الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في قصيدة حجاب العشق للشاعر أمين جياد


قراءة نقدية في قصيدة حجاب العشق للشاعر أمين جياد

سعد دسوقي

 

 (تنهض القصيدة على تجربة وجدانية تتداخل فيها الرغبة في الاقتراب مع رهبة الابتعاد، فيغدو العشق حالة من الانجذاب الروحي الذي يجمع بين الكشف والاحتجاب، وهو ما يختزله العنوان «حجاب العشق» من مفارقة دلالية؛ فالحجاب يحجب الرؤية، لكنه قد يكون أيضا ستارا يكشف ما وراءه من أسرار النفس. ويستهل الشاعر نصه بقوله: «عيناك ميزاني للعشق»، ليجعل العينين معيارا لقياس المشاعر وميزانا لتقدير عمق التجربة، ثم ينتقل إلى صورة «وبعدك قمر يتخاتل بين السحاب سرابا»، حيث تتشابك دلالات القمر والسحاب والسراب في تشكيل مشهد بصري يعكس مراوغة الحضور وصعوبة الإمساك بالحبيب. وتتوالى الصور في قوله: «تمدين يدا فيقترب الحب برقا وشهابا»، فتتحول حركة اليد إلى طاقة عاطفية خاطفة، تجمع بين اللمعان والاشتعال، بينما يمنح استدعاء «المحاريب» و«الملاك» و«الكتاب» التجربة مسحة روحية تتجاوز الحب الحسي إلى فضاء أقرب إلى التقديس والابتهال، وإن كانت هذه الرموز تحتاج إلى مزيد من الترابط الداخلي حتى تتكامل دلالاتها في نسيج واحد. وفي قوله: «هي النجوى تباعدنا وتقربنا كموج البحر» تتجلى المفارقة المركزية في النص؛ فالنجوى وسيلة للاتصال، لكنها قد تصبح سببا للمسافة، كما أن الموج يجمع بين الاقتراب والانحسار، وهو ما يعمق الإحساس بالتردد بين الوصال والفقد. أما عبارة «تدخل في دمنا صبا وسحابا» فتمنح العاطفة حضورا جسديا ونفسيا، وتجعلها جزءا من تكوين الذات، قبل أن ينتقل الشاعر إلى صورة الطرق على الأبواب كل فجر، بما توحي به من انتظار متجدد ومحاولة دائمة لاختراق الحواجز. ثم تأتي عبارة «ونكون ترابا» لتفتح أفقا وجوديا يذكّر بفناء الإنسان أمام الزمن، وكأن العشق، على شدته، يظل محكوما بحدود الوجود. وتبلغ الصور ذروتها في قوله: «عيناك ليل طويل وأهدابك محراب موت»، حيث تتجاور العتمة والقداسة والموت في صورة مركبة تكشف الوجه الموجع للحب، قبل أن يجعل الحبيبة تكتب الشاعر حروفا وعتابا، فيتحول من ذات عاشقة إلى نص مكتوب داخل تجربة الآخر. ويختتم بقوله: «وفي صوتك لجة البحر تسحبني في كل حجاب وتجعلني حجابا»، وهي نهاية تحمل مفارقة لافتة؛ إذ يبدأ الشاعر بالنظر إلى الحجاب بوصفه حاجزا، ثم ينتهي إلى التحول نفسه إلى حجاب، وكأن العاشق يفقد الحدود الفاصلة بينه وبين معشوقته. وعلى المستوى النقدي، يمتلك النص ثراء واضحا في المعجم الرمزي، وجرأة في بناء الصور، وقدرة على استثمار مفردات الكون والروح والبحر في التعبير عن اضطراب العاطفة، غير أن كثافة الاستعارات وتتابع الرموز من القمر والسراب والبرق والشهب إلى المحاريب والملائكة والبحر والتراب قد تؤدي أحيانا إلى ازدحام الصورة وتراجع وضوح العلاقة بين عناصرها. كما أن بعض التراكيب، مثل «وأناك تسعى في روحي» و«تدخل في دمنا صبا وسحابا»، تحتاج إلى مزيد من الإحكام اللغوي والدلالي، حتى تبلغ الصورة أقصى طاقتها الإيحائية من غير التباس. وتحتاج القصيدة كذلك إلى مراجعة علامات الترقيم وبعض المواضع اللغوية، مع ضبط الانتقالات بين الصور بما يحفظ تدفق التجربة ويمنحها وحدة عضوية أشد تماسكا. وهذه ملاحظات لا تنتقص من قيمة المحاولة، بل تفتح أمامها مجالا أرحب للنضج والتكثيف. ويبقى الشاعر أمين جياد صاحب حس شعري يميل إلى المغامرة في بناء الصورة، ولا يكتفي بالتعبير المباشر عن العاطفة، بل يسعى إلى تحويلها إلى فضاء من الإشارات والتوترات الروحية والوجودية؛ وتلك ميزة تستحق التقدير، لأن الشعر الحقيقي لا يكرر المألوف، وإنما يبحث عن لغته الخاصة في أعماق التجربة الإنسانية. فله التحية على هذا النص الذي يضع العشق بين الحضور والغياب، والنجاة والاحتراق، ويترك للقارئ مساحة للتأويل، مع الأمل في مزيد من إحكام العبارة وتكامل الصورة، ليزداد هذا الصوت الشعري خصوصية وتألقا.).

*(النص) *

(حِجابُ العِشْق)

.................. أمين جياد

 

عَيْناكِ ميزانيَ للعِشْقِ ،وبُعْدُك قَمَرٌ يتَخاتلُ بَيْنَ السَّحابِ سرابا ،

تَمدّينَ يَداً فَيَقْترِبُ الحُبُّ بَرْقاً وشِهابا،

وأَنّاكِ تَسْعى في روحي شُهباً وقِبابا،

والمَحاريبُ حولك تَجَلَّتْ مَلاكاً وكِتابا ،

هي النَجْوى تُباعدُنا وتُقرِّبُنا كمَوْجِ البحرِ،

تدخلُ في دمنا صَبَّاً وسَحابا،

،نسْمعُ طَرقَها كلَّ فَجرٍ على كلِّ باب ٍ،

ونكون ترابا،

عَيناكِ ليلٌ طويلٌ وأهدابُكِ محْرابُ مَوتٍ، تكتبنُي حروفاً وعتابا،

وفي صوتكِ لُجَّةُ البحْرِ تسْحبُني في كلْ حجابٍٍ.  وتجعلني حجابا .)

 

**كل التقدير والاحترام والمودة لناقدنا الدكتور سعد دسوقي العزيز على تحليله وقراءته البنيوية لتجربتي في  كتابة نصي الشعري (حجاب العشق) وكشفه لابعاد الدلالات والرموز في النص، مضيفاً الى النص رؤية جديدة في التفسير،. وهذا مما سرّني في إتساع عوالم النص وما وصل إليه من نتائج وصور شعرية وتأويلات متناسقة ومتساوقة مع نهاية وعنوان النص..


مشاهدات 42
الكاتب سعد دسوقي
أضيف 2026/10/20 - 1:21 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 2:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 214 الشهر 40038 الكلي 16625207
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير