00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  عقارب الساعة التاسعة.. وجع الوطن وقضايا الجدل

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

عقارب الساعة التاسعة.. وجع الوطن وقضايا الجدل
محمد حسين الداغستاني
يؤكد‮  ‬العديد من النقاد على أن المرحلة التجديدية في‮ ‬الشعر الكردي‮ ‬تعود الى بدايات القرن العشرين وهي‮ ‬وليدة نتاجات الشعراء أحمد خاني‮ ‬وشيخ نوري‮ ‬صالح ومن ثم عبدالله كوران‮  ‬،‮ ‬فيما تشكل قصائد الشاعر شيركو بيكه س‮  (‬1940 – 2013‮)‬ إضافة إبداعية نوعية ذات تميز مبهر على إمتداد مسار الشعر الكردي‮ ‬المعاصر‮ .  ‬
ورغم السيل العارم من المؤلفات التي‮ ‬أغنت الأدب الكردي‮ ‬الحديث بأسماء ونتاجات تتباين في‮ ‬مضامينها ومستوياتها الإبداعية‮  ‬فإن الناقد‮ ‬يجد في‮ ‬بعضها‮  ‬سمات فريدة تؤشر لإتجاهات وفضاءات رحبة‮ ‬غير تقليدية في‮ ‬مراميها ومقاصدها‮ ‬, وتشكل محطة‮  ‬مهمة ليس في‮ ‬الشعر الكردي‮  ‬فحسب وإنما في‮ ‬مجمل المشهد الشعري‮ ‬العراقي‮ ‬والتي‮ ‬تمر أحيانا دون أن تستقطب الإهتمام والتركيز وقد تكون المجموعة الشعرية المكتوبة باللغة العربية والموسومة‮ (‬عقارب الساعة التاسعة‮ ) ‬للشاعر صلاح حمه أمين مثالاً‮ ‬على ذلك‮ .‬
‮       ‬وبغض النظر عن التركيبة البنائية والفكرية للمجموعة التي‮ ‬صدرت عن الإتحاد العام للأدباء والكتاب في‮ ‬العراق في‮ ‬العام‮ ‬2021 ‮ ‬فإن النصوص الإنسانية‮  ‬التي‮ ‬أوردها الشاعر وجلها مستوحاة من فاجعة الأنفال تشي‮ ‬بتأثرها بآيات القران الكريم وآداب وفنون وكتابات لشعراء ومبدعين‮ ‬ينتمون الى جغرافيات مختلفة‮  ‬كقصيدة للشاعر الفرنسي‮ ‬رامبو أو أغنية للمغني‮ ‬المصري‮ ‬محمد نوح‮  ‬أو إرهاصات الأحداث المأساوية وهي‮ ‬بمجملها تؤطر الخارطة التي‮ ‬تفرز المسائل الحيوية التي‮ ‬تتصدى لها نصوص المجموعة وفي‮ ‬المقدمة منها قضية الوطن الموجوع‮ .‬
وطنُ‮  ‬،‮ ‬يضيق إليه حروف
ويهمش حروف
يمنع حروفاً‮ ‬من الصرف
ويستثني‮ ‬من الإعراب حروف
يجرجر خلفه حروفاً
وينصب حروفاً
يترك أحرفاً‮  ‬فوق رفوف
علقت بمسامير حًدب فوق جدار هش
يخرج منها رأس تأريخ وشواهد
‮    ‬لا جدال في‮ ‬أن موضوعة الوطن ومتانة الروابط النفسية و المادية والمعنوية التي‮  ‬تبصم قصائد جلّ‮ ‬الشعراء هي‮ ‬في‮ ‬معظمها مصدر الإلهام والإنتماء اللصيق ونبع المشاعر الفياضة التي‮ ‬تحرك الوجدان والضمير إلا أنها في‮ ‬نصوص الشاعر صلاح لها آفاق‮ ‬غير محدودة‮  ‬بل ومؤلمة‮  ‬ناجمة عن أحداثٍ‮  ‬وذكريات توحي‮ ‬بالقسوة والخوف والضياع النفسي‮ :‬
خوفُ‮ ‬وليلُ‮ ‬
قبجُ‮ ‬يغرد في‮ ‬قفص
ثلوج‮ ‬ُ‮ ‬وأمطارُ‮ ‬لا تمطر في‮ ‬أوانها‮ ‬
عشبُ‮ ‬يتبع خطوات الريح‮ ‬
فيسقط في‮ ‬زوبعة فنجان‮ ‬
طيورُ‮ ‬وحمائم لا تستقر في‮ ‬ظل‮ ‬
فضاءُ‮ ‬لا‮ ‬يلتقي‮ ‬بأرض‮ ‬
ولا ببحار‮ ! ‬
‮    ‬ويًمعن الشاعر في‮ ‬معاناته مع حلمٍ‮ ‬يقارع أبواب السماء والأرض في‮ ‬مرثية نازفة تقطر ألماً‮ ‬ووجعاً‮ ‬, يحفر أمام المتلقي‮ ‬هوة عميقة من المشاعر المتضاربة‮  ‬وتلون الآت من الزمن المعصور والمغلق باليأس والسأم‮ :‬
تيهُ‮ ‬من عتلة معطوبة‮ ‬
فراديسُ‮ ‬وملائكة في‮ ‬قفص
إلهُ‮ ‬يسدل ستار عينيه
ويًدير ظهرهً‮ ‬لقادمٍ‮ ‬من لهب
خزائنُ‮ ‬من ظلال‮  ‬وحقول من متاهات
مجهولُ‮ ‬يلوح بعصاً‮ ‬من عدمٍ
ومستقبل‮ ‬يرتعش أمام ناظور قناص‮ ‬,
عتمة وغبار‮ . ‬وسأم وفناء‮ ‬,
عبثُ‮ ‬من صواب‮ ‬, بوابات من مغاليق‮ ‬,
شكُ‮ ‬وخيبة‮ . ‬من أعمدة ووتد
ممرُ‮ ‬للأنبياء‮  ‬وموطن للشياطين‮ .‬
‮     ‬ولا شك أن المرمى السياسي‮ ‬يتمدد على مساحة واسعة‮  ‬من نصوص المجموعة،‮ ‬لكن هذا لم‮ ‬يحل دون ان تحمل ثناياها قضايا تثير إنتباه القارئ وربما الجدل وخاصة عندما‮ ‬يتناول الشاعر بصورة مباشرة قضايا الجسد والحواس‮  ‬بجرأة متناهية في‮ ‬نصوص صادمة،‮ ‬وهو في‮ ‬ذلك‮  ‬يتمسك بإدراجها في‮ ‬خانة حرية التعبير وإستحضار الفضاءات المفتوحة‮  ‬التي‮ ‬اتاحها الأدب المكشوف في‮ ‬الشعر المعاصر‮.‬
في‮ ‬وحشة الليل‮ ‬
أزرارٌ‮ ‬مفتوحة وسيل مظاهرة‮ ‬
وامواجٌ‮ ‬من الشهوات في‮ ‬قفص‮ ‬
طبيعةٌ‮ ‬تفتح وثاق رغبات قُمِطت‮ ‬
وعزلةٌ‮ ‬تقود قطيع رغبات‮ ‬
نهدان‮ ‬يغازلان النجوم‮ ‬
واماكن موبوءة بالفراغ‮ ‬
منها‮ ‬يرنو برعمكِ‮ ‬المتفتح‮….‬
‮   ‬وأجد أن التعاطي‮ ‬الموضوعي‮ ‬مع النصوص الأكثر جرأة في‮ ‬المجموعة‮   ‬يجب أن‮ ‬يكون بعيداً‮ ‬عن التوصيفات المسبقة‮  ‬التي‮ ‬تفسر الحالة وفق قوالب وصفية جاهزة‮  ‬كزعم إثارة الغرائز وتهييج النشئ وما الى ذلك من طروحات‮ ‬غير دقيقة‮  ‬, ذلك لأن النتاج الإبداعي‮ ‬الكردي‮ ‬تناول في‮ ‬كثير من نماذجه الشعرية‮  ‬الراقية‮  ‬موضوعات الجنس من منطلق فلسفي‮  ‬وتعبيري‮  ‬،‮ ‬ويرد بعض النقاد مستلات من‮  ‬الملحمة الادبية الشهيرة‮ (‬مم وزين‮) ‬مثالا ومنطلقاً‮ ‬لهذا الزعم‮  ‬في‮ ‬حين أن مفهوم الجنس فيها‮  ‬جاء كما‮ ‬يرى نقاد آخرون‮  ‬وفق ضرورة فنية‮  ‬تثير الخيال الإنساني‮ ‬وظاهرة حضارية راقية‮  ‬تقفز على‮  ‬الغرائز البهيمية‮  ‬وهذا أيضاً‮ ‬ما أسس عليه صلاح حمه أمين‮  ‬في‮  ‬النصوص الجريئة‮  ‬لمجموعته‮  .‬
وظيفة البنية‮  ‬اللغوية‮ ‬
‮     ‬وبهدف تشكيل الصورة الشعرية للنص تسهم مفردات اللغة التي‮ ‬يوظفها الشاعر متجاوزا بصعوبة‮  ‬فخ المباشرة والتقريرية مستعينا بالجمل الاسمية‮  ‬باسراف في‮ ‬ستة عشر نص من مجموع عشرين نصٍ‮  ‬تضمنته المجموعة،‮ ‬ووفق تفسير النحو لهذه الظاهرة اللغوية في‮ ‬التعبير فان الجملة الاسمية تدل على الاستمرارية والثبات‮ ‬،‮ ‬فيما تدل الجملة الفعلية وخاصة تلك التي‮ ‬تبدأ بالفعل المضارع على استحضار الحال والتكرار
طفحٌ‮ ‬من رحيل‮ ‬
خيمةٌ‮ ‬،‮ ‬حصصٌ،‮ ‬عبوةُ‮ ‬زيت
خبزٌ،‮ ‬ورزٌ،‮ ‬حفنةُ‮ ‬احلام‮ ‬
وقممٌ‮ ‬من الوجع‮ ‬
بحرٌ‮ ‬يتعرى،‮ ‬يتدثر بثوب خطيئةٍ‮ ‬ووهم‮ ‬
ظلٌ‮ ‬يزحف خلفه شهداء‮ ‬
يتلفتون في‮ ‬كل لحظة للوراء
يبصقون في‮ ‬وجه حلمٍ‮ ‬
تركهم دون ظلال‮!‬
‮   ‬وتأسيساً‮ ‬على ذلك فان البنية التركيبية في‮ ‬بناء الجملة في‮ ‬نصوص المجموعة افلحت لحد بعيد في‮ ‬تكوين الخطاب الشعري‮ ‬الهادف للشاعر،‮ ‬وتاكيد مقاصده الفكرية والإنسانية التي‮ ‬يطرحها بكثافة لغوية وإيحائية‮  ‬ظاهرة كما في‮ ‬نماذج مهمة ومعروفة في‮ ‬ديوان الشعر العربي‮ ‬ومنها قصائد الشاعر محمود درويش في‮ ‬استخدامه المفرط للجمل الاسمية‮  ‬قاصدا من وراء ذلك الاقتصاد اللغوي،‮ ‬والتكثيف،‮ ‬لكي‮ ‬يبدو النص اكثر حيوية وأمضى تأثيراً‮  :‬
مدخلُ‮ ‬باب حلم‮ ‬
نافذة من‮ ‬غبار
عيون من عصافير‮ ‬
وحمائم‮ ‬
بقايا جسد قذفته سفينه نوح‮ ‬
وتاريخ‮ ‬يلفظ انفاسه الاخيرة نحو الفراغ‮ ‬
عتمةُ‮ ‬ضرير‮ ‬
وذبذبات تنذر بعاصفة من تراب‮ ‬
طقوس من سراب‮  ...‬
‮  ‬يقول أدونيس بأن الأثر المبدع له منظاره الشخصي‮ ‬الذي‮ ‬يناضل به الشاعر،‮ ‬وبأن التمييز بين نوعين من الشعراء‮ ‬يفضي‮ ‬الى ان الاول‮ ‬يمكن وصفه بأن اللغة هي‮ ‬التي‮ ‬تكتبه‮  ‬فيما الثاني‮ ‬هو الذي‮ ‬يكتب اللغة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬تقديري‮ ‬فإن صلاح حمه امين‮  ‬نجح في‮ ‬هذه المجموعة بأخذ زمام تجربته الشعرية،‮ ‬ومراميه،‮ ‬وتداعيات قضيته‮  ‬التي‮ ‬تصدى لها‮  ‬بأسلوب بارع وظف خلاله نواة الحرف،‮ ‬وقوة الكلمة،‮ ‬والتعبير الحر المرئي‮ ‬للمكنون الخفي‮ ‬دون وجل او قيد‮ .‬

عدد المشـاهدات 222   تاريخ الإضافـة 18/06/2022   رقم المحتوى 64354
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2022/8/11   توقيـت بغداد
تابعنا على