الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة

قراءةٌ متأنِّية في معجم القبائل والعشائر والأسر العربيَّة

إضاءات
بواسطة azzaman

قراءةٌ متأنِّية في معجم القبائل والعشائر والأسر العربيَّة

احمد الزبيدي

 

ظهرَ (معجمُ القبائل والعشائر والأسر العربيَّة في العراق) في أجمل حُلَّة وأبهى مَحَلَّة؛ كتاباً جليلاً وسِفراً نبيلاً ضخماً فخماً مباركاً، فذاع حديثه وشاع. ولا غرو في ذلك فهو من صنعة اليد الصَّناع الأستاذ الراحل نعمان ماهر الكنعاني والدكتورة ثريَّا نعمان ماهر.

أمَّا موضوع الكتاب فهو "أنساب القبائل والعشائر والأسر العربيَّة في العراق". وعلمُ النسب، مذ كان العرب، خصيصة شريفة وخُلَّة رديفة. والنسب أساس الشرف ومناط الفخر والترف، ومجلبة للعز؛ فبهِ يُعرَفُ العريقُ من اللصيق. ولفضله جعله الإسلام من الكُلِّيَّات الكبرى ومن المودَّة في القربى.

تكمنُ أهمية هذا المعجم في صدوره عقب ما حصل من تحوُّلات سياسية وتشوُّهات اجتماعية في العراق، فكثر انتحال الدخلاء الطارئين ألقاباً تنسبهم إلى القحطانيين والعدنانيين؛ فالسكوت عن ذلك يقود إلى طمس الهُوية العربية والأصالة القومية ويؤدي إلى فقدان المجتمع صبغته المميزة له بأركانها الثقافية والقومية والأخلاقية فيفقد الأفراد اعتدادهم بموروثهم وتاريخهم، وكل ذلك ينتهي إلى هلاك المجتمع وفنائه. وكتابٌ هذا شأنه احتاج من المؤلِّفَينِ الكريمين أن يحشدا له ما يربو على المئة مرجع في التاريخ والأنساب والتراجم والأسماء والشعر والآداب فصار بهذا خزانة علوم متنوعة، فضلاً عمَّا حقَّقه المؤلِّفان من شيوخ العشائر أو نسَّابيها، وتحرِّيهما أصول العشائر المعاصرة والقبائل الحاضرة وربط نسبها بأصولها القديمة، وقابلا ذلك بالمحفوظ في صدور الرجال وبطون المراجع القديمة دون أن يغفلا عن أنَّ العودة إلى الماضي لربط العشائر بمتشابه الأسماء قد لا تصح وإن كان ذلك متناقلاً على الألسن، ثم توثَّقا لذلك من أهل النسب، متَّبِعَين لذلك كل سبب. والجهد المبذول في الكتاب وتهذيبه وتدقيقه وتصحيحه من المؤلِّف وابنته جهد صادق وصنيع شائق وسعيٌ جادٌّ لإظهار الحقائق. وقبل هذا فهو يدلُّ على صبر في معاناة العلم وتصنيفه، وبعد هذا، فإنِّي أعلم أنَّ بعض الناس قد لا يوافق الكتابُ هوىً في نفسه، فيحرِّك ما في نفسه!

 وَلنْ يمْنَع النَّفس اللَّجوجَ عَن الهوى    من النَّاس إِلَّا وافر الفضل كَامِله

خرج الكتابُ بعد وفاة مؤلِّفه بأكثر من العشر سنوات، فقد تركه صاحبه في هيئة مخطوطة كاملة على الوجه الذي يرضيه والمنهج الذي يرتضيه. ثمَّ خَلَفَ من بعده خَلَفٌ ورثوا الكتاب وسخَّروا الأسباب ليخرجوه من سجن المخطوطة إلى سعة الكتاب. انبرت لهذه المهمة كريمته الدكتورة ثريَّا النطاسية الحاذقة في طب العين وجراحتها وفي البحث في أدوائها وعِلَلها، وعلمُها في اللغة وضلوعها في الأدب وافتنانها بشعر قدماء العرب وأنسابهم فوق ذلك بكثير، فوفِّقت لمواصلة المشوار وتتبع الآثار، وصرفت همَّتها إلى النظر في المعجم الذي وضعه الكنعاني بعلوٍّ في الهمَّة وصحَّة في العزم:

فكن رجلاً رجله في الثَّرى     وهامة همَّتِه في الثُّريَّا

وقد رأت الدكتورة أن تزين المعجم بإضافات اقتضاها التحديث والرأي، فأوَّل ما فعلته أن زادت مخطَّطات لأنساب بعض القبائل العربية القديمة لتجسير الفجوة العديمة التي فصلت بين شقَّي الماضي والحاضر تسهيلاً على القرَّاء وأبناء العشائر، وذلك بربط نسبهم بأصولهم الأصيلة ولتبعدهم عن المصادر الدخيلة. وهذا في نظري أفضل خدمة للكتاب ومُؤلِّفه وقرَّائه. ويحسب لها أنَّ زحمة العمل على إخراج الكتاب لم تُنسها التوثُّق من ضبط أسماء الأعلام والتحقق من أسماء القبائل والمدن، فرجعت إلى خمسة من أمهات كتب هذا الفن. ويحمد لها أيضاً أنَّها في سبيل توثيق المراجع والمصادر مزجت بين الهوامش والنسخة السابعة من نظام التوثيق العالمي الذي تعتمده جمعية علم النفس الأمريكية المسمّىAPA7? ممَّا ييسِّر الوقوف على مصدر المعلومة.

انماز هذا المعجم عمَّا سبقه من معجمات في مجاله بمنهجيَّته الواضحة في البحث عن الأنساب وتجرُّده للمنهج العلمي الصرف في تقرير نسب أسرة أو فرقة أو عشيرة أو قبيلة، فاتِّباع الهوى إضاعة للحكم وهو كما قال أبو عثمان الجاحظ :"يزيل المراتب عن جهاتها ودرجاتها، فيحُطُّ العليَّ إلى مرتبة الوضيع ويرفع الدنيَّ إلى مرتبة الرفيع". فقارئ هذا المعجم لن يجد رواية غير مدعومة بسند تاريخي، ورحم الله الطغرائي القائل:

أصالة الرأي صانتني عن الخَطَل     وحلية الفضل زانتني لدى العَطَل

وانماز المعجم أيضاً باحتوائه كثيراً من المعلومات التاريخية المفيدة وتعريفاً بأعلامٍ نبلاء، وهو ما نفتقده في كتب الأنساب الحديثة، فمثلاً، عند الحديث عن بعض من شغلوا رئاسة المجمع العلمي العراقي، وحين يأتي المعجم على ذكرهم ضمن عشائرهم، تراه ينتهز الفرصة فيوثِّق تاريخ تولِّيهم رئاسة المجمع، وهذا نبش في ماضي العراق  التليد الذي يراد له أن يطويه النسيان في زمن لا تكتفي فيه أصابع الغدر بالعبث بحاضر العراق بل تلتهب لتحرق تاريخه. والكلام للدكتورة.

وممَّا يحسب للمعجم أيضاً أنَّه كُتب بلغة أدبية عالية؛ تأنُّقٌ في الأسلوب، واختلاب للقلوب، وتفنُّق في المباني، وتعمُّق في المعاني. ومع أنَّ المعجم موضعُه ومحلُّه ميدان التاريخ والأنساب إلَّا أنَّ ما حفل به من شعر كثير يُدخل المعجم بمعنى من المعاني في طائفة الكتب الأدبية، ولا نعجب من ذلك فواضعه هو الأستاذ نعمان ماهر الكنعاني الذي ولد في سامرَّاء ونشأ فيها في بيت علم وأدب، وثقف كثيراً من الفنون، وأتقن اللغة العربية وآدابها، وبرع في معرفة أخبار العرب وأنسابها، وكان له ميل شديد واطِّلاع واسع على الآداب العربية وتاريخها في مختلف العصور، وأولع منذ نشأته بحفظ الشعر وقرضه ونقده حتى غدا شاعراً مفلِّقاً ذا باع طويل في الاختيار والانتقاء، ولسان حاله يقول:

قَدْ لَبِسْتُ الدَّهْرَ مِنْ أَفْنانِه     كُلَّ فَنٍّ ناعِمٍ مِنْهُ حَبِرْ

وفضلاً عن الكثير من الدواوين الشعرية والبحوث الأدبية، فهو مؤلِّف "شعراء الواحدة"، وهو كتاب فريد في بابه، قال رحمه الله :"شعراء الواحدة الشعراء الذين اشتهروا بقصيدة واحدة، أو الذين اشتهرت لهم قصيدة واحدة وجعلتهم في عداد الشعراء، سواء كان لهم غيرها أم لم يكن" . وبحسب منهجه في الكتاب عدَّ منهم الشنفرى والسموأل ومالك بن ريب وديك الجن الحمصي، وغيرهم كثير. وله كتاب "شعراء الصوفية"، ويقول في مقدَّمته: "وشعراء الصوفية الذين عنتهم هذه المجموعة هم غير شعراء الزهد... ولكنَّ في شعر المتصوِّفين شعراً يأسر النفوس، وتخفق له الأرواح شوقاً وانجذاباً". وله كتاب "مختارات الكنعاني" الذي قيل إنَّه فيه يخالف من سبقه في المنهج والاختيار مثل صاحب المفضَّليات، والأصمعي صاحب الأصمعيات، وأبي تمَّام في حماسته، والبارودي في العصر الحديث.

وبعد، فمعجم الأنساب هذا كتاب لا يستغني عنه طالب علم النسب فهو مفيدٌ إلى أبعد غايات الإفادة وممتع إلى أقصى غايات الإمتاع، وأكاد أجزم بأنَّ مثله أو قريباً منه لم يتهيَّأ للدارسين أو يتح للمثقفين منذ عهد بعيد. ويصحُّ فيه ما قاله الوزير القفطي في كتاب مماثل من قبلُ: "هو أجود كتاب في فنِّه".

 


مشاهدات 274
الكاتب
أضيف 2023/05/20 - 12:59 PM
آخر تحديث 2023/09/24 - 7:07 PM

طباعة
www.Azzaman-Iraq.com