00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  قراءة في‮ ‬رواية العربانة لحميد الحريزي

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قراءة في‮ ‬رواية العربانة لحميد الحريزي
توظيف الفولكلور سردياً‮ ‬
إبراهيم رسول
نعم, قد‮ ‬يشير العنوان إشارة فولكلورية واضحة, إلا أن له دلالات وأمثلة كثيرة, أظهرت قيمة الفولكلور كتراث‮ ‬يعتز به الفرد العراقي‮ ‬عبر نصوص سردية, ولعل رواية العربانه من الروايات التي‮ ‬اشتغلت على توظيف الفولكلور سردياً, وربما تعد من أكثر الروايات التي‮ ‬وظفت اللغة الشعبية بهذه الكثافة, فقد وظفَ‮ ‬الأديب اللغة المحلية توظيفاً‮ ‬سردياً‮ ‬صرف, وهي‮ ‬ميزة‮ ‬غالبة على ثلاثيته الشهيرة, ربما فاقت هذه الرواية الغارقة بمحليتها روايات نجيب محفوظ على فارق بينهما, إذ لكل منهما صفات أسلوبية واضحة في‮ ‬سردياتهما, ففي‮ ‬رواية العربانه التي‮ ‬تبدو للوهلة الأولى أنها تبحث عن طبقةٍ‮ ‬فقيرةٍ, والتي‮ ‬شكلت العربانه وهي‮ ‬آلة‮ ‬يبيع فيها الباقلاء والحمص, عبر تجوال في‮ ‬داخل أحياء أو بين سكان القرية, فهي‮ ‬محلٌ‮ ‬متنقلٌ‮ ‬للكسب, الرواية اقتربت من السيرة الذاتية لمحنة الشخصية التي‮ ‬شكلت متوالية من الألم والعذاب إضافة إلى قسوة الظروف, وشظف العيش التي‮ ‬عانى منها الفرد في‮ ‬ريف العراق, والذي‮ ‬تقلبت على سياسته أنظمةٍ‮ ‬شتى, فلم‮ ‬يكن من‮  ‬بينهما نظام‮ ‬يرعى هذه الشريحة التي‮ ‬تشكل أكثر من ثلثي‮ ‬سكان العراق وتلك مفارقة تدعو للتساؤل‮! ‬الروائي‮ ‬يعالج هذه الاشكالية عبر توظيف تراكمات كبيرة وكثيرة من المأساة التي‮ ‬عانى منها أبناء الريف, هذه التراكمات أنتجت رواية محكية بلسان شخوصها, الكاتبُ‮ ‬حسناً‮ ‬قد فعل, وذلك عندما ترك الشخصيات تتحرك بفضاء رحب وواسع وبحرية واسعة جداً, فقلمه كان ناقلاً‮ ‬لما‮ ‬يُملى عليه, وهي‮ ‬ميزة طغت وهيمنت على كل الثلاثية, ضاق الريف وشح الرزق فيه و انتقل‮  ‬مظلوم إلى المدينة, عسى أن‮ ‬يجد فرصة لحياةٍ‮ ‬حرةٍ‮ ‬كريمةٍ, الرواية نسيج أفقي, الخطابُ‮ ‬الذي‮ ‬اشتغلت عليه هو نقد الحالة التي‮ ‬عاشها العراق, ونقد لأنظمة الحكم التي‮ ‬استولت على البلد وأخذت مقدرات الناس, وصار الحياة أسوأ مما كانت, الواضحُ‮ ‬أن الرواية‮ ‬يسارية الفكر, وتجلّى هذا عبر خطاب الكاتب الذي‮ ‬أوضح الآيديولوجية الخاصة المبطنة والظاهرة, فهو اتخذ فكر اليسار سياسياً, وأراد من خلال هذا الفكر أن‮ ‬يسبغَ‮ ‬على الرواية نزعة‮ ‬يسارية, اتضحت لاحقاً‮ ‬بسلوك شخصية مظلوم, الذي‮ ‬هو حمل دلالة الظلم والتهميش والقهر في‮ ‬أغلب سنين حياته‮.‬
خطاب مضمر
الحربُ‮ ‬وما تمثلهُ‮ ‬في‮ ‬نفسية الأديب, إذ أظهر الخطاب المضمر للرواية على أن الأديب, كان كارهاً‮ ‬للحرب, وما تخلف من آثار, فلم‮ ‬يعد بالإمكان اعتبار العمل الأدبي‮ ‬أصلياً‮ ‬ولو كان الأمر كذلك, لما كان له معنى بالنسبةِ‮ ‬لقارئه‮ ( ‬قول‮)‬, وانطلاقاً‮ ‬من مبدأ وحدة الفكرة, فإن الرواية كلها تدور في‮ ‬سياق الفكر النقدي, الرافض لكل مظاهر استغلال البشر لغاياتٍ‮ ‬دونية, النقم على الحرب, الديكتاتورية, الاقطاع, الفقر‮... ‬كل هذه وغيرها من أمور تجلّت في‮ ‬نفسية الكاتب, وصار‮ ‬يقدم عرضاً‮ ‬ناقداً‮ ‬ناقماً‮ ‬على كل هذه المظاهر السلبية, لعل العمل الذي‮ ‬قاد الكاتب أن‮ ‬يستنطق الشخصيات بلغتها, هو محاولة منه, أن‮ ‬يعيدَ‮ ‬لشخصية المعذبة بعض كرامتها, وما هذه المحاولة إلا انتفاضة قوية بوجه الاستبداد والاستغلال الذي‮ ‬فُرضَ‮ ‬على الشخصيات الأقل حظوة في‮ ‬سبيل الحياة الحرة الكريمة, وكما‮ ‬يقر ميشيل فوكو‮: ‬إن حدود أي‮ ‬كتاب ليست أبداً‮ ‬واضحة المعالم, إنه‮ ‬_ خلف العنوان والسطور الأولى وآخر نقطة_ خلف ترتيبه الداخلي‮ ‬وتشكله المستقل_ ملحق بنظام من الاحالات لكتب أخرى, ونصوص أخرى وجمل أخرى‮: ‬أنه عقدة في‮ ‬شبكة.نعم, هذه السلسلة من الأحداث التي‮ ‬يرويها لنا الروائي‮ ‬حميد الحريزي, هي‮ ‬سرديات الكل في‮ ‬الكل, لا بدَّ‮ ‬أن تقرأ العمل السردي‮ ‬كاملاً‮ ‬حتى آخر سطر منه بل أخر جملة, لكي‮ ‬تستطيع أن تمسك بخيط السلسلة السردية التي‮ ‬تكاملت عناصرها بالاشتغال على بث السرد بالأحداث والمواقف التي‮ ‬نمت وتطورت بفعل طبيعة الأشياء, فالأحداث جرت نحو سلم تصاعدي, نحو‮ ‬غايةٍ‮ ‬يعرفها المتلقي‮ ‬في‮ ‬نهاية القراءة‮. ‬الحلمُ‮ ‬بحياةٍ‮ ‬حرةٍ, هو الشغلُ‮ ‬الشاغل الذي‮ ‬اشتغلَ‮ ‬الكاتب عليها كثيراً, فيذكر في‮ ‬صفحة‮ ‬27: ( أحلام أتذكرين كم وردة‮ ‬غرسنا على شاطئ دجلة, فما من مكان جمعنا إلا وزرعنا وردة, ألا تذكرين كم فرخ عصفور أعدناه إلى عشه الصغير‮...) ‬هذا النص هو أمنية والأمنيات من المستحيلات, على بساطة هذه الأمنيات إلا أنها تكون بالكاد مستحيلة‮ ! ‬هذه التفاتة تُحسب للكاتب, فالقضيةُ‮ ‬هي‮ ‬كيفية التنظير لهذه الحياة, اختيار الاسم‮ ( ‬كفاح‮) ‬للشخصية الرئيسة, لم‮ ‬يكن اعتباطياً‮ ‬بل كان بمهارةٍ‮ ‬عاليةِ‮ ‬الدقة, والاتقان وهي‮ ‬اشارة‮  ‬إلى حزبٍ‮ ‬يساريٍّ‮ ‬معروف برؤاه وآيديولوجيته الواضحة‮. ‬اللهجةُ‮ ‬المحلية قد تكون‮ ‬غير مفهومة في‮ ‬بيئاتٍ‮ ‬أخرى‮ ‬غير بيئة اللهجة, وهنا تدخل عملية تلاقح الأفكار والثقافات لتكون بوابة على مزج هذه الرؤى عبر لقاحات تأتي‮ ‬بمفعولها المؤثر‮. ‬فقد أبرز الروائي‮ ‬في‮ ‬روايته‮ ( ‬العربانه‮) ‬الهوية المحلية لشعب العراق, بل إنه اشتغل على إحياء الكثير مما له صلة بالتراث, وما هذا إلا تأكيد لتأصيل هذه الهوية ونقلها إلى المتلقي‮ ‬جاهزة وذلك عبر اشتغال كثيف على كافة تقنيات السرد, من لغة وشخصيات وحتى أحداث‮.. ‬كل هذه كانت في‮ ‬ذهن الكاتب لحظة خلق النص السردي‮ ‬كاملاً, المادة خصبة ومتفاعلة في‮ ‬ذهن القاص, ولكنها تحتاج إلى فنان ليُّصيرَ‮ ‬خلقاً‮ ‬جديداً, نعم الأديب الحريزي‮ ‬كان خالقاً‮ ‬وليس مجرد سارداً, إنه خلق الأحداث وأحيى هوية شعبية مسحوقة وهامشية في‮ ‬نظر السلطة التي‮ ‬حكمت, نجد أن ام كفاح وهي‮ ‬المرأة الطيبة الحنون, تعطي‮ ‬دلالات على عن المرأة العراقية الريفية التي‮ ‬هي‮ ‬جبلٌ‮ ‬من القوة والصبر‮( ‬ها‮ ‬يمه, صمله‮..) ‬وغيرها من الكلمات التي‮ ‬لن‮ ‬يفهمها إلا ابن تلك المناطق‮ ! ‬لكن توظيف هذه الكلمات روائياً‮ ‬وجعلها لسان الحكي‮ ‬للشخصية جعل القارئ‮ ‬يتتبع دلالة هذه الكلمات ووظيفتها هنا في‮ ‬الرواية, استدعاء اللسان الشعبي‮ ‬وبهذه الكثافة الغارقة في‮ ‬محليتها تحتاج إلى وضع قاموس‮ ‬يعرف هذه المصطلحات للمتلقي‮ ‬الذي‮ ‬قد‮ ‬يفوته منها الكثير, ثم ظاهرة الأمثال الشعبية التي‮ ‬وردت بكثرة في‮ ‬الرواية حتى قام باحث بتأليف كتابٍ
فكرة جديدة
كامل حولها‮ ‬يستدعي‮ ‬أن ندققَ‮ ‬في‮ ‬هذه الفكرة الجديدة‮ ! ‬كيف نجح القاص برسم الاحداث من وحي‮ ‬واقعٍ‮ ‬عاشه, ونقله عبر مخيلته التي‮ ‬كانت حافظة لهذا التراث‮ ! ‬وكأنه أراد بهذا الخلق إحياء ما‮ ‬يُراد له أن‮ ‬يندثر من تراث شعبي, وقد‮ ‬يأتي‮ ‬اليوم التي‮ ‬تعتز الدولة بتراثها الشعبي‮ ‬فتقوم مؤرشفة وحافظة لهذه الهوية التي‮ ‬تمثل الشعب أو تمثل شريحة كبيرة فيه‮.‬
الهويةُ‮ ‬المحلية, كانت تظهر عبر أسماء مدن أو تاريخ مدن أو علامة أخرى تظهر هذه الهوية, لكن في‮ ‬رواية العربانه, يبرز العنوان كعتبة أولى‮ ‬يمثل هوية, وهذه الهوية تجلت عبر تكثيف اللهجة المحلية هيمنة كبيرة, فكانت الرواية عبارة عن حكاية شعبية صرفة, وقد اختفى الكاتب وراء أقنعةِ‮ ‬شخصياته, وتظهر شخصية الكاتب عندما‮ ‬يخاطب المتلقي, فنرى شخصية المؤلف تظهر في‮ ‬لحظة التنظير لتختفي‮ ‬لحظة السرد, وهذه ميزة خطابية تميزت في‮ ‬الثلاثية كلها, إذ كثيراً‮ ‬من تذوب شخصية الكاتب, تاركاً‮ ‬الحكي‮ ‬والصراع للشخصيات أن تخوض حياتها بنفسها, على الرغم من أن الكاتب هو الخالق والمؤلف إلا إن ميزة السرد أن لا‮ ‬يحتكر القاص الحكاية كلها فتكون الرواية عبارة عن سيرة شخصية‮.‬

 

عدد المشـاهدات 130   تاريخ الإضافـة 19/11/2021   رقم المحتوى 56868
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
السبت 2021/12/4   توقيـت بغداد
تابعنا على