النور التاسع يشعل القاهرة في يومه الثالث.. من الشعر والدين الى الخطاب الديني في الرواية الى الغناء
حمدي العطار
بين أسئلة التراث والدين، وحضور الشعر في الوعي العربي، وإشكالية الخطاب الديني في الرواية، انتقل مهرجان النور التاسع للثقافة والإبداع – القاهرة – دورة الدكتور عبد الحسين شعبان في يومه الثالث إلى مساحة أكثر رحابة، جمعت بين الفكر والأدب والفنون الشعبية قبل أن تختتم فعالياته برحلة احتفالية على صفحة النيل.
كان البرنامج حافلاً ومتنوعاً: من جلسة الدراسات إلى محاضرة عن الغناء الجنوبي العراقي، مروراً بعروض الأزياء الفلكلورية العربية وصولاً إلى جولة نيلية شارك فيها المبدعون والضيوف، في مشهد أكد أن الثقافة ليست أوراقاً بحثية فحسب وإنما حياة وذاكرة وفن وتواصل إنساني.
*الشعر بين الرسالة والإعلام
في جلسة الدراسات التي قدمتها الشاعرة دلال جويد ناقش الدكتور "نضير الخزرجي" بحثه الموسوم "الشعراء في مراة السنة" متتبعاً حضور الشعر في المجتمع العربي منذ بدايات الحياة الإنسانية ومبرزاً الدور الذي أداه الشاعر بوصفه لسان القبيلة والمدافع عن صورتها ومكانتها.
ورأى الخزرجي أن الشاعر في المجتمعات القديمة كان يؤدي بصورة أو بأخرى وظائف تتقاطع مع وظائف الإعلام الحديث، فهو الكاتب والفنان والخطيب والمدافع عن الجماعة، يفاخر بمآثرها ويرد على خصومها. واستشهد بأهمية الشعر لدى العرب وبالمكانة التي كان يحظى بها الشاعر حتى إن بروز شاعر في القبيلة كان مناسبة للاحتفال والتهنئة.
وانتقل البحث إلى مرحلة ظهور الإسلام، متوقفاً عند موقف القرآن الكريم والسيرة النبوية من الشعر والشعراء، مستعرضاً عشرة محاور، من بينها: الشعر من منظور الوحي، الشعر بين الممدوح والمذموم، الشعر وحجية السنة، الشعراء جند مجندة، المذموم من نظم الشعر، الرسول والإنشاد، وشبهة رد القرآن إلى الشعر.
وخلص الباحث إلى أن الذم الذي ورد في بعض النصوص لا ينصرف إلى الشعر بوصفه فناً وإنما إلى الشعر الذي يتحول إلى أداة تضليل أو إساءة أو خدمة للسلطة على حساب المجتمع. وأكد أن مساحة الاحتفاء بالشاعر الملتزم كانت أوسع من مساحة القدح، مستشهداً بحضور الشعر في مؤلفات العديد من العلماء والفقهاء والمفسرين عبر التاريخ الإسلامي.
*قنديل أم هاشم.. حين يتواجه العلم والإيمان
وفي الورقة الثانية، قدم الدكتور هاشم المياحي دراسة بعنوان "تحولات الخطاب الديني في الرواية العربية: رواية قنديل أم هاشم ليحيى حقي أنموذجاً"، متوقفاً عند واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الرواية العربية الحديثة: العلاقة بين الدين والعلم والحداثة.
ورأى الباحث أن رواية "قنديل أم هاشم" الصادرة عام 1944 لا تقدم الدين باعتباره خطاباً مغلقاً وإنما تبني شبكة من الرموز والدلالات تتداخل فيها العقيدة والتاريخ والمجتمع والثقافة. وتوقف عند رمز القنديل بوصفه دالاً على النور والمعرفة ومسجد السيدة زينب باعتباره فضاءً للدين الشعبي، كما قرأ شخصية الأم بوصفها تمثيلاً للتدين الوراثي والعاطفي، مقابل شخصية إسماعيل التي تجسد العقل الحداثي وما يرافقه من اغتراب.
وخلصت الدراسة إلى أن يحيى حقي لم يكن في مواجهة مع الدين، بقدر ما كان ينتقد الممارسات الخرافية، داعياً بصورة ضمنية إلى خطاب ديني متوازن يجمع بين الإيمان والأخذ بالأسباب العلمية. وفتحت الورقة باب النقاش والمداخلات، بمشاركة الناقد حمدي العطار والإعلامي حسن عبد الحميد.
*الجنوب العراقي يغني.. والذاكرة ترتدي أزياءها
ولم يتوقف المهرجان عند حدود البحث والنقد فقد قدمت الشاعرة دلال جويد جلسة محاضرة غنائية عن الغناء الجنوبي العراقي، بمشاركة الفنانين ضياء الشطري وستار الساعدي، تناولت نشأة هذا اللون الغنائي وخصائصه وحكايات ولادته، مع تقديم نماذج غنائية لاقت تفاعلاً واضحاً من الحضور.
*ذاكرة تراثية
ثم تحولت القاعة إلى منصة للذاكرة الشعبية العربية من خلال عروض الأزياء الفلكلورية، التي كشفت تنوع الموروث العربي وجماله، إذ قدمت أزياء العراق بتنوعها، إلى جانب الأزياء الجزائرية والمغربية والفلسطينية والسعودية واليمنية والمصرية، مع التعريف بمكونات كل زي ودلالاته الشعبية.
*النيل.. خاتمة تليق بيوم ثقافي طويل
واختتم اليوم الثالث بجولة في مركب على نهر النيل حيث امتزجت أضواء القاهرة بانعكاسات الماء، وتعالت الموسيقى والأغاني العربية المتنوعة وسط أجواء من الفرح والتواصل بين المشاركين.
وهكذا بدا اليوم الثالث من مهرجان النور التاسع أشبه برحلة ثقافية متعددة المحطات: من الشعر والتراث إلى نقد الخطاب الديني، ومن الرواية إلى الغناء، ومن الزي الشعبي إلى النيل. رحلة تؤكد أن المهرجان لا يكتفي بتقديم الثقافة، بل يسعى إلى تحويلها إلى مساحة للحوار والاختلاف والاحتفال بالذاكرة العربية المشتركة.