الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين الفردوس في بغداد وآزادي في طهران.. تمثال يسقط وآخر ينتظر

← بواسطة azzaman

بين الفردوس في بغداد وآزادي في طهران.. تمثال يسقط وآخر ينتظر

رائد فؤاد العبودي

 

كان الانقلاب العسكري، طوال عقود، قدر التغيير في كثير من دول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. تستيقظ الشعوب على هدير الدبابات والبيان رقم واحد، لتكتشف أن نظاما سقط وأن آخر ولد من داخل الثكنة. ولعل كلمة انقلاب نفسها تختصر طبيعة هذا التغيير، فهو قلب مفاجئ للأشياء رأسا على عقب، بما يحمله من فوضى وعنف ووعود تنتهي غالبا إلى استبداد جديد. لكن الانقلابات والثورات وسقوط الأنظمة اقترنت جميعها بمشهد بصري متكرر، تمثال الزعيم يتهاوى في ساحة عامة، ثم تنهال المطارق والأقدام على جسده البرونزي.  فالتمثال في الدولة السلطوية ليس عملا فنيا بريئا، بل إعلان دائم عن حضور الحاكم واحتلاله ذاكرة المدينة. لذلك يصنع أكبر من حجم الحاكم نفسه، وأعلى من جميع أفراد الشعب، ليقول للناس إن صاحبه باق، وإنه أقوى من الزمن، وأرسخ من أحلام التغيير في مخيلاتهم.

اعدام رمزي

لذلك يصبح تحطيم ذلك التمثال، الأكبر والأعلى والأرسخ، إعداما رمزيا للسلطة بعد موتها السياسي. فالناس لا تضرب الحجر أو المعدن، بل تضرب ما اختزن فيه من خوف وإذلال. والمطرقة التي تهوي على رأس التمثال إنما تهوي، في المخيلة الشعبية، على رأس النظام نفسه.من تماثيل ستالين التي بدأت إزالتها بعد فضح عهده، إلى تماثيل لينين التي اقتلعت مع انهيار الأنظمة الشيوعية، كانت الشعوب تحاول تحرير ساحاتها من رموز فرضت عليها بالقوة. وبعد سقوط جدار برلين، لم تسقط أنظمة أوروبا الشرقية وحدها، بل سقطت معها صورة الزعيم الذي لا يخطئ، والحزب الذي لا يهزم، والدولة التي ادعت أنها خالدة.

وفي بغداد، تحول إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس عام 2003 إلى أشهر صورة لنهاية نظام عربي. لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن إسقاط التمثال أسهل بكثير من بناء الدولة، فالحبال تستطيع جر تمثال خلال دقائق، لكنها لا تستطيع جر بلد كامل من خراب الدكتاتورية والحرب إلى الاستقرار. ثم تكررت الصورة مع رموز القذافي في ليبيا، ومع تماثيل حافظ الأسد وصور ابنه في سوريا. وعندما انهار حكم بشار الأسد، تساقطت تماثيل العائلة كقطع الدومينو، وكأن السوريين كانوا يحطمون في لحظة واحدة نصف قرن من الخوف المتوارث.

أما تمثال قاسم سليماني في مارون الراس بجنوب لبنان، فقد سقط في سياق مختلف، إذ دمرته القوات الإسرائيلية لا انتفاضة شعبية لبنانية. ومع ذلك بقيت دلالته واضحة، فالتمثال الذي أقيم لإظهار اتساع النفوذ الإيراني انتهى حطاما في ساحة من ساحات ضياعه. وهكذا تتحول الرموز التي صنعت لتخليد القوة إلى شواهد على حدودها وهزيمتها. ومن هنا يبرز احتمال تكرار مشهد ساحة الفردوس، ولكن بنسخة إيرانية في قلب طهران. فالاحتمال قائم، لكن سقوط الأنظمة لا تصنعه الأزمة الاقتصادية أو النقمة الشعبية وحدهما. يحدث السقوط عندما ينكسر حاجز الخوف، وتنقسم النخبة الحاكمة، وتتصدع الأجهزة العسكرية والأمنية، ويظهر بديل قادر على تحويل الغضب إلى تغيير.وإيران اليوم تعاني تآكل مشروعها الإقليمي، وضغطا اقتصاديا وغضبا اجتماعيا متراكما، لكنها ما زالت تمتلك جهازا أمنيا متماسكا وقادرا على القمع.

فتمثال ساحة آزادي ما زال الأكبر والأعلى والأرسخ، لكن القاعدة التي ارتكز عليها طوال عقود أصيبت في أساساتها وتصدعت، وفقد التمثال إحدى يديه، ولم يعد واقفا إلا على ساق واحدة، وبوجه مشوه. إن أول تمثال يسقط في حياة الأنظمة ليس القائم في الساحة، بل القائم في أذهان الناس. حين يكف الزعيم عن أن يكون مهيبا، ويتحول إلى موضوع للسخرية والغضب، يكون تمثاله قد سقط معنويا، حتى لو بقي البرونز ثابتا فوق قاعدته.

إن الإطاحة بتمثال الزعيم الذي صور ملهما في مكان، ومعصوما في مكان آخر، ليست مجرد تحطيم لمعدن، بل خروج شعبي يعلن أنه لا عصمة في السياسة، ولا إلهام يجعل الحاكم فوق البشر والمساءلة.

اسقاط صور

لذلك، إذا تحولت ساحة آزادي يوما إلى مسرح لإسقاط صور المرشد ورموز سلطته، فلن يكون المشهد مجرد نهاية حاكم أو انهيار تمثال، بل سقوطا مدويا لفكرة حكمت إيران عقودا، فكرة أن رجل السياسة يستطيع ارتداء عباءة المقدس، وأن تقدم طاعته كأنها دين، والاعتراض عليه كأنه خروج على العقيدة. إن السؤال الحقيقي اليوم في طهران لم يعد متى سيسقط التمثال، بل ما إذا كان الإيرانيون قد أكملوا إسقاطه داخل وعيهم. فعندما يسقط ذلك التمثال غير المرئي، لن تحتاج تماثيل وصور الساحات إلى أكثر من حبل ومطرقة ويد لم تعد تخاف.


مشاهدات 49
الكاتب رائد فؤاد العبودي
أضيف 2026/10/09 - 11:43 PM
آخر تحديث 2026/10/10 - 12:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 16397 الكلي 16601566
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير