يعقوب بن إسحاق الكِنْدي‮.. الفيلسوف المُبدع
أضيف بواسـطة admin

يعقوب بن إسحاق الكِنْدي‮.. الفيلسوف المُبدع

عـلاء لازم العيـسى

لا‮ ‬يختلف اثنان من العقلاء المنصفين في‮ ‬أن التفلسف بمعناه العام‮      ‬ـــ كنشاط عقليّ‮ ‬معرفيّ‮ ‬ـــ ليس قاصرًا على أمّة دون أمّة‮ ‬،‮ ‬أو شعب دون شعب‮ ‬،‮ ‬بل هو حظّ‮ ‬مشترك بين جميع البشر‮ ‬،‮ ‬وقد أثبت تأريخ الشعوب والحضارات والمذاهب أنّ‮ ‬الإنسان في‮ ‬كلّ‮ ‬زمان ومكان استوقفته الأسئلة نفسها التي‮ ‬استوقفت من كان قبله من الأسلاف‮ ‬،‮ ‬تلك الأسئلة التي‮ ‬تتعلّق بوجوده ووجود الكون الذي‮ ‬يعيش فيه‮ ‬،‮ ‬وهل أنّ‮ ‬هذا الكون أوجد من العدم أم أنّ‮ ‬هنالك قوّة خارجيّة أوجدته‮ ‬،‮ ‬وما علّة الظواهر السماويّة أو الأرضيّة التي‮ ‬يراها‮ ‬،‮ ‬واسئلته عن ولادته وإلى أين‮ ‬يصير بعد الموت‮ ‬،‮ ‬وما علّة وجود الشّر‮ ‬،‮ ‬إلى آخره من الأسئلة التي‮ ‬تعدّ‮ ‬من صميم التفكير الفلسفيّ‮ . ‬ومن هنا صار الفكر الفلسفيّ‮ ‬فكر متطوّر وليس فكرًا جامدًا‮ ‬،‮  ‬وبناء تشترك فيه جميع الأجيال الإنسانيّة من مختلف الأصقاع والألوان والديانات والقوميّات‮ ‬،‮ ‬فيضيف إليه كلّ‮ ‬جيل شيئًا جديدًا‮ ‬يمهّد به السّبيل لمن‮ ‬يجيء بعده‮ ‬،‮ ‬كما أنّ‮ ‬الكلمة الأخيرة في‮ ‬الفلسفة لم‮ ‬يقلها جيل بعينه بعد وإلّا أصيب الفكر بالجمود وحُكم عليه بالعقم الأبديّ‮ . ‬ومن هنا كان للفلاسفة والمفكّرين المسلمين ـــ من خلال رؤاهم وآرائهم الابداعيّة الخاصّة ـــ دورًا لا‮ ‬يستهان به في‮ ‬الفكر الفلسفي‮ ‬العالمي‮ ‬،‮ ‬ولعلّ‮ ‬أبرز هؤلاء هو الفيلسوف‮ ‬يعقوب بن إسحق الكندي‮ ‬،‮ ‬نسبة إلى قبيلة كندة العربيّة من بني‮ ‬كهلان‮ ‬،‮ ‬الّذي‮ ‬ولد في‮ ‬البصرة‮ ‬،‮ ‬وتوفّي‮ ‬في‮ ‬بغداد وقيل في‮ ‬دمشــــــــــق‮  ‬سنة‮ ‬252‮ ‬هـ‮ ‬،‮ ‬وقيل‮ ‬260هـ‮ . ‬
‮   ‬يُعدّ‮ ‬الكندي‮ ‬أوّل من تفلسف من العرب‮ ‬،‮ ‬بدأ حياته متكلّمًا وشارك المعتزلة في‮ ‬بعض بحوثهم ثمّ‮ ‬انصرف إلى التفلسف النظري‮ ‬،‮ ‬تأثّر بفلسفة أرسطو مصطبغة بالأفلاطونيّة المُحدثة‮ ‬،‮ ‬وهو أوّل من حاول التوفيق بين الفلسفة والدّين‮ ‬،‮ ‬وبذلك فقد مهّد بمصنّفاته لمن جاء بعده من الفلاسفة والعلماء‮ . ‬انماز في‮ ‬مباحثه الطبيعيّة بأسلوب علميّ‮ ‬مرن‮ ‬يعتمد أساسًا التجربة الحسيّة‮ ‬،‮ ‬والملاحظة المباشرة أخذًاً‮ ‬بمبدأ‮ (( ‬إنّ‮ ‬الشيء إذا كان خبرًا عن محسوس‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يمكن نقضه إلّا بخبر عن محسوس‮ ‬،‮ ‬ولا تصديقه إلّا بخبر عن محسوس‮ )) ‬،‮ ‬وقد طبّق هذه المبدأ عمليًّا على حكاية السهام التي‮ ‬نسبت إلى الفيلسوف اليوناني‮ ‬أرسطوطاليس‮ ‬،‮ ‬وملّخصها أنّ‮ ‬نصول السهام إذا ملئت رصاصًا ورمي‮ ‬بها في‮ ‬الجو ذاب الرصاص الملصق بها والموصل بالنصول بسبب حرارة الهواء‮ . ‬فلم‮ ‬يقتنع الكندي‮ ‬بذلك‮ ‬،‮ ‬وكي‮ ‬يتحقّق من صحّة ما نُسب لأرسطو‮ ‬،‮ ‬أجرى تجربةً‮ ‬حيث عمل آلة كالسهم موضع نصلها كرة من قرن البهائم وثقب ثقبًا خارقًا إلى الكرة موازية لطول السّهم‮ ‬،‮ ‬ثمّ‮ ‬ملأ باطن الثقب برصاص رقيق‮ ‬،‮ ‬وبعدها رمى السّهم في‮ ‬الهواء من قوس شديدة‮ ‬،‮ ‬وعند وقوعها شاهدها خالية من الرصاص مؤكّدًا أنّ‮ ‬الهواء قلعة من‮ ‬غير إذابة‮ ‬،‮ ‬والدليل هي‮ ‬أنّه وجد رائحة حول الثقب كرائحة القرن الذي‮ ‬مسّته النار‮ ‬،‮ ‬وهكذا أكّد الكندي‮ ‬أنّ‮ ‬الحركة هي‮ ‬المحدثة للحرارة‮ . ‬
‮    ‬ومن الوسائل المعرفيّة التي‮ ‬عُرف بها الكندي‮ ‬ـــ أيضًا ـــ هي‮ ‬الطريقة الاستنباطيّة‮ ‬،‮ ‬وتتجلّى طريقته الاستنباطيّة في‮ ‬اهتمامه بتحديد الماهيّات والعلل ومعرفتها‮ ‬،‮ ‬وذلك لكي‮ ‬تتيسّر معرفة ما‮ ‬يعرض للماهيّات من أحوال‮  ‬وما‮ ‬يصدر عن العلل من آثار‮ ‬،‮ ‬فإذا أتقن الناظر معرفة جوهر النفس وقواها استطاع أن‮ ‬يعرف ماهيّة النوم والرؤيا‮ ‬،‮ ‬هذا إلى أنّ‮ ‬طبيعة معرفة الشيء تعين على معرفة فعله والعكس‮ . ‬وكثيرًا ما ذكر أنّ‮ ‬لكلّ‮ ‬رأي‮ ‬فلسفي‮ ‬مقدّمات قد تكون من علم آخر‮ ‬،‮ ‬ولا بدّ‮ ‬منها للبحث فيه‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يسمّيها الأوائل‮ . ‬وقد رتب تحصيل العلوم بحسب أهميّتها لطالب الفلسفة مبتدئًا بكتب الرّياضيّات‮ ‬،‮ ‬فقال‮ : (( ‬ينبغي‮ ‬لمن أراد علم الفلسفة أن‮ ‬يقدّم استعمال كتب الرّياضيّات على مراتبها التي‮ ‬حدّدنا‮ ‬،‮ ‬والمنطقيّات على مراتبها التي‮ ‬حدّدناها أيضًا‮ ‬،‮ ‬ثمّ‮ ‬الكتب على الأشياء الطبيعيّة على القول الذي‮ ‬حدّدنا‮ ‬،‮ ‬ثمّ‮ ‬ما فوق الطّبيعيّات‮ ‬،‮ ‬ثمّ‮ ‬كتب الأخلاق وسياسة النّفس بالأخلاق‮  ‬المحمودة‮ )). ‬
رسالة خاصة
‮   ‬ومن ابداعات الفيلسوف الكندي‮ ‬المهمّة وضعه رسالة خاصّة بالتعريفات سمّاها‮  (( ‬رسالة في‮ ‬حدود الأشياء ورسومها‮ )) ‬،‮ ‬تشتمل على نحو من مائة تعريف في‮ ‬علوم مختلفة كالمنطق والرياضيّات والطبيعة وما بعد الطبيعة والنفس والأخلاق‮ ‬،‮ ‬وغيرها‮ ‬،‮ ‬وإنّ‮ ‬هذه المجموعة من التعريفات ـــ كما‮ ‬يرى أحد الباحثين ـــ هي‮ ‬على الأرجح‮ (( ‬أول قاموس وصل إلينا للمصطلحات الفلسفيّة عند العرب‮  ‬وتدلّ‮ ‬المقارنة بين ما فيها وبين ما في‮ ‬كتب التعريفات‮ ‬،‮ ‬بعد عصر الكندي‮ ‬،‮ ‬على جودة البداية في‮ ‬تحديد المفهومات‮ ‬،‮ ‬وعلى الضبط الذي‮ ‬يتجلّى في‮ ‬الاختصار‮ )) . ‬وبالرغم من صفة الاختصار التي‮ ‬انمازت بها المصطلحات التي‮ ‬ضمّتها هذه الرسالة لكنه ربّما توسّع في‮ ‬بعض التعريفات إذا لزم الأمر‮ ‬،‮ ‬كتوسّعه في‮ ‬تعريف الفلسفة‮ ‬،‮ ‬فقد عرّفها من اشتقاق اسمها‮ ‬،‮ ‬ومن جهة فعلها‮ ‬،‮ ‬ومن جهة علتّها حتى أوصلها إلى خمسة تعريفات‮ ‬،‮ ‬ثمّ‮ ‬ختمها بقوله‮ : (( ‬فأمّا ما‮ ‬يُحدُّ‮ ‬به عينُ‮ ‬الفلسفة فهو أنّ‮ ‬الفلسفة علم الأشياء الأبديّة الكليّة‮ ‬،‮ ‬إنيّاتها وماهيتها وعللها بقدر طاقة الإنسان‮ )). ‬
‮   ‬إنّ‮ ‬القراءة الدقيقة للإرث الفكري‮ ‬الذي‮ ‬خلّفه الكندي‮ ‬يوصلنا إلى نتيجة مهمّة وهي‮ ‬أنّه كان مجتهدًا في‮ ‬تعامله مع الفلسفة اليونانيّة وليس ناقلًا فقط‮  ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يتمسّك به بالفكرة اليونانيّة التي‮ ‬عدّت الأرض في‮ ‬مركز الكون‮ ‬،‮ ‬كرويّة الشكل ثابتة في‮ ‬مكانها‮ ‬،‮ ‬وأنّ‮ ‬الأفلاك ابتداءً‮ ‬من فلك القمر حتى الفلك الأقصى الذي‮ ‬ليس خارجه لا مكان ولا متمكّن‮ ‬،‮ ‬تتحرّك حركة دائريّة حول نقطة ثابتة هي‮ ‬مركز العالم‮ ‬،‮ ‬لكنه سجّل موقفًا جديدًا في‮ ‬الفكر الفلسفي‮ ‬عند العرب‮  ‬وهو قوله بأنّ‮ ‬العالم مُحدث‮ ‬،‮ ‬حدث ضربة واحدة حدوثًا مطلقًا‮ ‬،‮ ‬وابتُدع ابتداعًا في‮ ‬غير زمان من علّة فاعلة قادرة ؛ والمقصود بالإبداع عمومًا هو إيجاد شيء‮ ‬غير مسبوق بمادة ولا زمان‮ . ‬وبهذا‮ ‬يكون الكندي‮ ‬قد تحدّى مقوّمات الفكر اليوناني‮ ‬التي‮ ‬نهضت على دعامتين أساسيّتين‮ : ‬أولاهما أنّ‮ ‬الشيء لا‮ ‬يكون عن عدم مطلق‮ ‬،‮ ‬وأنّ‮ ‬الأشياء تُعدم بنظر إضافي‮ ‬فحسب‮ ‬،‮ ‬لذا اعتبر عدمهم مبدأ عرضيًّا‮ ‬يضاف للمبدأين الرئيسين الهيولي‮ ‬والصورة‮ . ‬والدعامة الأخرى تعتمد قاعدة أنّ‮ ‬الواحد من حيث هو واحد لا‮ ‬يصدر عنه إلّا واحد‮ .  ‬
‮   ‬أخيرًا‮ ‬،‮ ‬فمن الإنصاف أن أقول‮ ‬،‮ ‬بأن فيلسوفنا الكندي‮ ‬،‮ ‬إضافة إلى نبوغه وإبداعه‮ ‬،‮ ‬كان داعية من دعاة التنوير والانفتاح على الآخر‮ ‬،‮ ‬فقد دعا إلى شكر السابقين من الفلاسفة والمفكّرين من‮ ‬غير أهل لساننا وديننا‮ (( ‬إذ أشركونا في‮ ‬ثمار فكرهم وسهّلوا لنا المطالب الحقيّة الخفيّة بما أفادونا من المقدّمات المسهّلة لنا سبل الحقّ‮ ‬،‮ ‬فإنّهم لو لم‮ ‬يكونوا لم‮ ‬يجتمع لنا‮ ‬،‮ ‬مع شدّة البحث في‮ ‬مُدَدنا كلّها‮ ‬،‮ ‬هذه الأوائل الحقيّة التي‮ ‬بها تخرّجنا إلى الأواخر من مطلوباتنا الخفيّة‮ ‬،‮ ... ‬،‮ ‬وينبغي‮ ‬لنا أن لا نستحي‮ ‬من استحسان الحقّ‮ ‬واقتناء الحقّ‮ ‬من أين أتى‮ ‬،‮ ‬وإن أتى من الأجناس القاصية عنّا‮ ‬،‮ ‬والأمم المباينة لنا‮ ‬،‮ ‬فإنّه لا شيء أولى بطالب الحقّ‮ ‬من الحقّ‮ )).             ‬

 

عدد المشـاهدات 399   تاريخ الإضافـة 02/06/2021 - 00:43   آخـر تحديـث 05/08/2021 - 14:26   رقم المحتوى 50810
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Azzaman-Iraq.com 2016