستمارة لم تذكر سوى أربعة إخوة في حين لديك سبعة إخوة ! ولم تذكر سهيل! فأجبته: في الاستمارة يوجد تسلسل من ١ إلى ٤ فكتبت أسماء إخوتي فيها حسب الأعمار ، وكان سهيل هو التسلسل السابع . فكتبت ١-خميس ٢-قمندار ٣- عبد العزيز ٤- مانع ، ثم توقفت ، ولم أكتب الآخرين وهما حسين وحامد.

وصلنا إلى منطقة البتاويين ، فضغط السائق على (هورن السيارة) ففتحت باب حديدية ، فدخلت السيارة في المبنى. دخلت وأجلسوني في غرفة لمحقق قال لنا: أنتم هنا محجوزين بأمر الرئيس (صدام) ، وسوف نجل كل أخوتك. جاء أحدهم واقتادني حيث طلبوا مني خلع ملابسي وارتداء بيجاما ، بعدها أخذوني إلى غرفة وسخة ضيقة لوحدي. وقال لي: تبقى محجوزاً هنا إلى أن يسلم سهيل نفسه أو نعدمكم. عند الظهر جاءوني بصحن بلاستك فيه تمن ومرق لم أعرف ماذا كان! وقدح بلاستك . أعطوني بطانيتين واحدة غطاء والثانية فراش. في اليوم الثالث جاءوا بأخي قمندار الذي تم اعتقاله بعد يوم من اعتقالي. وكان أهلي قلقين علي لأنهم لا يعلمون باعتقالي فذهبوا يسألون عني في المستشفيات ومراكز الشرطة. لكنهم سحوا له بالاتصال بزوجته وأخبرها بأنه في دائرة المخابرات ومعي أخي حازم. بقينا أنا وأخي قرابة عشرة أيام في تلك الغرفة ، ثم رافقونا إلى الحمام للاستحمام الجماعي !! بعد الاستحمام ارتدينا نفس ملابسنا الوسخة.

تم ربط أعيينا ثم أوقفونا في طابور ، ثم ركبنا في سيارات ومنعونا من الكلام مع بعضنا البعض.

 

في محكمة الثورة

وصلنا إلى بناية بعدة طوابق ، وصعدنا في مصعد . غادرنا المصعد لندخل في غرفة مجهزة بحمام وتكييف لا تقاس بتلك الغرفة الوسخة. لحسن الحظ أنهم وضعونا أنا وأخي في غرفة لوحدنا. اتضح أن هذه البناية هي بناية المحكمة والمجاورة لمستشفى العلوية في شارع ٥٢ مقابل دائرة الجوازات. لقد كنا أول المعتقلين في تلك البناية.

كنا نسمع صياح المعتقلين وبعضهم صبيان ينادون أمهاتهم !  من خلال شباك الغرفة الملحوم بحديد ولا يفتح ، كنا نشاهد المعتقلين في الساحة وأزلام النظام كانوا ينهالون عليهم ضرباً بالعصي والكابلات. الساحة مغطاة بمشبك حديدي يمنع هروب السجناء.

في أحد المرات سألت أحد الحراس: نحن أيضاً نريد الخروج في الهواء الطلق ، فقال: هؤلاء ليسوا مثلكم ، فعددهم (٥٦) معتقلاً في غرفة واحدة بأبعاد ٢،٥ * ٤ أمتار.

بعد إيام سمحوا لنا بالخروج إلى الشمس ، أثناء جلوسي وجدت بقية مسمار لحيم على الأرض فأخذته ودسسته في جيبي. بعد عودتنا إلى الغرفة وجدنا أنهم وضعوا طبقة أخرى من اللحيم على الشباك . استخدمت المسمار لكتابة التواريخ على جدار الغرفة. كان الطعام عبارة عن قطعتي خبز (صمونتين يابستين من صمون الجيش) في اليوم. كان أخي قمندار يعاني من مرض ضغط الدم ولتوصية بنا كانوا يجلبون له الدواء ، حيث يأتي أحدهم بحبة الدواء ويطلب منه تناولها أمام الشرطي

 

من الطرائف ، كنت يوماً واقفاً قرب باب الغرفة ، وفيها نافذة لاطلاع الشرطة علينا في كل حين أو تسليم الطعام من خلالها . كنت أسترق السمع بجانب الباب لأستمع إلي صوت المذياع الخاص بأحد الشرطة الذي كان يجلس في الممر ويفتح الراديو لنفسه أثناء مراقبته غرف المعتقلين. وفي أحد المرات فتح أحدهم الباب فصاح بي: ماذا تفعل؟ وكان غريب الشكل ، أقرب للوحوش ، فقلت له: كنت بصدد الطرق على الباب لأني أخي يريد معرفة وقت الصلاة . فقال بسرعة: ليصلي ، لقد حان وقت الصلاة. كنا محرومين من الصحف والصابون. وكل أسبوعين يعطونا شفرة حلاقة صغيرة (موسى) ، يبقى واقفاً يراقبنا خشية قيامنا بالانتحار ، نحلق بها ثم يأخذها.

 

 

وللذكرى ، في أحد الأيام كنت قنصلاً في مدينة حلب بسوريا ، وجاءتني معاملة زواج لبنت عمرها ١٧ سنة فهي قاصر. وكان اسم زوجها شجاع بن غالب المحمود. وكان غالب المحمود متزوج من أخت صدام . قلت للفتاة القانون يوجب حضور ولي أمرك سواء في سوريا أو في العراق. بعد أسبوع دخل على السكرتير في القنصلية وقال: يوجد شخص أنت طلبت حضوره، فقلت له: ليدخل. ولما دخل علي كان هو السجان نفسه الذي صاح بي عن باب الزنزانة. عرفني وعرفته ، طأطأ رأسه خوفاً من أن انتقم منه ، فطلبت منه الجلوس ، ثم ناديت أحد المستخدمين في القنصلية واسمه أبو فهد. وسألت السجان السابق: ماذا تشرب؟ فرفض ، فطلبت من أبو فهد جلب فنجاني قهوة. قلت للسجان: آنت كنت تقوم بواجبك . وأردت أن أبيّن له الفرق بين سلوكهم معنا وسلوكنا معهم. ورغم ما حدث معي لكنني سأغلّب الجانب الإنساني في التعامل معك

 

بقينا معتقلين قرابة العام نعاني من التعذيب النفسي، ففي الستة أشهر الأولى كانوا بين حين وآخر يأتي السجانون ويبلغونا بالتهيؤ لأنه غدا سيتم إعدامنا ، مما يسبب لنا قلقاً ومعاناة وتوتر كبير. كنا محرومين من الملابس وبقينا في الملابس القديمة طوال مدة الاعتقال وكانت البيجاما تهتري وتتمزق. ولا توجد مواجهة مع أهلنا .

في أحد الأيام جاء نقيب اسمه خالد من أقارب خير الله طلفاح ومرافقه ، وهو الذي اقتادني إلى السجن . جاء إلى السجن وأبلغنا بأن أهلنا بخير. بعد ستة أشهر جاء النقيب خالد وقال لنا: أبشركم لن تعدموا.

 

إطلاق سراحنا

قبل خروجنا بعشرة أيام أنزلونا إلى غرفة تسمى الغرفة الحمراء بأبعاد ٢ * ٢ متر تقع في الطابق الأرضي. الجدران والسقف والأرضية كلها بلون أحمر. بقينا فيها عشرة أيام وفي اليوم العاشر جاءنا صباحاً أحد السجانين ومعه موس حلاقة وقال: أبشركم سيطلق سراحكم. وعند الساعة ١١ صباحاً أعادوا إلينا ملابسنا التي جئنا بها قبل عام. كان السروال (البنطرون) واسعاً عليّ فربطته كي لا يقع. فقد كان وزني ٧٥ كغم ، وأصبح ٥٦ كغم عند الخروج. جاء أحد الموظفين وسلمنا أوراقاً للتوقيع عليها . عرضوا علينا شرب أي شيء فرفضنا لأننا كنا مستعجلين بالخروج. استلمنا بقية أغراضنا ثم جاءت سيارة أعادتنا إلى بيوتنا . بعد خروجنا التقينا أهلنا وأصدقائنا فسألونا: هل أعطوكم شراباً قبل الافراج عنكم؟ فنفينا ذلك. وكان النظام يسقي المعتقلين شراباً مسموماً ليموت بعد مدة زمنية معنية لا تثير الشكوك.

 

خرجنا من المعتقل ولم يسلّم أخي سهيل نفسه بل بقي في سوريا. كنا رهائن لحين عودته لكنه لم يسلم نفسه. وكان صدام يرسل له مبعوثين عندما يخرج من سوريا. في أحد المرات كان سهيل ذاهباً إلى ليبيا ، فأرسل إليه أخي وابن عمي الذي ابنته هي زوجة سهيل. وكانوا ينقلون له وعود صدام بتلبية احتياجاته فور عودته للعراق. وكان يعرض عليه منصباً سفيراً أو وزيرا وغيرها من الاغراءات.

 

العودة إلى الخارجية

بعد إطلاق سراحي عدت إلى مقر عملي في وزارة الخارجية. ولم يمض شهران حتى جاءني كتاب نقل إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. كان عبد الحسين مسلم وكيل الوزارة وهو صديقي أيام الكاظمية، وكان سفيراً في بيروت وتعرض لمحاولة اغتياله. ولم يجر تسفيره لأنه كان محسوباً على النظام. زرته وطلبت منه نقلي فقال: سأنقلك إلى دائرة العلاقات الخارجية في ديوان الوزارة. بقيت عدة أشهر بانتظار عودتي إلى الخارجية ، لكن قيل له لا يمكنك ذلك لأنني منقول من قبل مجلس قيادة الثورة ، فيجب أخذ رأيهم. فلما سألهم رفضوا ، فبقيت ثلاثة أشهر بدون راتب. فأمروه بنقلي من العلاقات الخارجية إلى دائرة الضمان. انتقلت إلى الضمان وبقيت فيها سنتين ، ثم أحلت على التقاعد. جلست في المنزل لكن المخابرات تزورني اسبوعياً حيث تأتي سيارتهم وتقلني إلى مبنى المخابرات وهناك يستقصون أخبار أخي سهيل السهيل . وكنت أجد صعوبة في إقناعهم أنني لا أعرف عنه شيئاً . فكرت بالخروج لكنني لم أكن أملك جواز سفر.

 

مغادرة العراق

بعد عام ١٩٩١ ، كان لدي صديق لبناني قديم وهو عراقي الأصل اسمه حاج عثمان الحلبي ، كان يملك معملاً في الوزيرية فأذهب إليه نتحدث بيننا. في أحد زياراته له وجد شخصاً عرفني به بأنه ابن عم بهجت العطية كان مديراً للأمن في الخمسينيات في العهد الملكي. وأتذكر أن والدي أرسلني لاستخرج جواز سفر لي وأنا في سن ١٥ عاماً كي أرافق أبي أثناء سفره إلى لبنان كمكافأة على نجاحي. أخذت الطلب وراجعت دائرة الأمن في شارع النهر للحصول على موافقتها أولاً. دخلت عليه فنظر في الطلب ورحب بي ثم كتب موافق. فذكرت تلك الواقعة للحاج عثمان وضيفه وموقف بهجت العطية مني واحترامه لوالدي. سألني: آين تعمل؟ فقلت: أنا متقاعد. وأضفت: علمت أنني ممنوع من السفر. فقال: أعطني اسمك، فأعطيته. وفي الليل اتصل بي وقال رفع المنع ولا شيء عليك. فذهبت إلى دائرة الجوازات لاستحصال جواز سفر جديد. عدت للحاج عثمان وشكرته على ما قدمه صديقه. بينما كنا نتحدث دخلت عليه امرأة يبدو أنها من أقاربه أو معارفه ، فقدمها لي وقال: إنها تعمل في السفارة البولونية. عندها تشجعت وطلبت الحصول على فيزا أنا وعباس ابن أخي خميس.

ذهبنا سوية إلى السفارة في منطقة المسبح. سألوني عن عملي فتذكرت عملي في دائرة العلاقات الخارجية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، فقلت: أنا صحفي أريد الكتابة عن بولونيا ، فوافقوا على منحي الفيزا. ولم يمنحوا عباس فيزا فزعل علي. قبل السفر بعت سيارتي ، وقمت بترجمة شهاداتي إلى الإنكليزية وتصديقها  في السفارة الليبية ، بحجة أنني سأعمل في ليبيا

سافرت إلى عمّان ، ولما وصلتها اتصلت بابن أختي الذي كان مقيماً في بلجيكا. أخبرته بحصولي على فيزا بولونيا فطلب مني حجز تذكرة طائرة إلى وارشو ، وجاءني ابن أختي فالتقينا هناك. من وارشوا ركبنا القطار ليلاً إلى بلجيكا ثم اتجهت إلى هولندا.

 

سهيل السهيل المعارض لصدام

يمضي حازم فيقول: كان سهيل بعثياً منذ عام ١٩٥٦ ، وكان مع حزب البعث عند مجيئه للسلطة في ٨ شباط ١٩٦٣ ومصرع عبد الكريم قاسم، لكنه اختلف مع البعثيين بعد ردة ١٨ تشرين الثاني ١٩٦٣ عندما انقلب عبد السلام عارف على البعثيين وقضى عليهم. فكان يميل لجانب يسار البعث فهرب إلى سوريا لأنه كان مطلوباً في بغداد. بقي هناك حتى انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨ فعاد إلى العراق. وكان ضد خط البكر وصدام وجماعته المعروفين ببعث اليمين. وكان يتعاون مع جماعة سوريا. سافر إلى لندن وسحب زوجته وأولاده ، ومن هناك سافر إلى سوريا. وعندما عقد مؤتمر لحزب البعث في دمشق تم انتخابه عضواً في القيادة القومية.


مشاهدات 349
الكاتب صلاح عبد الرزاق
أضيف 2024/03/22 - 10:29 PM
آخر تحديث 2024/06/21 - 4:53 PM

طباعة
www.Azzaman-Iraq.com