بغداد : حين يفقد النهر ذاكرته
قراءة نقدية في جدلية الخراب والذاكرة في شعر علي لعيبي
.عبدالكريم الحلو
● القصيدة : بغداد عشقي الابدي
الشاعر : الدكتور علي لعيبي
أطرق الأبوابَ
في شوارعِ المدينةِ الصاخبةِ...
.لا ترددَ
الفرصةُ تهربُ في المتاهات..
أطرق
فلا تخفْ....
أصلُ الحكايةِ....بلاءٌ يخترقُ الهدوءَ
والموتُ يفرشُ أجنحتَهُ مراتٍ ومراتْ
والحبيباتُ يعلنَ الرحيلَ بأغانٍ حميمةٍ
لاترددَ
ارمِ بقاياالخوفِ للنهرِِ
للحاناتِ الرخيصةِ
ربّما ..بعدها
نرحلُ هُنَا..وهُنَاك بلا خوفٍ..
أو جبنٍ....
نغادرُ
القطاراتُ..وصفيرُ السفنِ..
والجسورِ الخائفةِ
فلا تبال..
نحنُ هُنا على أطرافِ الإنتظارِ...
نكتبُ أنينَ الضحايا
ُفي الغربِ يصنعون الحكايا ..
نقتلُ
نهجرُ.
.نُعتقلُ..
في الملحمةِ كُلُنا فاقدو الهوية وماضون..
فلا تباليْ ...كلُّ الطرقِ تؤدي لحتفك..
في الذاكرةِ المجهولةِ
ثمةَ روحٍ ..وصورٍ سوداءَ وبيضاءَ ..
عندَ كاردينا الشّتوي..
أو قاعاتٍ صفراءَ أو حمراءَ
أفكارٌ مكررةٌ..
حتّى نُصابُ بالذهولِ..
على وقعِ الغيابِ.
(أنت فين والحبّ فين) ..
مدنُ الكوارثِ
تقولُ هي القيامةُ فرصتُك للثوابِ
موتٌ مجاني..وبقايا خمرٍ
أمضِ إلى سواقي دجلةَ ...
حيثُ امست بغدادُ ..
بلا نهرٍ..ولا مطرٍ
والنخلُ مذبوحٌ
على رنينِ الشّارع السريعِ
لا شيءَ غيرَ البكاءِ ..
على أطلالِ شارعِ الرشيدِ
وأسواقِ حسو المتحدةِ..
وأخرِ لقطاتِ سينما سمير اميس
ننتظرُ مايكل صديقنا
يزفَّ لنا..بشرىَ وصولِ الكرافت الجدبدِ
ونتوارى في مدنِ الظّلام..
فمن يقصُّ كلَّ هذا الوجعِ..
في أواخرِ رحلتي
أنتظرُكَِ
ُربّما تغادرنا البشاعةُ
ونرقصُ على
دقاتِ طبولِ زوربا
لا تهتمُ
سنتصرُ أخيراً ونعودُ
من المنافي
وأقولُ
أعشقُك بغدادَ..
حتّى آخر قطرةٍ حياء
.د.علي لعيبي
━━━ ???? ━━━???? ━━━
● المقدمة :
◉ قبل أن أقرأ القصيدة
كنت أتجوّل بين صفحات الأصدقاء، كما يتجوّل المرء في مدينة يعرف شوارعها، يبحث عن كلمة تستوقفه، أو صورة توقظ شيئًا نائمًا في داخله.
وبين هذا العابر وذاك،
استوقفتني قصيدة د. علي لعيبي.
لم أعرف في اللحظة الأولى لماذا توقفت عندها؛ ربما لأن بعض النصوص لا تستأذن القارئ كي تدخل، إنها تمسك به من مكان خفي، وتقول له: تعال…هنا شيء يشبهك.
قرأت السطر الأول،
ثم وجدتني أمضي إلى ما بعده.
« أطرق الأبواب في شوارع المدينة الصاخبة…»
ومنذ تلك الطرقات الأولى، شعرت أنني لا أقرأ قصيدة، بل أدخل مدينةً من الذاكرة؛ مدينةً أعرف رائحتها، وأسمع ضجيج شوارعها، وأرى نخيلها، وألمح دجلة وهو ينسحب من المشهد ببطء، كأن الماء نفسه صار جزءًا من منفى طويل.
كلما تقدمت في النص، كانت القصيدة تفتح أمامي بابًا آخر: بابًا للموت، وآخر للمنفى، وثالثًا للحب، ورابعًا لطفولة لا تزال تبحث عن مقعدها في سينما قديمة، وعن صديق غاب، وعن أغنية تسأل: «أنت فين والحب فين؟».
وفجأة أدركت أنني لم أعد أتجوّل بين صفحات الأصدقاء.
لقد أصبحت أتجوّل في ذاكرة العراق.
كان النص يجرني من يدي من بغداد إلى دجلة، ومن دجلة إلى المنافي، ومن المنافي إلى زوربا، ومن زوربا إلى تلك الرغبة العنيدة في أن نرقص، حتى ونحن محاصرون بالموت.
◉ وهنا توقفت طويلًا.
لأن القصيدة التي تبدأ بالخوف، وتنفتح على الموت والتهجير والاعتقال، لا يحق لها أن تنتهي بالحب إلا إذا كانت قد اكتشفت سرًا ما في أعماق الإنسان:
أن الخراب يستطيع أن يسلبه أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أن ينتزع منه حقه في الحلم.
ولهذا جذبتني قصيدة الدكتور علي لعيبي.
لم تجذبني لأنها تحدثت عن بغداد فقط،
بل لأنها جعلتني أشعر أن بغداد تسكن فينا، وأن دجلة ليس نهرًا يجري في خارطة، بل شريانًا من الذاكرة، وأن المنفى ليس مكانًا بعيدًا، بل حالة يعيشها الإنسان حين يفقد المكان الذي يشبه قلبه.
◉ ومن هنا بدأت قراءتي…
لا بوصف القصيدة نصًا أريد أن أشرحه،
بل بوصفها وجعًا أريد أن أفهم :
لماذا وصل إليّ بهذه السرعة ؟
وهكذا وجدتني أنتقل، دون أن أشعر، من قارئ يتجوّل بين صفحات الأصدقاء إلى ناقد يقف أمام قصيدة تستحق أن تُقرأ ببطء، وأن نقترب من طبقاتها واحدةً واحدة؛
دراميًا، وفلسفيًا، وجماليًا،
حتى نصل إلى السؤال الذي أخفته القصيدة خلف كل هذا الخراب:
◉ هل نستطيع أن نعود إلى أنفسنا،
حين نعود إلى بغداد ؟
وربما كان الجواب ينتظرنا في آخر الطريق، عند تلك الجملة التي تشبه قسمًا أخيرًا للحياة:
«أعشقك بغدادَ… حتى آخر قطرة حياء.»
━━━ ???? ━━━???? ━━━
● القراءة النقدية :
بغداد حين تفقد نهرها
قراءة ثلاثية الأبعاد
في جدلية الخراب والذاكرة والمقاومة
في شعر د. علي لعيبي
كلما هممت أن أقرأ هذا النص بوصفه قصيدة تتجاوز البوح الشخصي إلى مشهد عراقي مركب تتداخل فيه الذاكرة والحرب والمنفى والحب والموت والمدينة.
وهو نص يحتاج إلى قراءة لا تكتفي بتفكيك الصور، بل تنظر إلى كيفية اشتغالها داخل بنية واحدة.
◉ لذلك ستكون قراءتي لهذا النص المركب قراءة مركبة : ( درامية، فلسفية، وتحليلية )
● تمهيد :
" حين تصبح القصيدة أرشيفاً للخراب"
في هذا النص لا يكتب الشاعر عن بغداد بوصفها مدينة، وإنما يكتب بغداد بوصفها ذاكرة جريحة.
المدينة هنا ليست خلفية للأحداث،
بل شخصية مركزية تشارك في صناعة المأساة؛ تتألم، تفقد نهرها، تُذبح نخيلها، وتتحول شوارعها وأسواقها ودور السينما وأمكنتها القديمة إلى شظايا ذاكرة.
◉ ومنذ الاستهلال:
« أطرق الأبوابَ في شوارعِ المدينةِ الصاخبةِ… لا ترددَ الفرصةُ تهربُ في المتاهات »
نحن أمام ذات تقف في مواجهة مدينة مغلقة ، الطرق على الأبواب فعل مقاومة، لكن الأبواب لا تفتح بسهولة، والفرصة نفسها تتحول إلى كائن هارب.
◉ وهنا تبدأ المفارقة الكبرى في القصيدة: الشاعر يريد الحياة، بينما العالم من حوله يراكم شروط الموت.
هذه القصيدة تتحرك بين ثلاثة أزمنة:
- ماضٍ يستعاد
- وحاضر ينهار ويستباح
- ومستقبل يُنتظر بوصفه احتمالًا للخلاص.
● أولًا : البعد الدرامي :
القصيدة بوصفها مسرحًا للإنسان المهدد
القوة الدرامية في النص لا تأتي من وجود حكاية تقليدية، بل من وجود صراع مستمر بين إرادة البقاء وقوة الخراب.
الشاعر لا يقف خارج المشهد مراقبًا،
بل يدخل إليه:
« نحنُ هنا على أطرافِ الانتظار…
نكتبُ أنينَ الضحايا»
وهنا يتحول الضمير من أنا إلى نحن.
وهذه النقلة مهمة جدًا ؛
لأن القصيدة تبدأ بصوت فردي يطرق الأبواب، ثم تتحول تدريجيًا إلى صوت جماعي يحمل مأساة جيل كامل:
« نقتلُ نهجرُ نُعتقلُ…
في الملحمةِ كلُّنا فاقدو الهوية وماضون»
إن تتابع الأفعال هنا شديد الدلالة.
نقتل ، نهجر ، نُعتقل
ثلاثة أفعال ترسم ثلاث حالات للإنسان:
* إنسان يمارس العنف.
* إنسان يُقتلع من مكانه.
* إنسان تُسلب حريته.
◉ ثم تأتي النتيجة:
« كلُّنا فاقدو الهوية »
فتصبح الهوية نفسها إحدى ضحايا التاريخ.
وهنا تتسع الدراما من مأساة فرد إلى مأساة جماعية.
◉ مسرح بلا ستارة :
النص في جوهره مشهد مسرحي مفتوح. هناك :
◉ شخصيات:
الشاعر، الحبيبات، الضحايا، المهاجرون، المعتقلون، القتلى، مايكل، زوربا، بغداد.
◉ أماكن:
الشوارع، النهر، الحانات، القطارات، السفن، الجسور، المنافي، دجلة، شارع الرشيد، السينما.
◉ أصوات:
صفير السفن، القطارات، الأغاني، البكاء، الطبول.
◉ حركة:
نطرق، نرحل، نغادر، نقتل، نهجر، نعتقل، نمضي، نعود.
ولهذا لا تقرأ القصيدة ككتلة لغوية ساكنة؛ إنها تتحرك أمامنا.
واللافت أن الشاعر يستخدم أفعال الحركة بكثافة، لكنه يضعها في عالم لا يصل فيه الإنسان إلى خلاصه بسهولة.
يتحرك الجميع، لكنهم يدورون داخل المتاهة.
◉ وهنا تظهر مفارقة درامية عميقة:
الحركة كثيرة . .. والخلاص قليل.
● ثانيًا : البعد الفلسفي :
من سؤال النجاة إلى سؤال المعنى
السؤال الفلسفي المركزي في النص ليس:
كيف نموت ؟ بل :....
كيف نعيش في عالم جعل الموت عاديًا؟
ولهذا تأتي العبارة:
«كلُّ الطرقِ تؤدي لحتفك»
بوصفها واحدة من أكثر العبارات كثافة فلسفية في النص.
إنها تستدعي بصورة بعيدة العبارة التقليدية «كل الطرق تؤدي إلى روما»،
لكن الشاعر يقلبها : روما تصبح حتفًا.
أي أن الإنسان الحديث يتحرك كثيرًا، يسافر، يهاجر، يعبر الجسور والقطارات والسفن، لكنه لا يستطيع أن يهرب من المصير.
لكن القصيدة لا تستسلم تمامًا لهذا العدم.
ففي نهايتها يظهر تحول جوهري:
« ربما تغادرنا البشاعة ونرقصُ
على دقاتِ طبولِ زوربا »
هنا يدخل زوربا بوصفه رمزًا فلسفيًا للحياة في أقصى لحظات الخراب.
إن استدعاء زوربا ليس زخرفة ثقافية؛
إنه يمثل نقيضًا فلسفيًا للموت.
إذا كان الموت يقول : لا جدوى.
فزوربا يجيب : ارقص.
وإذا كان الخراب يقول:
انتهى كل شيء.
فزوربا يقول:
ما زالت هناك حياة تستحق أن تُعاش.
ومن هنا يصبح الرقص فعل مقاومة وجودية.
● ثالثًا : دجلة بوصفه سؤال الوجود
◉ أكثر المقاطع كثافة رمزية هو :
" أمضِ إلى سواقي دجلةَ… حيث أمست بغدادُ بلا نهرٍ… ولا مطرٍ "
هنا يبلغ النص ذروة فلسفته.
◉ كيف تكون بغداد بلا دجلة؟
السؤال ليس جغرافيًا، بل وجودي.
دجلة ليس مجرد نهر، وإنما هو في المخيلة العراقية ذاكرة وهوية وحياة واستمرار.
وعندما يقول: « بغداد بلا نهر »
فهو لا يصف جفاف الماء فقط،
وإنما يعلن جفاف المعنى.
ثم تأتي الصورة: « والنخلُ مذبوحٌ »
لتنقل الخراب من الطبيعة إلى الجسد.
النخلة في المخيال العراقي ليست نباتًا فقط؛ إنها علامة على الأرض والكرامة والاستمرار. لذلك فإن «ذبح النخل»
يساوي رمزيًا ذبح الذاكرة.
وهنا يصبح المكان نفسه جسدًا:
بغداد : جسد
دجلة : دم
النخيل : ذاكرة
الخراب : جرح
وهذه واحدة من أهم البنى الرمزية
في القصيدة.