أوقفوا كرة القدم النسوية مؤقّتاً
مطالبات بإعادة بناء رياضة القوارير وإنهاء مسلسل الإنكسارات
النجف - نجم عبد كريدي
14-0 أمام الهند ليست خسارة عابرة، ولا أمام منتخب لا يُقهر!
وتستمر هزائم الرياضة النسوية العراقية!! ... وتستمر معها النتائج الثقيلة والانكسارات المتكررة، وكأننا أمام مسلسل لا يريد أن تنتهي حلقاته!!
آخر الفصول جاء اليوم الاثنين 5 تشرين الأول 2026، عندما تلقى منتخب العراق للناشئات تحت 17 عاماً خسارة قاسية جداً أمام نظيره الهندي بنتيجة 14/0، في الجولة الأولى من منافسات المجموعة الخامسة لتصفيات كأس آسيا للناشئات المقامة في العاصمة الماليزية كوالالمبور.
ولكي تكون الصورة أكثر وضوحاً، فإن المنتخب الهندي أنهى الشوط الأول متقدماً بسبعة أهداف كاملة، ثم أضاف سبعة أهداف أخرى في الشوط الثاني، قبل أن تتوقف المباراة مؤقتاً في الدقيقة 64 بسبب سوء الأحوال الجوية والبرق الشديد، ثم استؤنفت المباراة.ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبح من الطبيعي أن نخسر بهذه النتائج؟
الأمر لا يتعلق بالخسارة أمام منتخب عالمي كبير، ولا بنتيجة هدف أو هدفين يمكن تفسيرهما بفارق الإمكانات أو تفاصيل المباراة، وإنما بنتيجة 14 هدفاً من دون أن نسجل هدفاً واحداً!!
والأخطر من النتيجة نفسها أنها ليست حادثة منفردة يمكن وضعها في خانة «يوم سيئ» أو «ظروف المباراة».
مسلسل الخسائر
لقد سبق أن خسر منتخب العراق النسوي لكرة القدم أمام تايلاند 7-0، ثم أمام الهند 5-0، كما تعرضت منتخبات الفئات العمرية لخسائر ثقيلة في بطولات غرب آسيا والتصفيات الآسيوية. ولم تكن نتائج منتخب العراق النسوي للكرة الطائرة في بطولة آسيا الأخيرة أفضل حالاً، بعدما تلقى ثلاث خسائر متتالية.
إذن نحن لا نتحدث عن لعبة واحدة، ولا عن منتخب واحد، ولا عن فئة عمرية واحدة.. نحن أمام خلل أوسع في منظومة الرياضة النسوية العراقية.
ولهذا فإن استمرار المشاركة في البطولات الخارجية بالطريقة نفسها، ومن دون تغيير جذري في أسلوب العمل، يعني في الحقيقة استمرار دفع منتخباتنا إلى مواجهات قارية وهي غير مؤهلة فنياً وبدنياً ونفسياً للمنافسة.
إيقاف النشاط
قد تبدو الدعوة إلى إلغاء أو إيقاف نشاطات الفرق النسوية في جميع الألعاب دعوة قاسية، لكنها في الحقيقة يجب أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى إيقاف الصيغة الحالية من العمل مؤقتاً، وإعادة بناء المشروع الرياضي النسوي من أساسه.. فالاستمرار لمجرد المشاركة، وتسجيل الحضور في البطولات، ثم العودة إلى العراق بخسائر ثقيلة، لا يمكن أن يكون مشروعاً رياضياً.
ما الفائدة من إرسال منتخب إلى بطولة قارية إذا كان لا يمتلك الحد الأدنى من مقومات المنافسة؟ وما الفائدة من صرف الأموال على السفر والإقامة ومصرف الجيب والمشاركة إذا لم تكن هناك برامج إعداد حقيقية ودوري منتظم ومدارس للفئات العمرية ومعسكرات مستمرة وأجهزة فنية مؤهلة؟.. المشاركة ليست إنجازاً بحد ذاتها... والميدالية ليست وحدها معيار النجاح، ولكن الاستمرار في الخسائر الثقيلة يجب أن يكون سبباً للمراجعة والمحاسبة.
لا نريد إيقاف المرأة
من الخطأ أن يفهم أحد هذه الدعوة على أنها ضد الرياضة النسوية أو ضد مشاركة المرأة العراقية في النشاط الرياضي.. على العكس تماماً. فالمرأة نصف المجتمع، والعراق لا يمكن أن يحقق نهضة رياضية حقيقية إذا أهمل نصف طاقاته ومواهبه.
لكن الدفاع عن الرياضة النسوية لا يعني الدفاع عن الأخطاء التي تعيق تطورها.. نحن نريد رياضة نسوية قوية، لا فرقاً نسوية تشارك من أجل المشاركة فقط... نريد لاعبات يحصلن على الإعداد الصحيح، ومدربين يمتلكون الأدوات العلمية، ودوريات منتظمة، ومنشآت مناسبة، ورواتب وحوافز، ووسائل نقل، ورعاية صحية واجتماعية، وبرامج اكتشاف للمواهب.
نريد مشروعاً يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عند المنتخب الوطني.. أين الـقاعدة؟ وأين الدوري؟وأين التخطيط؟؟
لا يمكن صناعة منتخب قوي من مجموعة لاعبات يجتمعن قبل البطولة بفترة قصيرة، ثم يُطلب منهن مواجهة منتخبات آسيوية تمتلك دوريات منتظمة وبرامج إعداد طويلة ومراكز تدريب ومدارس كروية نسوية متخصصة.. فالمنتخب القوي هو نتيجة طبيعية لقاعدة قوية.
والقاعدة القوية تحتاج إلى دوري منتظم ومستمر، ومنافسات للفئات العمرية، ومدارس وأكاديميات، وكشافين، ومدربين، وملاعب، ومعسكرات، وبرامج علمية متدرجة.
أما أن نبدأ من المنتخب ونطلب منه تحقيق النتائج، بينما نهمل المراحل التي تصنع المنتخب، فذلك يشبه محاولة بناء الطابق العاشر من دون أن تكون هناك طوابق تحته.
حل مساعد
لقد بدأ الاتحاد العراقي لكرة القدم بالاستعانة بعدد من اللاعبات المغتربات، ومن بينهن نور الجواهري وزهراء علي وهيلين فرج وهدى خلف وطيبة سليم وتوفين صالح وروجين شيرو وأنهيران كريم. وهذا التوجه يمكن أن يكون مفيداً في رفع مستوى المنتخبات ونقل الخبرة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء اللاعبة العراقية داخل العراق. فالاستعانة بالمغتربات قد تعالج بعض الحاجات العاجلة، لكنها لا تصنع قاعدة محلية.
نحن بحاجة إلى مشروع يجعل اللاعبة العراقية نفسها قادرة على المنافسة، حتى لا يبقى المنتخب معتمداً على البحث عن لاعبات خارج البلاد كلما اقترب موعد بطولة.
البداية الحقيقية
إذا أردنا معالجة المشكلة من جذورها، فعلينا أن نعود إلى المدرسة.
درس التربية الرياضية يجب ألا يكون حصة هامشية، بل بوابة لاكتشاف المواهب.. مدارس العراق تضم آلاف الفتيات اللواتي يمتلكن مواهب رياضية مختلفة، ولكن كم واحدة منهن تم اكتشافها؟ وكم واحدة حصلت على فرصة حقيقية للتدريب؟ وكم واحدة انتقلت من المدرسة إلى النادي ثم إلى المنتخب؟
إن إعادة تفعيل الرياضة المدرسية النسوية، وإنشاء مسابقات منتظمة بين المدارس، وربطها بالأندية والاتحادات الرياضية، يمكن أن يشكل القاعدة الحقيقية لمشروع طويل الأمد.
كما أن خريجات كليات التربية البدنية وعلوم الرياضة يمثلن ثروة بشرية مهمة، ويمتلكن المعرفة العلمية التي تؤهلهن للعمل في التدريب والإدارة والإعداد البدني.
إذن المشكلة ليست في انعدام المواهب ولا في انعدام الكفاءات فقط، وإنما في غياب المشروع الذي يوظف هذه الطاقات بالشكل الصحيح.
نحتاج إلى قرار شجاع
لقد حان الوقت لوقفة جادة من وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية الوطنية العراقية والاتحادات الرياضية والأندية والمؤسسات التعليمية.. ونقترح إيقاف المشاركات الخارجية للفرق النسوية مؤقتاً، عندما لا تكون مستعدة للمنافسة، وإعادة ترتيب البيت الداخلي لجميع الألعاب النسوية، وفق خطة زمنية واضحة ومعلنة. لا نريد إيقاف الرياضة النسوية، وإنما نريد إيقاف النزيف!
إيقاف المشاركة غير المدروسة.
إيقاف هدر الأموال على منتخبات غير جاهزة.
إيقاف سياسة التجميع المؤقت قبل البطولات.
إيقاف الاعتماد على الحلول الترقيعية.
ثم البدء من جديد وفق مشروع واضح.
ماذا نريد؟؟
نريد دوريات نسوية منتظمة.
نريد مسابقات للفئات العمرية.
نريد تفعيل الرياضة المدرسية.
نريد أكاديميات ومدارس متخصصة.
نريد منشآت وقاعات وملاعب مناسبة.
نريد معسكرات إعداد حقيقية، لا تجمعات قصيرة.
نريد أجهزة فنية متخصصة.
نريد دعماً مالياً ثابتاً للأندية.
نريد رواتب وحوافز للاعبات.
نريد وسائل نقل ورعاية صحية وضمانات اجتماعية.
ونريد الاستفادة من الخبرات العربية والآسيوية والدولية، وإقامة معسكرات مشتركة ومباريات تجريبية مع منتخبات تمتلك تجارب متقدمة.
عندها فقط يمكن أن نعود إلى المشاركات الخارجية ونحن نعرف أننا ذاهبون للمنافسة وليس لإكمال العدد.
*14/0 يجب ألا تمر مرور الكرام!!...
ربما تكون نتيجة 14-0 مؤلمة، لكنها يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق إذا امتلكنا الشجاعة للاعتراف بأن هناك مشكلة حقيقية.
أما إذا تعاملنا معها باعتبارها مجرد «خسارة في كرة القدم»، ثم واصلنا العمل بالطريقة نفسها، فربما تكون النتائج المقبلة أكثر قسوة.
الهند ليست فريقاً خيالياً لا يمكن الوصول إليه، والخسارة أمامه بهذه الصورة لا يجوز أن تكون قدراً محتوماً على الكرة العراقية.
إن الفرق بيننا وبين الآخرين ليس في عدد السكان، ولا في وجود الموهبة، وإنما في طريقة اكتشاف الموهبة وتطويرها وإعدادها وإدارتها.
لقد حان الوقت لكي نتوقف عن سؤال: لماذا نخسر؟
وأن نبدأ بالسؤال الأهم:
لماذا لا نُعِدُّ منتخباتنا لكي تفوز؟
إن نتيجة 14-0 يجب أن تكون جرس إنذار مدوياً، لا مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل النتائج.
ومن هنا فإن دعوتنا ليست ضد المرأة، وليست ضد الرياضة النسوية، بل هي دعوة لإنقاذها من العشوائية، وإعادة بنائها على أسس علمية صحيحة.
فإذا كانت المشاركة الحالية تنتج لنا الخسائر المتكررة، فلنوقفها مؤقتاً...
ولنبنِ أولاً... ثم نشارك.
لأن العراق يستحق رياضة نسوية ترفع رايته، لا رياضة تكتفي برفع عدد المشاركات في البطولات.