قراءة نقدية في المجموعة القصصية «ليلة الحناء» للقاص مجيد الكفائي
عبد المجيد بطالي
لا مشاحة في أن القصة القصيرة جداً تمثل ذلك الجنس الأدبي الحديث الذي يتماشى مع متطلبات الحداثة وما ترفده به من مستجدات على جميع المستويات ومختلف الأصعدة. ويعود ذلك إلى تميزها بوصفها فناً إبداعياً سردياً قصير الحجم على المستوى التركيبي، لكنه طافح بالمعاني على المستوى الدلالي.
«ليلة الحناء» مجموعة نصوص قصصية قصيرة جداً، تتلمس خطواتها الأولى في هذا السبيل، وقد تمحورت موضوعاتها، من خلال رؤية القاص مجيد الكفائي، حول عدد من القضايا الإنسانية التي تصور للمتلقي حالات اجتماعية متنوعة، وتجعله شريكاً في هموم المجتمع وقضاياه.
إن «ليلة الحناء» خطاب سردي قصصي قصير جداً، يحاول جاهداً ملامسة الجوانب الإنسانية والاجتماعية والنفسية لدى المتلقي، وتحريك مشاعره الغافية، وإيقاظ ما تبقى لديه من أحاسيس إنسانية.
جاءت عتبات النصوص مضيئة، تلقي بتجلياتها على مكامن المتن القصصي، بغية استجلاب المتلقي إلى الحوار والتفاعل، وإشراكه في تلقي الرسالة اللغوية وتأويلها، من أجل خلق تواصل واعٍ بين المرسل والمرسل إليه والرسالة، وتحقيق متعة القراءة على المستويين التركيبي والدلالي.
«ليلة الحناء» هو عنوان المجموعة القصصية القصيرة جداً، وقد اختار له مجيد الكفائي أن يكون مركباً تركيباً إضافياً، يجمع بين كلمة «ليلة» ذات الدلالة الزمنية، وكلمة «الحناء» التي تضفي على العنوان دلالة اجتماعية وثقافية خاصة، ترتبط بالمناسبات والطقوس الاجتماعية.
ومن خلال هذه العتبة الدالة، تظهر رؤية القاص الاجتماعية، ويتحدد المسار السردي الذي يستمد منه الكاتب مادته وأحداثه، ويؤثث من خلاله فضاءه الحكائي، ويخلق شخصياته وأبطاله. ويتجلى ذلك في خطابات سردية متنوعة، تسعى إلى استخلاص مواقف معبرة عن حالات اجتماعية ونفسية وغيرها، كما في نصوص: «ليلة الحناء»، و«خائن»، و«ظن»، و«مكالمة خاطئة»، و«حب مرفوض»، و«حب افتراضي»، وغيرها.
حاولت المجموعة القصصية «ليلة الحناء» التعبير عن قضايا المجتمع وإشكالاته المختلفة والمتضاربة، ومشكلاته المتنوعة، من خلال نصوص تحمل عناوين لافتة ودالة؛ فمنها ما كان موفقاً في الكشف عن مضامين المتن القصصي، ومنها ما أضاء جوانب من التجربة الإنسانية والاجتماعية التي تتناولها المجموعة.
وقد تميزت بعض نصوص المجموعة بقفلات مدهشة ومناسبة، غير أن بعضها الآخر لم يحقق الأثر المطلوب، فجاءت نهاياته هادئة وباردة، خالية من عنصر الإدهاش. وربما يعود ذلك إلى انشغال القاص مجيد الكفائي بالحكاية وصياغة أحداثها وترتيبها، أو باهتمامه ببناء شخصياتها وتأثيث الجو العام للقصة، الأمر الذي أدى أحياناً إلى الإسهاب عوضاً عن التكثيف، والاستفاضة بدلاً من الاختزال.
ولعل ذلك يعود أيضاً إلى كون المجموعة محطة تجريبية ثالثة للكاتب في هذا الجنس الأدبي، المعروف بالسرد المجهري أو القصة القصيرة جداً، وهو جنس يبدو سهلاً من حيث الشكل، لكنه صعب من حيث بناء الدلالة وإنتاج المعنى العميق. فالسرد القصير جداً لا يقوم على تفصيل الأحداث وجزئياتها، بقدر ما يعتمد على اللقطة السريعة، والتكثيف اللغوي، والنهاية المباغتة التي تفاجئ المتلقي وتترك أثراً قوياً في نفسه وفكره.