لماذا لا تنتصر القوات العربية في الحروب؟
أليكس تشالمرز يستعرض كتاب جيوش الرمال
شاكر عبد موسى
في الساعات الأولى من صباح الخامس من يونيو, حزيران عام 1968، تلقى (جمال عبد الناصر1918- 1970)، قائد الثورة المصرية، نبأً ساراً من قادته. فقد دمر سلاح الجو المصري ثلاثة أرباع سلاح الجو الإسرائيلي، وبدأ في تدمير ما تبقى من قواعد العدو الجوية.
وتم إبلاغ حلفاء مصر بهذه المعلومات على الفور عبر البرقية - سوريا والأردن والعراق - الذين سارعوا إلى خوض المعركة، متوقعين نصراً سهلاً.
لم يكن قادة ناصر صادقين تمامًا. فقد دُمر ثلاثة أرباع سلاح الجو، لكنه كان سلاح الجو المصري: إذ قصف الإسرائيليون 298 طائرة من أصل 420 طائرة مقاتلة مصرية على أرض المطار. وفي مواجهة الهجوم البري الإسرائيلي الخاطف، قفز الضباط المصريون في سياراتهم وتركوا جنودهم. وشهدت حرب الأيام الستة اللاحقة خسارة التحالف العربي 70 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، على الرغم من تفوقه العددي الكبير من حيث القوات والدبابات والطائرات على خصومه الإسرائيليين.
في كتابه “جيوش الرمال” ، يستكشف المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، (كينيث بولاك)، أسباب الأداء المتواضع للجيوش العربية في ساحات المعارك، رغم تمتعها الدائم بتفوق عددي وعتادي.
ولا يعود هذا ببساطة إلى تفوق إسرائيل العسكري. فقد مُنيت ليبيا في عهد القذافي بسلسلة من الهزائم على يد تشاد الفقيرة، بينما شن الرئيس العراقي (صدام حسين المجيد 1937- 2006) ما وصفه بولاك بأنه “واحد من أكثر الهجمات العسكرية إثارة للشفقة في القرن الماضي” ضد إيران.
نظريات شائعة
توجد بعض النظريات الشائعة بين الخبراء. على سبيل المثال، اعتمدت العديد من الدول العربية اعتمادًا كبيرًا على العقيدة والتدريب السوفيتيين، اللذين ركّزا على العمليات المخطط لها مسبقًا والسيطرة المركزية.
وعندما تغيّر الوضع في ساحة المعركة بشكل غير متوقع، تجمد الضباط في أماكنهم. خلال حرب أكتوبر, تشرين الأول عام 1973، اخترق السوريون الدفاعات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان. ولكن بدلًا من استغلال هذا التقدم، توقفت القوات السورية، وفقًا لخطة ما قبل الحرب. في هذه الأثناء، سارع الإسرائيليون بإرسال قوات احتياطية واستعادوا السيطرة على المنطقة.
تفسير شائع آخر هو التسييس. فغالباً ما كان القادة يخشون جيوشهم أكثر من جيوش خصومهم. وقد أدى ذلك إلى ترقيات مبنية على الولاء وتطهير الضباط ذوي الخبرة.
في إحدى المراحل، كان لدى (صدام حسين) ما يصل إلى ستة عشر جهازاً أمنياً مختلفاً، كرست وقتاً طويلاً للتجسس على بعضها البعض.
يرى بولاك أن هذه التفسيرات غير كافية. فقد اعتمدت كل من كوبا وكوريا الشمالية على العقيدة السوفيتية، وحققتا أداءً مشرفاً في معاركهما العسكرية خلال القرن العشرين. أما بعد تراجع الاهتمام بالسياسة بشكل كبير في سبعينيات القرن الماضي، فقد ظل الأداء العسكري المصري متدنياً كما كان دائماً.
بدلاً من ذلك، يجادل بأن هذه الإخفاقات تنبع من أنماط شائعة في العديد من الثقافات العربية: احترام السلطة، والولاء للجماعة على حساب الغرباء، وتقدير الشرف الشخصي، والنفور من العار. يفسر الخوف من العار سبب إخبار قادة ناصر له بأنه منتصر، بينما يفسر احترام التسلسل الهرمي سبب تمسك ضباط الكتائب بالأوامر حتى بعد أن فقدت معناها.
يُرجع بولاك جزءًا كبيرًا من هذه الثقافة إلى التعليم الرسمي وغير الرسمي. فالأسرة العربية كبيرة، أبوية، وتتمحور حول سلطة الأب المطلقة. أما التعليم العربي الحديث، فيعود أصله إلى المدارس القرآنية التي كانت، لقرون، الشكل الرئيسي للتعليم في معظم أنحاء المنطقة. في هذه المدارس، تُنقل المعرفة من مرجعية عليا، وتعتمد أساليب التدريس على الحفظ.
عندما أنشأت الحكومات أنظمة مدارس عامة واسعة النطاق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، غيّرت المناهج الدراسية لكنها حافظت على أساليب التدريس التي تُركّز على الحفظ والتلقين بدلاً من حلّ المشكلات.
ويتسرب هذا التوجه إلى التدريب العسكري، الذي غالباً ما يتألف من التدرب على مناورات مُعدّة مسبقاً. ويتذكر مدرب أمريكي كان يعمل مع نخبة طياري طائرات إف- 16 المصرية أنهم “كانوا يعرفون أين يستديرون، وأين يتظاهرون بإطلاق الذخائر، ومن سيفوز” قبل بدء التدريبات، وأنهم كانوا “يغضبون بشدة عندما يفعل أحدهم شيئاً ممنوعاً».
في معظم مكاتب وزارات الحكومية العربية، تتركز السلطة في أعلى الهرم، ولا يُكافأ على المجازفة. يتصرف الرؤساء كآباء يُقرضون المال للموظفين، ويتوسطون في النزاعات الشخصية، ويتدخلون في شؤون العائلات.
ساحة معركة
في إحدى الدراسات التي أجريت على البيروقراطيات المصرية والسعودية والسودانية، اعتبر 90% من كبار المسؤولين مرؤوسيهم “غير مؤهلين للابتكار”. وقد تشرب الملازم المصري أو العراقي الذي يقف في ساحة المعركة هذه النظرة للعالم، على الأرجح لعقود، عبر مؤسسات متعاقبة.
تُؤيد الاستثناءات إلى حد كبير وجهة نظر بولاك. فقد برز - حزب الله اللبناني - كقوة قتالية عالية الكفاءة بعد تقليص أعداده عقب الحرب الأهلية اللبنانية. وهذا يعني أنه لم يحتفظ إلا بأقلية ضئيلة من الأفراد ذوي الخلفيات الثقافية غير النمطية الذين أثبتوا جدارتهم في ساحة المعركة.
في المقابل، استقطب تنظيم الدولة الإسلامية، في ذروة قوته عام 2014، أبرز قادته من الشيشان والأوزبك والطاجيك.
أي شخص تعامل مع بنك أو وزارة حكومية في الشرق الأوسط سيتعرف على العديد من السمات التي وصفها بولاك. ولا تزال هذه السمات تشكل تحدياً للجهود الإقليمية الرامية إلى الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي.
· (أليكس تشالمرز كاتب في معهد كوزموس ومحرر سابق في موقع (Works.in.Progress.