الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفساد من جريمة إلى سلوك يمكن تسويغه

بواسطة azzaman

الفساد من جريمة إلى سلوك يمكن تسويغه

سيف السعدي

 

كلما زاد التهاون أصبحَ الفسادُ عادة، إلى أن نصل لمعادلة: فاسدون ضد الفساد، وأغبياء ضد الجهل، ومنحرفون ضد الرذيلة، ورجل دين يتبنى مقولة الفساد ولا الفوضى، او ان المال مشاع

وهذا لا يعني أن هناك ثمة علاقة بين الفساد والدين، فأكثر المفسدين يؤدون فروضهم الدينية على أكمل وجه، وإنما له علاقة عكسية مع الأخلاق. لأن الفساد الأخلاقي هو أولى خطوات الفساد المالي والإداري والسياسي

والأخطر من ذلك عندما يتم تطبيع الفساد اجتماعياً، إذ نجد انقسامات إعلامية واجتماعية وحكماً مسبقاً تجاه الفاسدين. فهناك من يهاجم وهناك من يدافع، مثلما تفعل بعض الفضائيات وجمهورها الزبائني بالتبرير لمن تم إلقاء القبض عليهم، لأن هذا السلوك يحكم على أساس هوية الفاعل «حزبياً، مذهبياً، قومياً» وليس على أساس الفعل الذي قام به.

أنواع الفساد وتجذره في العراق

كل أنواع الفساد في العراق موجودة: سواء كان فساد العرض والطلب، أو الفساد الكبير والصغير، أو الفساد التقليدي وغير التقليدي، أو الفساد العام والخاص

ولوصف حالة المقايضة بين المسؤول والمواطن

-فساد العرض : تقديم رشوة أو منفعة غير مشروعة. وفساد الطلب : قبولها. وهذا شائع في دوائر الدولة ومؤسساتها

أيضاً يوجد «الفساد المنهجي» وهو الفساد المتفشي أو المتجذر في المجتمع. بعبارة أخرى، هو الفساد الذي يصبح ممارسة روتينية في التعاملات بين الحكومة والأفراد أو الشركات الخاصة، دون أي اعتراض أو رادع، إلى أن يتولد شعور لدى المواطن أو المراجع بأن المعاملة التي من المفترض إنجازها مجاناً لا يمكن إنجازها ما لم يدفع مالاً مقابل الإنجاز.  وهنا تحوّل الفساد من جريمة تستوجب الإدانة إلى سلوك يمكن تبريره، بل أكثر من ذلك الدفاع عنه بطريقة عدائية، حتى مع المعرفة بأن الذي يدافع عنه فاسد!

 من الفساد إلى نهب المال العام

عبرنا مرحلة الفساد حتى وصلنا إلى مرحلة نهب المال العام. وهذا لم يأتِ من فراغ وإنما نتيجة التراكمات السابقة، حتى أصبح الفساد عنصراً أساسياً من بنية النظام السياسي، بل هو العامل المحرك للمنظومة السياسية

ولا يمكن بأي شكل من الأشكال الحديث عن المعالجة ما لم يكن هناك تغيير جذري لهذه المنظومة، لأن الفساد في العراق ليس فساد أفراد، وإنما فساد مؤسسة وبنيوي ومنهجي يتطلب عملية معقدة لعلاجه، مثل العملية التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2012 وأطلق عليها عملية اصطياد «النمور والذباب»، والعملية التي قام بها القاضي الإيطالي أنطونيو دي بييترو عام 1992 ضد عصابات الفساد وأطلق عليها عملية «الأيادي النظيفة».

الفساد قاعدة والمعالجة استثناء

الفساد في العراق أصبح قاعدة والمعالجة استثناء، ويعود ذلك لأسباب كثيرة منها أن المؤشر البياني لمحاربة الفساد في العراق منخفض وسجله فقير.  ولذلك تجد أي إلقاء قبض على فاسدين بعدد غير مسبوق يحدث تفاعلاً اجتماعياً كبيراً، حتى وإن كان الهدف هو الفساد الفردي وليس الجماعي أو فساد المؤسسة

ولذلك أي عملية لا تستهدف «الحيتان الكبيرة» سيحكم عليها بالفشل، لأن المعالجة الحقيقية لا تقتصر على محاسبة وزير أو رئيس كتلة أو نائب هنا وهناك، أو تشكيل لجنة لمكافحة الفساد ترافقها حملة إعلامية مدفوعة الثمن، وإنما تتطلب معالجة المنظومة السياسية، فضلاً عن إصلاح وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع.

المواطن الشريك في الفساد

أخطر أنواع الفساد عندما يصبح المواطن شريكاً بالفساد عن طريق الاستفادة من عملية المقايضة: «صوت انتخابي مقابل وظيفة أو خدمة عامة أو خاصة». 

ويتحول من مهاجم بسبب نقص الخدمات وانقطاع الكهرباء، والمياه الملوثة، والفشل التجاري والزراعي والاقتصادي، إلى مدافع مع عدم القناعة!! لأنه مرتبط بمصلحة مع المسؤول أو الوظيفة التي يعمل بها خوفاً من الإقالة أو النقل أو العقوبة

وهنا يتحــــــــــــــول الولاء من الدفاع عن مصــــــــــــــالح الدولة إلى الأشخاص، ويمكن وصف هذه الحالة بـ «التعارض بين الفكر والسلوك» التي يتصف بها الجمهور الزبائني.

اقتلاع الجذور لا قطع الأغصان

الفساد في العراق متجذر وله امتدادات خارج الحدود، والمعالجة يجب أن تكون باقتلاع الجذور وليس بقطع الأغصان وإسقاط الأوراق. فطالما الجذور ثابتة من الطبيعي أن تنمو أغصان وأوراق جديدة!! 

لأن الجذور «الرؤوس الكبيرة من الفاسدين» تعتبر الدولة غنيمة وليس مؤسسات وكياناً دستورياً وقانونياً، ولها جمهور يبرر بحجة «الكل فاسد وسارق» إلى أن يتحول هذا التبرير إلى قناعة

وهنا سنكون أمام معادلة: تتغير الوجوه ولكن يبقى نهج المنظومة السياسية وسلوكها، بالتالي الفساد مستمر.


مشاهدات 56
الكاتب سيف السعدي
أضيف 2026/08/04 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 7:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 441 الشهر 4938 الكلي 16094642
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير