00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مفاتيح أبواب أسوار نينوى.. بلاد أشور التاريخ المؤطر بدهشته الحضارية     2-2

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

مفاتيح أبواب أسوار نينوى.. بلاد أشور التاريخ المؤطر بدهشته الحضارية     2-2

نعيم الحسينوي

2

 

يونس النبي الروحي والسماوي لنينوى الآشورية

}فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } (يونس:98)

لم يقترب نبي بهاجس الماء سوى عند ستة انبياء  ، نوح وسفينته ، وابراهيم وزمزم ، ويوسف والبئر ، موسى والبحر ، ويونس والحوت ، ويحيى ونهر الاردن . وكأن الماء من متلازمات الخلاص التي يستخدمها الانبياء لتكون جزءا من مسببات التحذير والخلاص وحياة التوحيد لمدنهم وقراهم او قومهم.

وكنا هنا في بيئة الأهوار حيث اعمل معلما ارى في المكان نقطة البدء لتحولات الحضارات حيث الطوفان اغرق كل شيء ثم انحسر ونزل ركاب سفينة نوح وصنعوا الحياة الجديدة ، لهذا حتى في الروايات الماء هو المتغير في حياة شخوصها عبر سفينة السفر واحلام السندباد أو ذلك العطش الذي يصنعه غياب الماء في زمزميات الجنود في حروب صيف البصرة عندما كانت معنا عريفا طيبا من اهل الموصل اسمه يونس .

النائب عريف يونس يونان كان عريفا مضمدا في السرية الرابعة  للواء الرابع حدود في قاطع مهران ، ومتى اتت شظايا المدفع الايراني من جهة سد كنجان واصابت واحد من الجنود بمقتل او جرح وجدت يونس اول من يهرع اليه ليسعفه ان كان جريحا ، او يحمله بنقالة الى سيارة الاسعاف في رحبة العجلات ويخليه الى مستشفى بدرة الميداني ، وحتى اجامله واشد من ازره كنت دائما اردد قربه عبارة : طوبى للرحماء لانهم يرحمون .

ذات يوم اتت شظية الى نحر جندي من اهل العمارة ، فكنت من اول الذين ركضوا صوبه لأجده قد لفظ النفس الاخير فتعاونت انا ويونس وحملناه الى مفرزة الطبابة ، وهناك نظر الي وقال : لا تقل طوبى للرحماء فانهم يرحمون ، قل ليرحمه الله .

قلت الرحمة هي من الله مع الطوبى لكل لأصحاب كل الديانات.

قال : ولماذا ترددها امامي وهي عبارة انجيلية .

قلت :لأنك مسيحي .

قال :كلا انا مسلم .

قلت لان اسم والدك يونان تخيلتك مسيحا .

ــ نعم يونان هو الاسم التوراتي ليونس .وجدي كان عاملا في حانوت لبيع لحوم البسطرمة عند  رجل مسيحي طيب من اهل مدينة تلكيف في القريبة من الموصل اسمه يونان  ، وعامل جدي بالعطف والحسنى ومنه تعلم الصنعة وافتتح له محلا لبيع البسطرمة في منطقة باب الدروازه وسط مدينة الموصل ، وحين أتى ابي للدنيا اسماه يونان محبة بصاحب عمله ، وحين اتيت انا اسماني ابي يونس ليكمل حضور الاسمين في بيتنا.

الآن وقد مرت سنوات الذكرى على يونس يونان الذي عاش متلازمة اقدار النبي لكن الحرب لا تمنح لجنودها حيتان لتنقذهم من الغرق في اقدارها المظلمة ، فيونس المضمد لم يجد حوتا تنقذه كما فعلت مع يونس الذي قاد خطاه التبشيرية من ارض اسرائيل  حيث ذكرت التوراة ابن أمتّاي من جت حِفر (بالعبريَّة: ???? ?????) وهي بلدة قديمة تقع على بعد بضعة أميال إلى الشمال من مدينة الناصرة. حيث بعد سفرة في سفينة واحداث نال منها انه رمي من السفينة في عاصفة هوجاء لتأتي الحوت ويدخل جوفها وترميه الى الساحل سالما معافى ويذهب الى نينوى التي ذكر ان اعداد سكانها مئة الف واكثر وهناك يبدا حملة التبشير بالوحدانية وله فيها مقام وقبر .

النبي لأنه نبي فلم يغرق ، لكن المضمد يونس غرق ذات ليلة حالكة الظلمة عندما كان مع سائق الاسعاف قادمان من المفرزة الطبية في خلفيات اللواء الى مقر السرية عندما داهمهم سيل جارف ات من كلال بدرة حيث سقطت امطارا غزيزه فانزلقت سيارة الاسعاف وكانت تسير بحافة مجرى الكلال ولشدة سرعة الماء غرقت السيارة ومعها غرق يونس والسائق.

كلما تلاقينا سورة يونس في تلاوة مذياع او مأتم عزاء اتذكر يونس الذي تمنى عندما تنتهي الحرب يعود ليمسك حانوت ابيه ليبيع البسطرمة ، ولكنه الان لا يبيع سوى ذكريات تلك الالفة الجميلة معه يوم دعانا الى بيته ومعا زرنا مقام النبي يونس وبذات خيال دمعة التذكر تمر السنوات سريعا لأشعر الآن أن متحف  اللوفر أمامنا، وبخطوات مرتعشة دلفت إلى الممر المرمري من خلال واجهة الزجاج المحصنة لتطالعني الوجوه ورسوم حية وميتة، سعيدة وحزينة. نصب واقفة وأخرى جالسة لتستريح من نظرات الزائرين مع حشد كبير من سواح يابانيين. أخذت بيد مضيفتي وتفرجت.

كانت تنظر إلى عيني الغارقتين في المشاهد فتتلذذ بدهشتي وتشد على أصابعي فأصاب بنشوة رجولية عابرة أود بها أن أسحبها إلى زاوية مظلمة لأروي ظمأ الشوق لملاقاة أجدادي، لكني أتذكر زوجتي وأطفالي فيبرد الجزء الأسفل من جسدي وتتحول التي تعصر فيَّ أنوثتها إلى دمية. واصلت سيري مع شعور بالغضب من جانبها لأصل إلى الحدث المهم في سفرتي. إلى الجناح الخاص بالرسام ديلاكروا، وكنت قبله تأملت الموناليزا صديقة كل شاعر وعاشق في مدينتي، وتساءلت متعجباً كيف أعطى دافنشي ملامح خنزير أنثوي هذا الجمال البراق. وبدا لي أن ثمة خطوط لوجه رجل في عيون موناليزا. كانت الملامح للمرأة الفلورنسية حادة ومشحونة بأمور أخرى لكن العبقرية فعلت فعلها وحولت كل شيء فيها إلى مسحة من جمال غريب ونظرات تبدو في حقيقها شاذة وتنوم كل من يراها مغناطيسياً، وتجعله يهيم شوقاً، ويبدو لي أن زوج "جيوكندا" لم يكن يحبها كما أحبها دافنشي الذي خلدها في اللوحة فقط ولم يزعم أنها حضرت حفلاً لكونت أو عرضاً مسرحياً لمسرحية جوالة. المهم، دعونا من موناليزا ففي الجناح الخاص بديلاكروا اكتشفت متعة سفري فحال وقوفي أمام لوحته المسماة "ساردانابال" تلاشت كل رؤى التأمل التي كانت أيقظت حواسي المتعبة من الوقوف أمام طوابير الجمعية وتصليح دفاتر الإملاء لطلبة الصف الثاني الابتدائي. إذ ربطت ما رأيت بقصيدة بايرون عن اللوحة. وها هي في ذاكرتي قصيدة بايرون :التي كانت تتحدث عن ملك اشوري اسمه ساردنابال احترق مع قصره ، واشعر ان سبب الاحتراق لانه لم يلتفت الى نصائح ودعوات النبي الذي اتى اليهم من معجزة اسمها بطن الحوت.

ادلف الى اللوفر ونينوى وقتها تئن من قسوة وارهاب داعش ، فتسكنني قصة المضمد يونس الذي مات غرقا واجعلها نصا في كتابي الجديد.

تلك هي القصة ، خرجت من بطن الحوت ولكن على شكل نعش شهيد ، فلتأخذها مصممة لوحاتي تلك السومرية التي تشبه فتنة الياسمين في صباحات الشام وقضاء غماس ولتصممها غلافا لكتابي الجديد : دموع نينوى في آنية القبلة...

حتما ستجيد فيها لأني أعرف انها واحدة من صُناع دهشة اللون والمعنى في الفن المعاصر, ومعها سأكتشف الرؤيا المسكونة في فناجين العرافات ، ومعا نسجل ما تتلوا من نبوءات ومن صلاة وامنيات وبيانات..

أتذكر باريس ودير متي ، وأتخيل يونس مبتسما وهو يغادر بطن الحوت ويحط الرحال سالما في قرية تعدادها مائة الف تسمى نينوى...

الآن نينوى أهلها بالملايين لكنها منكسرة في احتلال غريب عجيب ، مئات من الملتحين المخمورين بعقائدية زائفة ومتطرفة يكتسحون جيش سنحاريب ويحرقون مكتبة آشور بانيبال ...

يبتسم النبي ويسأل :كيف يحدث هذا .؟

أرد : ولكنه حدث ، والتفاسير متعددة ، وبعضهم يعتقد أن السكاكين ستحز رقبته وهو لا يريد أن يكرر مأساة رأس الحسين ع.

بين الرأس الشريف ونعوش الشهداء يتصاعد من حنجرة أمي نحيب موسيقى هندية ، وأبوذية تتغنى بنشيجها نساء قرى الأهوار.

أنهم يموتون هؤلاء الصبية ولم ينالوا بعد شهدا من نهد مغرم بحكايات شهرزاد ، لم ينالوا صوت زغاريد ليلة ( العرس ) في عرس الدشاديش البيض ، والراقصون الغلمان يبتهجون في ساحة البيت والآلات العازفة بإيقاعات صفائح زيت بطاقات التموين الفارغة.

ومع الطرب هناك الرصاص يسكن الفؤاد فيموت الأولاد ، وتحزن البلاد .

وعلى صدى نبض قلبي أتخيل لحظتي وأنا اكتب هذا النص ،كان المضمد يونس حالما بالعودة الى نينوى ليعيش فيها ، وربما لو خرج وقتها من بطن كلال بدرة ولا يغرق ، فربما يغرق في دم سكين تضغط على مقبضها يد داعشي بقوة .

يونس النبي ، هو يونس نينوى والذي سكن في بطن الحوت وهو يعلم بهاجس الامر الرباني وان الحوت سيخرجه من بطنه ويضعه عند ضفاف قريبة من مدينة اسمها نينوى .

ولا حقا نينوى ستصبح واحدة من مهابات التأريخ ، تتكلم الأكدية ، وتفتخر بعجائب النحت والدولة العسكرية المحبة للعلم والثقافة والمجد.

يونس النبي الذي سجل معجزة لنبوته عندما مكث في بطن الحوت ، حاولت مرارا ان اجد له شيئا في اسفار نينوى وحوليات سنحاريب أو موشورا سنحاريب هما موشورين من الطين المشوي، آشوريين ، كل منهما له ستة جوانب عليها نصوص تاريخية مكتوبة بالأكدية . يعود تاريخهما إلى عهد الملك الآشوري  سنحاريب فيهما أخبار عن أحداث من 701 إلى 681 قبل الميلاد.

والمتعارف عليه انه تمت كتابة الموشورين على أنهما وثيقتي "حجر الأساس" لتوثيق أعمال سنحاريب أمام الآلهة والأجيال القادمة. اليوم ، هما بمثابة شهادات مهمة للتاريخ الآشوري  ، وكذلك للتاريخ اليهودي ، ذلك أن وصف حصار اورشليم في عهد الملك حزقيا (701 قبل الميلاد) مذكورًا ، وهو ما يرد أيضا في التناخ. يعد الموشوران من بين الأدلة الثلاثة التي خلفها الملك الآشوري  حول حملته ضد يهوذا .  

لهذا كنت استقصي الامر بهاجس البحث ، محاولا ان اجد اثرا للنبي غير الذي تم ذكره في التوراة اولا وفي الانجيل ثانيا وفي قصص الأنبياء في القرآن الكريم.

ومثلما عجز ليوناردو وولي مكتشف مقبرة اور الملكية مطلع عشرينيات القرن الماضي ان يكتشف ما يمت ما يعزز قول التوراة عن إبراهيم من انه ولد في اور بالقول إنا بعثناه من اور الكلدان ، وصار يبحث عن اسم إبراهيم في كل لوح مسماري يعثر عليه فلم يجد . وكذلك الأمر بالنسبة للمدونات الآشوري ة لم يعثر على نص واضح يؤكد وجود النبي بالرغم من المقاربة التاريخية المفترضة بين عهد سنحاريب والنبي يونس .

فقط مرقد النبي يونس الذي تم تفجيره في زمن احتلال داعش لمدينة الموصل هو من يسجل للنبي صرح وجوده في تواريخ نينوى ، وبعد ان تم طرد داعش من الموصل وبصورة غير شرعية اتت مجارف البحث في اعماق تل النبي يوسف وتم العثور على اثار عديدة ومنها الثيران المجنحة واحد قصور سنحاريب ، واثار اخرى تمثل عصر اشورية مختلفة ، وحتى في هذا البحث لم يجدوا مدونة تحمل اسم يونان المسمى هكذا في الانجيل او النبي يونس بن متى المسمى في القرآن.

لكنني وبهاجس روحي ما تعودت ان اصدق كل ما تأتي به كتب السماء ، واحس بأن انبياء الموصل الاربعة هم موجودين تحت دكات القبور الذي توارثت قدسية وجودها من ازمنة بعيدة والى اليوم وهي كالتالي :

نبي الله شيت عليه السلام : هو ابن ادم عليه السلام

في سنة 1057 كان الوالي على الموصل مصطفى باشا النشانجي ورأى النبي شيت في المنام ودل على قبره فأمر الحاج علي بن النومة احد تجار الموصل ان يحفر على الموضع الذي راه في المنام فحفر واخرج قبره وبنى عليه الحاج علي المذكور قبة وصار يعرف بمرقد النبي شيت

نبي الله نوح عليه السلام : وهو نوح بن لمك ويقال لامك

سمع المحققين في الموصل ان السيد موسى الحداد  يقول :ان بعض الصالحين كان يقول: ان قبر النبي نوح عليه السلام في محراب الجامع النوري فأنه كان عليه السلام يسكن بالكوفة وهي قريبة من الموصل

نبي الله يونس عليه السلام: يونس بن متى عليه السلام

مدفون في قرية نينوى في بيعة في بطن الجبل الذي فيه القرية معلوم مكانه قبل الإسلام

وقد بنى بعض الملوك على متن البيعة مسجد ووضع له -ع- قبه على قبته الأصلية

وقيل متى هي امه ولم ينسب الأنبياء الى امه غير يونس بن متى وعيسى ابن مريم عليهما السلام.

نبي الله جرجيس عليه السلام : نبي الله جرجيس صلوات الله وسلاما عليه قبره الشريف في نصف الموصل.

اقدم ذكر وقفنا عليه لمشهد النبي جرجيس-ع- في الموصل يرجع الى سنة 571هـ زار المشهد ابن جبير الأندلسي وذكره الهروي سنة 611هـ

مقام الخضر عليه السلام: قيل ان في الجانب الأيمن من منبر الجامع النوري مقام الخضر عليه السلام

مقام شمعون الصفا الحواري عليه السلام : هو في كنيسة للنصارى في محلة في الموصل يزوره المسلمون قليلا لكونه للأوقاف المسيحية  . بالرغم من ان الواقفين عليه لا يمنعون اي  ملة من زيارته.

الأنبياء في نينوى

الأنبياء في نينوى هو جزء من رؤية التاريخ في متلازمته الحضارية والتي شكلت أشور بملوكها وحضارتها شيئا مهما من القصص التي تنتسب الى اؤلئك الأنبياء ، ولكن النبي يونس هو الأكثر حضورا في ضمير المدينة ومجتمعها ، ذلك ان الاعتقاد قائم على فكرة انه اتى الى نينوى من اجل التبشير ومعجزته هو الحوت الذي نقله من فلسطين وحتى شواطئ دجلة .

روي عن يونس الكثير ، واغلبه اما يرتبط بالكلام السماوي وهو ما بنيت عليه كل رؤى الحديث عن نينوى في كل هاجس يأتي فيه حديث المدينة لشعوري ان الكتب السماوية هي الأكثر إيغالا في الروح البشرية وفهمها يرتبط بالمشاعر والطقوس الربانية عند الديانات الثلاثة ( الإسلامية والمسيحية واليهودية ) وهي ما جعلت الربط بين النبي الاتي الى قرية نينوى وبين إحساسي الرؤية والصدق في الكتابة تختلف كثيرا عن الرؤية الأخرى للنبي والقائمة على الاسطرة والافتراضات.

وحتى اقف عند ما يمكن ان تمنحه قصة النبي يونس لتواريخ المدينة وتراثها ، يجب ان اعود الى تفاسير القصة والتي يراها الكثيرين بجانب اخر ، كما يفعله الباحث  السرياني موفق نيسكو في مقال له عن حقيقة النبي يونس وعلاقته بمدينة نينوى او الموصل وفي عدة مواقع منها موقع صوت العراق عندما يكتب التالي :

مع أن بعض علماء المسيحيين يعتبرون قصة يونان غير حقيقية ورمزية أدبية، لكن ليس غرض بحثنا التطرق للموضوع الإيماني وأعجوبة يونان مع الحوت، إن كانت رمزية أم حقيقية، فالله جلَّ وعلا قادر على كل شيء.

لذلك بحثنا لا علاقة له بالأعجوبة، فإن كانت الأعجوبة حقيقة أم رمزية، فإن يونان النبي لم يصل إلى نينوى، ولا علاقة لنينوى بيونان وقصته، سوى أن كُتَّاب العهد القديم اليهود يعتبرون الآشوري ين ونينوى رمزاً للشر كما هو معروف، ويونان النبي لم يصل مدينة نينوى، (الموصل في العراق)، والمدينة المقصودة حسب في سفر يونان على الأرجح، هي مدينة حماة في سوريا، أو دمشق، وتم إقحام اسم نينوى بدل حماة أو دمشق، أي أن مدينة نينوى في القصة، هي رمزية، وبكل بساطة كان يمكن أن يكون كلامنا بأسطر قليلة فقط، هي:

إن يونان عاش في القرن التاسع قبل الميلاد وكانت نبؤته (865-809 ق.م. تقريباً)، ونينوى أصبحت عاصمة الآشوري ين سنة 691 ق.م.، ولم تكن قرية نينوى معروفة ومشهورة زمن يونان، وليس لها ذكر مهم، لا في الكتاب المقدس، ولا في تاريخ الآشوري ين المدني، وهذه حقيقة مطلقة (تاريخياً مدنياً وكتابياً)، وسفر يونان المخصص للآشوريين وعاصمتهم نينوى، لم ترد فيه كلمة آشوريين مطلقاً، علماً أنها ترد بكثافة في الأسفار الأخرى.

هذه الرؤية قائمة على حسابات ارقام التاريخ وبعضها يسكنه الافتراضات والقناعة ، لكني اقارب النبي وفق الرؤية التي تتكلم فيها الايات ، لشعوري ان كلام الله يحسب عند التواريخ حقيقة لامفر منها ، وثانيا لانني اشعر ان روح المدينة ( نينوى ــ الموصل ) التصق بوجود النبي وقدرته الغيبة .فكانت تلاوة الله في سرد قصة يونس وحمتها هو التأكيد على كل المصائر التي انتهت اليها نينوى منذ نشوء دولة اشور وحتى طرد داعش من شوارعها واحيائها .

خيار غريب لمدينة يتمنهج عليها مزاج الملوك وحسد الامبراطوريات القديمة فكان على ملوكها ( ربما ) ان يأخذوا بمواعظ النبي المرسل اليهم من اورشليم وحتى نينوى ويقتفوا اثر الرؤية والصدق فيها ليثبتوا حقيقة ما تنتمي اليه المدينة رغم كل الويلات التي مرت عليها منذ ان احرقت الاقوام القاسية مملكتها ومعها ملكها الاخير ساردنابال الذي احرق القصر الملكي بمن فيه وكان هو بينهم ومرورا بغزوات الفرس والروم والاقوام الجبلية والتترية وحصار نادر الشاه الشهير لمدينة موصل ثم الاحتلال العثماني لها وحتى عصرنا الحديث .

وبالرغم من هذا وبعيدا عن روايات عدم تصديق حضور النبي الى ارض نينوى الحالية نعيش افتراض المؤمن ان النبي هو الحاضر في كل ازمنة المدينة.

شكل النبي يونس ذاكرة طرية ومؤثرة في تواريخ المدينة ، ومع كل محنة تواجه المدينة كان اهلها يستغيثون به ، حتى عندما تم تفجير مرقده وجامعه ومقامه ، ليلا كانت الناس تسير بخلسه صوب ركام الجامع وتأخذ من ترابه النذور ،وبعضهم يشم حجمر الجامع المتهدم ويشعر بثبات روحه ، وحين تم تفجير مأذنه الحدباء ( الجامع النوري ) شعر اهل الموصل بان النبي ومن بين ركام التفجير كان يذرف دموع حزنه . ولاحقا تتطوع دولة الامارات العربية المتحدة بالتعاون مع منظمة اليونسكو لإعادة بناء المأذنة الملوية.

 في عام 627قبل الميلاد وفي عهد   الملك أسرحدّون، وفي واحد من النقوش تظهر لنا الترجمة التالية : “قصر أسرحدّون، ملك قوي، ملك العالم، ملك آشور، حاكم بابل، ملك سومر وأكد، ملك ملوك مصر السفلى، ومصر العليا وكوش عندما وجدت  الأبحاث السابقة أن حكام كوش حكموا مصر مرة في الماضي، وتدعي نقوش نَيْنَوَى أن أسرحدّون هزم قادة كوش واختار حكام جدد لحكم مصر. وأظهر لوح آخر أن أسرحدّون “أعاد بناء معبد إله آشور وهو الإله الأساسي للآشوريين ،والذي تم تجسيد قوته وجبروته وكبريائه على شكل ثور مجنح . وأعاد بناء المدن القديمة من بابل و إساكيل، و “جدد تماثيل الآلهة العظيمة”? وتقول النصوص إن أسرحدّون هو ابن سنحاريب، الذي حكم آشور في الفترة ما بين 704-681 قبل الميلاد، وسلف لسرجون الثاني، الذي كان أيضا ملك العالم، ملك آشور، الذي حكم البلاد في الفترة ما بين 721-705 قبل الميلاد.

لهذا كنت احمل الظن ووفق تلك الرؤية التاريخية والاثارية ان يونس قد يكون متواجدا في تلك الفترة التأريخية وان ملوك اشور كانوا يتوددون اليه لتصاحب ادعيته وبركاته جنودهم الذاهبة لتسكن عصيان مملكة يهوذا ولتسكت غطرسة الملك الفرعوني وتصل خيول الملك الآشوري  الى مدينة طيبة الأسطورية وتحتلها ، ومن جهة الشرق يحمل الآشوري وإن ادعية النبي ويذهبون صوب بلاد فارس يردعون أطماع الاخمينين في خراب السنوات والعهود المتعددة لتخلق تلك الحروب تجانسا حضاريا تعلم فيها الاخمينيون الكثير من أسرار الحضارة السومرية وتقدمها في شتى المجالات ومنها الري واستخدام الإسمنت في البناء وحسابات الفلك وحتى ارشفة المكتبات تعلموها من الحضارة الآشورية .

وحين استذكر القصة بجانبها القرآني وهي تقع ضمن المحكي الاتي :

لدى السرد القرآني لقصة يونس حيث بعض أوجه التشابه وكذلك اختلافات جوهرية مع القصة في الكتاب المقدس. يصف القرآن يونس كواعظ من الصالحين لرسالة جاءته من الله، والذي فر يومًا ما من مهمته بسبب صعوبتها الساحقة. ويذكر القرآن أن يونس فر على سفينة، وطلب من أهلها أن يركبوه معهم، فتوسموا فيه خيرا فأركبوه. ولما توسطوا البحر هاج بهم واضطرب، فقالوا: إن فينا صاحب ذنب . فاستهموا فيما بينهم على أن من وقع عليه السهم ألقوه في البحر، فوقع السهم على يونس. فسألوه عن شأنه وعجبوا من أمره وهو التقي الصالح. فحدثهم بقصته، فأشار عليهم بأن يلقوه في اليم ليسكن عنهم غضب الله فألقوه. فالتقم بأمر الله حوت عظيم، وسار به في الظلمات، في حفظ الله وتأديبه، وتمت المعجزة.

وأظن من ضمن قناعة المخيلة أن ثقة ملوك اشور بانتصاراتهم اتية من إحساسهم ان وليا من اولياء السماء يستطيع ان يمهد لجيوشهم خطوط السير ، ولأنهم يعبدون الاله آشور ، فكنت احس انهم يغافلون كهنته ويذهبون ليونس يستجدون منه نصائح لاقدارهم ، لان سنحاريب واسرحدون واشور بانبيال والملوك المذكورين في قوائم الواح الصخر المنحوت مع السيرة الذاتية والمنجز لكل ملك كانوا يشعرون ان المسافات البعيدة لخيولهم تحتاج الى مباركة رسالة سماوية اكثر من مباركة اله مصنوع من الرخام او حجر الكرانيت او احجار القير.

تلك المعجزة هي من بدأت ابحث عن جذورها داخل الهاجس الآشوري  وكنت مثل اثري يحاول ان يستجمع في النصوص التي يجدها في الألواح ما كنت احاول فيه ان امسك ظلا للنبي بين اطلال المدينة واثارها متذكرا او ما اشير فيه ليونس في سفر يونان قوله : "قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة" وفي (4:7)" فلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم".

الأسفار التوراتية والإنجيلية  والنصوص القرآنية تشير بوضوح الى وجود النبي ، وهو حتما موجود ، لكنني في تخيل ما ان ملوك أشور تحاشوا ذكره او الإشارة عليه نتيجة لضغوط كهنة معابد الههم آشور ، ومثل إبراهيم وموسى ويسوع ويحيى فأن الأنبياء لهم محنة وعذاب واسى مع جبروت الملوك .

لقد شعرت ان يونس أتى نينوى بعد مخاض محنة يهوذا وملكها مع سنحاريب ، وكما في العهود القديمة والإتيان الثاني :

 وعلى لسان سنحاريب وهو يحاصر المدينة :

((لَمْ تَسْتَطِعْ آلِهَةُ الشُّعُوبِ الأُخرَى أنْ تَمْنَعَنِي مِنَ القَضَاءِ عَلَى شُعُوبِهَا. كَذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ إلَهُ حَزَقِيَّا أنْ يُنْقِذَ شَعْبَهُ مِنِّي.» 18 ثُمَّ نَادَى خُدَّامُ مَلِكِ أشُّورَ بِصَوْتٍ عَالٍ عَلَى أهْلِ القُدْسِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى سُورِ المَدِينَةِ. وَكَلَّمُوهُمْ بِالعِبْرِيَّةِ. أرَادُوا أنْ يُرهِبُوهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَدِينَةِ القُدْسِ. 19 وَجَّهَ خُدَّامُ المَلِكِ إهَانَاتٍ لِإلَهِ القُدْسِ بِالطَّرِيقَةِ نَفسِهَا الَّتِي وَجَّهُوا فِيهَا إهَانَاتٍ لِآلِهَةِ الأُمَمِ الأُخرَى الَّتِي خَلَقَهَا النَّاسُ بِأيدِيهِمْ)).

وانا اقرأ هذا النص شعرت ان جبروت الملوك وغطرستهم عندما يكونوا دعاة للغزو يحتاج الى رؤيا الهيئة ناصحة ولهذا أرسلت السماء يونس الى نينوى .

لهذا مع كل البحث وعدم العثور على النص الواضح والصريح في التراث الآشوري  عن وجود النبي عدت الى كتب السماء ، وهي ذاتها من تمثل الشهادة والاستشهاد ،وربما وحدها من تستطيع ان تخلق تلك القناعة الروحية .

عدد المشـاهدات 223   تاريخ الإضافـة 21/01/2023   رقم المحتوى 72203
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2023/2/2   توقيـت بغداد
تابعنا على