حسين نعمة صوت الجنوب في مواجهة الوجع
هدير الجبوري
في منشور عابر في شكله عميق في وجعه ومعناه كتب الفنان الكبير حسين نعمة على صفحته في (فيسبوك) كلمات لا تشبه الا الكبار، كتب وهو يصارع المرض الخبيث لكنه لم يكتب عن ألمه وحده بل انحاز كعادته الى غيره الى مدينة اعطت والى شخصية خدمت الناصرية فخلط وجعه الشخصي بوجع المكان وتناسى جسده المتعب ليحتفي بغيره..
ذلك وحده يكفي لنعرف اي معدن يسكن هذا الفنان الكبير واي شجاعة تختبئ خلف صوته الهادئ واي تحد يرفعه فنان وهو يواجه المرض بالكلمة وبالوفاء وبالنبل...
يمر منشور كهذا لفنان بحجم حسين نعمة وكانه تفصيل عادي في زحام اليوميات، كيف يمكن لصوت ارتبط بتاريخ كامل من الغناء العراقي ان يكتب بوجع صادق ولا يلتفت اليه من يفترض ان يكونوا اول الواقفين عنده..
مجرد ذكر أسم حسين نعمة ليس أسماً عابراً في ذاكرة الفن بل هو استدعاء فوري لصوت العراق الجميل، لصوت الجنوب حين كان يغني الارض والماء والناس حين كان الغناء يخرج من القلب ويعود اليه..
حسين نعمة هو ذلك الصوت الجنوبي الآسر الذي رافقنا منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم دون ان يفقد نبرته او يشيخ إحساسه ،هو واحد من أولئك الذين شكلوا وجداننا الجمعي الذين كبرنا على أغانيهم كما نكبر على الحنين نفسه...
من منا لا يرتجف داخله وهو يستمع الى يا حريمة، ويا نجمة، وجاوبني تدري الوكت بوكاته غفلاوي، ونخل السماوة ،وغريبة الروح، ورديت، وفرد عود ، وكون السلف ينشال، وما بيا اعوفن هلي ،،ومكتوب اشوفك من بعيد، وكوم انثر الهيل ،وغيرها من الاغاني التي ليست مجرد الحان بل ذاكرة كاملة ومشاهد من العمر ورسائل حب كتبها الصوت العراقي لنفسه..
وحسين نعمة ليس وحده في هذا المجد الى جانبه تقف اسماء كبيرة شامخة لا تقل عطاء ولا تاريخاً سعدون جابر، وفاضل عواد ،وحميد منصور، ورضا الخياط رموز فنية حقيقية ثروة وطنية لا تقدر بثمن، هؤلاء لم يصلوا بسهولة ولم تفتح لهم الابواب بلا تعب بل مشوا طريقا طويلا من الجهد والموهبة والاصرار حتى صاروا ما هم عليه ذاكرة وطن وصوت مرحلة وملامح زمن جميل كان الغناء فيه رسالة لا ضجيجاً...
والله ما التقيت واحداً منهم الا وكان قمة في التواضع وسمو الاخلاق واحترام الاخر ولم ابعث لهم رسالة اطمئنان او سلام الا وكان الرد ارقى واكبر مما تخيلت...
حسين نعمة يناديني بجميل الوصف كأبنة سامية معطاءة وفية وكذلك يفعل الكبار سعدون جابر وحميد منصور وفاضل عواد، أمامهم اقف دائما تلميذة صغيرة متواضعة تحني راسها لتجربة اكبر من الكلمات ولعطاء لا يمكن رده...لهذا ومن هذا الوجع النبيل أقول :يا أيها العراقيون ويا أيها المسؤولون عن الثقافة والفن لا تنسوا رموزكم الكبار ،،لا تتركوهم يكتبون أوجاعهم في منشورات صامتة،، أحتفوا بهم كرموهم اسالوا عنهم تابعوهم أنصتوا اليهم وهم احياء فهؤلاء ليسوا اسماء في ارشيف بل إرثاً حياً ومجداً يشبه تراث الاوطان وذاكرة ان ضاعت ضاع معها شيء من العراق نفسه.