00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الإنعتاق والتدفّق في‮ ‬بيدها تسقيني‮ ‬أكواب البابونج‮ ‬

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الإنعتاق والتدفّق في‮ ‬بيدها تسقيني‮ ‬أكواب البابونج‮ ‬


علاء لازم عيسى
كتب أندريه موروا في‮ ‬كتابه‮ ((‬أوجه السّيرة‮ )) ‬ما نصّه‮ : ((‬العمل الفنّي‮ ‬بالنسبة إلى الفنّان‮ ‬،‮ ‬قبل أيّ‮ ‬اعتبار آخر‮ ‬،‮ ‬شيء من الانعتاق‮ . ‬إذ تتراكم لديه خلال مسار حياته عواطف لم‮ ‬يجد لها مخرجًا أو متنفّسًا في‮ ‬إطار الفعل أو الحركة‮ . ‬تنتفخ هذه العواطف في‮ ‬داخله فتملأ روحه حدّ‮ ‬الانفجار‮ ‬،‮ ‬وعندما‮ ‬يحسّ‮ ‬بالحاجة الماسّة إلى تحرير نفسه‮ ‬يتدفّق العمل الفنّي‮ ‬منه تلقائيًّا‮ ))  . ‬وقد أحسستُ‮ ‬بهذا الانعتاق والتدفّق عند الأستاذ الشاعر كاظم اللايذ عند قراءتي‮ ‬لمجموعته الشعريّة الجديدة‮ ((‬بيدها تسقيني‮ ‬أكواب البابونج‮ )) ‬،‮ ‬التي‮ ‬صدرت طبعتها الأولى عن دار أمل الجديدة‮ ‬،‮ ‬دمشق‮ ‬2021 ، وقد ضمّت خمسة وعشرين قصيدة شعريّة‮ .‬
‮   ‬لغته الشّعريّة‮ ‬
‮   ‬إنّ‮ ‬اللغة التي‮ ‬استخدمها شاعرنا اللايذ في‮ ‬أغلب ما كتب في‮ ‬هذه المجموعة‮ ‬يمكن أن نطلق عليها أنّها لغة‮ ( ‬تُقال وتقول‮ ) ‬،‮ ‬حاول الشّاعر من خلالها أن‮ ‬يوصل رسائله ومفاهيمه بعيدًا عن الضّبابيّة والتعقيد والانغلاق قدر الإمكان‮ ‬،‮ ‬وبالرغم من تركيبة بعض قصائده السّرديّة والاستطراديّة‮ ‬،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يقع في‮ ‬فخّ‮ ‬المباشرة الفجّة التي‮ ‬تحرم قارئ قصائده والمستمع لها من لذة الاندهاش ؛ نعم ربّما استخدم بعض الغموض الشّفاف لكسر حاجز الرتابة‮ ‬،‮ ‬ولتحفيز ذهن القارئ على متابعة الدلالة‮ ‬،‮ ‬وهذا ما وجدته في‮ ‬قصيدته‮ ( ‬لا أراه‮ ) ‬التي‮ ‬افتتح بها مجموعته الشعريّة المذكورة‮  ‬عند استخدامه لجانب‮ ‬غير مرئي‮ ‬ومجهول في‮ ‬حياة الإنسان‮ (( ‬يعيشُ‮ ‬معي‮ / ‬كائنٌ‮ ‬غامضٌ‮ / ‬لا أراه‮ / ‬أُحسُّ‮ ‬بخفقةِ‮ ‬أقدامهِ‮ ‬حين‮ ‬يمشي‮ / ‬وألمحُ‮ ‬أشياءَه‮ ‬،‮ ‬حين‮ ‬يتركها في‮ ‬الأرائك‮ / ‬يروح ويأتي‮ / ‬ولكنني‮ ‬لا أراه‮ / ‬وما كنتُ‮ ‬أدري‮  ‬إذا كانت امرأةً‮ / ‬أو مَلاكًا تخلّف عن رهطهِ‮ / ‬أو سفيرًا من الجنّ‮ )) . ‬فهل كان هذا الاستخدام اشارة واعية بتشظّي‮ ‬الواقع‮ ‬،‮ ‬أم هو رصد لمحاولة‮ ‬غير منظورة لتغييب المعرفة واللاعقلانيّة وحجب الرؤية التي‮ ‬ما بعدها إلّا الضلالة والعمى‮ ‬،‮ ‬وربّما‮ ‬يوحي‮ ‬الاندماج بين عالم الشاعر المرئي‮ ‬وعالم الكائن المجهول وغير المرئي‮ ‬،‮ ‬بالرغبة بالتحرّر والانعتاق من القيود القاهرة للعالم الواقعي‮ ‬الظاهري‮ ‬،‮ ‬وما‮ ‬يحمله من تشوّهات‮ . ‬
‮  ‬القلق الوجودي‮ ‬
‮    ‬ومن الظواهر الأسلوبيّة اللافتة في‮ ‬شعريّة الأستاذ اللايذ‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬هيمنة القلق بمعناه الوجودي‮ ‬الذي‮ ‬ينتاب كلّ‮ ‬الواعين الذين‮ ‬يتحمّلون مسؤوليّات وجودهم الإنسانيّ‮ ‬والمعرفيّ‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يتمظهر بغربة المثقّف الواعي‮ ‬عن واقعه الفاسد ويأسه من المثال والتغيير‮ ‬،‮ ‬وليس القلق بمعناه اللغويّ‮ ‬الذي‮ ‬يدلّ‮ ‬على الانزعاج وعدم الاستقرار النفسي‮ ‬والمكاني‮ ‬،‮ ‬أو القلق العصابي‮ ‬الذي‮ ‬يدلّ‮ ‬على اضطراب الشخص النفسي‮ ‬والانفعالي‮ . ‬وهذا ما وضح في‮ ‬قصيدته‮ ( ‬دنانيري‮ ‬الملكيّة‮ ) ‬في‮ ‬قوله‮ (( ‬تذكّرتُ‮ ‬الآن‮ / ‬أنّ‮ ‬الأدويةَ‮ / ‬التي‮ ‬أشتريها من الصيدليّات‮ / ‬وأدفع لقاءَها ماءَ‮ ‬قلبي‮ ‬،‮ ‬لا تنفع‮ / ‬توجّهتُ‮ ‬إلى سوق العطّارين‮ / ‬حيث البابونج وورد لسان الثور‮ / ‬والقرنفل ودهن العود وثوم الجبل‮ / ‬وحيث التوابل القادمة من الهند‮ / ‬تحقنُ‮ ‬عضلة الهواء بالمورفين‮ / ‬سألتُ‮ ‬عن عبدالجليل العطّار‮ / ‬قال لي‮ ‬رجلٌ‮ ‬معفّر بالكاري‮ : ‬يبدو أنّ‮ ‬ساعة‮ ‬يدك أيّها العمّ‮ / ‬متوقّفةٌ‮ ‬منذ العهد العصملي‮ / ‬لأنّك تسألُ‮ ‬عن رجل‮ / ‬مات قبل خمسين عامًا‮ )). ‬فمجيء الفعل‮ ( ‬أشتريها‮ ) ‬بصيغة المضارع‮ ‬،‮ ‬وليست بصيغة الماضي‮ ‬،‮ ‬تدلّ‮ ‬على فساد الحاضر واحتمال بقاء الحال على ما هو عليه بلا تغيير‮ .  ‬
‮ ‬استدعاء الرموز‮ ‬
‮   ‬وبقيام شاعرنا اللايذ باستدعاء الرّموز الدينيّة والشعبيّة والتأريخيّة والأسطوريّة العربيّة والمحليّة والعالميّة‮ ‬،‮ ‬مثل‮ : ( ‬صالح عبدالقدّوس‮ ‬،‮ ‬وواصل بن عطاء‮ ‬،‮ ‬وعبدالجليل العطّار‮ ‬،‮ ‬والسّدارة الفيصليّة‮ ‬،‮ ‬وهند آكلة الأكباد‮ ‬،‮ ‬وحميد الخيّاط‮ ‬،‮ ‬وناصر خسرو‮ ‬،‮ ‬وراسبوتين‮ ‬،‮ ‬وخرائب إرم ذات العماد‮ ‬،‮ ‬والحشّاشون وحسن الصّباح‮ ) ‬،‮ ‬فقد دلّل على ثقافته الموسوعيّة والمتنوّعة‮ ‬،‮ ‬كما استطاع أن‮ ‬يتحرّك بالقارئ بحريّةٍ‮ ‬بين الماضي‮ ‬والحاضر والمستقبل‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يبعث الحياة ببعض الرموز المحليّة الهامشيّة مثل عبدالجليل العطّار وحميد الخيّاط‮   ‬وهذا ممّا‮ ‬يحسب له مستقبلًا‮ ‬،‮ ‬وأن‮ ‬يضع القارئ أمام حشد من المواقف والصّور والتساؤلات تتقابل في‮ ‬علاقات جدليّة فتعمّق مناخ ودلالات القصيدة‮ . ‬ففي‮ ‬قصيدة‮ ( ‬صالح بن عبدالقدّوس في‮ ‬محنته‮ ) ‬استفزّ‮ ‬الشاعر ذهن القارئ حينما اتّخذ من اسم ابن عبدالقدّوس الحكيم المتكلّم والمتصوّف الزاهد‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يعظ الناس في‮ ‬البصرة ثمّ‮ ‬أعدمه المهدي‮ ‬العبّاسي‮ ‬سنة‮ ‬167‮ ‬هـ بتهمة الزّندقة‮ ‬،‮ ‬رمزًا من رموزه‮ ‬،‮ ‬ليشكّل ادانة فاضحة لاستبداد الحاكم وديكتاتوريّته‮ ‬،‮ ‬والقمع ومصادرة الرأي‮ ‬الآخر والقتل على الشبهة‮ ‬،‮ ‬وإدانة فاضحة للساكتين من المحكومين أيضًا‮ (( ‬فلماذا لا‮ ‬يأتيني‮ ‬أحدٌ‮ / ‬في‮ ‬ليلي‮ ‬الأكحلِ‮ ‬إلّا أنت ؟‮ / ‬ألأنّكَ‮ ‬كنتَ‮ ‬وحيدًا‮ / ‬تتلفّتُ‮ / ‬حينَ‮ ‬حُملت إلى بغدادَ‮ ‬بأمرِ‮ ‬السلطان ؟‮ / ‬ولأنّك كنتَ‮ ‬غريبًا‮ / ‬مرعوبًا‮ / ‬حين ذُبحتَ‮ ‬وعُلّقتَ‮ ‬على الجسر ؟‮ / ‬لم‮ ‬ينفعْك مقالُك للسلطانِ‮ / ‬بأنّ‮ ‬الحدّ‮ ‬على المسلم‮ ‬يُدرأُ‮ ‬بالشبهاتِ‮ / ‬فلا تقتلني‮ ‬بالشــــــبهة‮ ‬يا مولاي‮ )) ‬ص19‮.‬ 
   الانسجام مع الطبيعة‮         ‬
‮    ‬وكما أنسنَ‮ ‬شعراء العربيّة القدماء الفضاء والأشياء المحيطة بهم‮ ‬،‮ ‬فجعلوها تتكلّم وتغضب وتختال ضاحكة كما جاء على لسان شاعرنا البحتريّ‮ ‬،‮ ‬أنسنَ‮ ‬الأستاذ اللايذ الأشياء والموجودات المجسمة والمجرّدة من الأبعاد‮ ‬،‮ ‬المحيطة بنا كوسيلة من وسائل الحث للتذكير بقيمة التفكير والنظر والانسجام والإلفة مع الطبيعة وعالم الأشياء‮ . ‬فجعل الطيور المهاجرة‮ (‬تتفرّج علينا من عَنان السماء‮ ) ‬ص110 ، والسلحفاة‮ ( ‬تراقبُ‮ ‬النهر‮ / ‬وتحسبُ‮ ‬مواقيتَ‮ ‬المدّ‮ ‬والجزر‮ ) ‬ص111   ، ‮ ‬ وعندما تساوم الفرنسيّة مدام ديولافوا رجال الكمارك العثمانيين وتحاول رشوتهم لتتجنّب المبيت بالكرنتينة فالسلحفاة‮ (( ‬من تحت ترسها على الطين‮ / ‬ترصد هذه المعصيّة‮ / ‬وتحفظ ما رواه البخاري‮ / ‬في‮ ‬مذمّة الراشي‮ ‬والمرتشي‮ )) ‬ص112 ‮.‬ وبفلسفة رائعة جدًّا استطاع شاعرنا أن‮ ‬يعقد مقارنة بين الضعف الذي‮ ‬جُبل عليه الإنسان‮ ‬،‮ ‬وبين الحكمة الغريزيّة للحيوان التي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتعلّم الإنسان منها أشياء كثيرة‮ ‬،‮ ‬فيقول في‮ ‬واحدة من قصائده‮ (( ‬خلقني‮ ‬ربّي‮ ‬من طين‮ / ‬ولكنه منحني‮ ‬مزاجَ‮ ‬الآلهة‮ / ‬إذا أرادوا شيئًا‮ / ‬أن‮ ‬يقولوا له كن فيكون‮ / ‬لم‮ ‬يمنحني‮ ‬صبرَ‮ ‬الجملِ‮ / ‬ولا حكمةَ‮ ‬النملةِ‮ / ‬ولا دأبَ‮ ‬دودة القزّ‮ / ‬ولا هدوءَ‮ ‬مالك الحزين‮ )) ‬ص68 ‮.‬ وقد تضمّنت صيغة الجمع في‮ ( ‬إذا أرادوا شيئًا‮ ) ‬إشارات ودلالات‮ ‬،‮ ‬لا تخفى على اللبيب‮ ‬،‮ ‬تشير إلى الآلهة بمعناها العام وليس الله بالمعنى الخاص‮ . ‬
‮   ‬المدينة البعيدة‮ ‬
‮   ‬وبعد دعوته للتصالح مع الطبيعة وموجوداتها‮ ‬،‮ ‬يبقى شاعرنا كاظم اللايذ‮ ‬يحلم بمدينة فاضلة‮ ‬يتصالح فيها الناس مع أنفسهم ومع الآخر‮ ‬،‮ ‬تعمل بقانون الحبّ‮ ‬والإنسانيّة والمساواة والعدالة الاجتماعيّة وتكافؤ الفرص‮     (( ‬الناس هنالك بلا أسماءٍ‮ ‬ولا ألقاب‮ / ‬ينامون في‮ ‬الحدائق‮ / ‬ويأكلون سويّةً‮ ‬على فراش واحد‮ / ‬الذئاب فيها تنام مع الغزلان‮ / ‬والصّقور تلعبُ‮ ‬مع الحمائم‮ )) ‬ص101 ‮.‬ فهل‮ ‬يا ترى‮ ‬يتحقّق هذا الحلم ؟‮ . ‬
‮   ‬اللايذ والنقّاد‮   ‬
‮   ‬أخيرًا‮ ‬،‮ ‬ولد الأستاذ كاظم اللايذ في‮ ‬البصرة في‮ ‬سنة‮ ‬1946 ، ابتدأ النشر في‮ ‬ستّينيّات القرن الماضي‮ ‬،‮ ‬عضو اتحاد الأدباء في‮ ‬البصرة‮ ‬،‮ ‬أصدر ثمان مجموعات شعريّة‮ . ‬كتب عن شعره الناقد جمان حلّاوي‮ ‬فوصفه بقوله‮ : ((  ‬إنّ‮ ‬الشاعر كاظم اللايذ الإنسان هو شاعر المدن وساحر الكلمات‮ ‬،‮ ‬بل هو شاعر فحل‮ ‬يسحبك للقراءة والتأمّل‮ )) .‬
‮ ‬وكتب عنه الناقد مقداد مسعود واخترع لقصائده لقب‮  (‬القصيدة السياحيّة‮ ) ‬متمنيًّا عليه أن‮ ‬يجمع قصائد المدن المتناثرة في‮ ‬مجموعاته الشعريّة في‮ ‬ديوان واحد‮ ‬،‮ ‬أمّا الناقد كاظم صبر البياتي‮ ‬فقد عدّ‮ ‬شاعرنا اللايـــــــــذ من السائرين في‮ ‬ركاب مدرسة السـيّاب الشعريّة‮ .   ‬
‮  ‬

‮ ‬
‮     ‬


 

عدد المشـاهدات 1144   تاريخ الإضافـة 05/04/2021   رقم المحتوى 48997
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2021/4/19   توقيـت بغداد
تابعنا على