00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الظل المنفصل

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصة قصيرة

الظل المنفصل

مازن الحمداني

وقف على باب عيادة طبيبة أمراض نفسية، وقد كتب إنها حاصلة على الماجستير من بريطانيا، والدكتوراه من أمريكا، وكان يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ثم قال: أنا راجعت تسعة عشر طبيباً نفسياً كلهم من الرجال، ولم أحصل على عقار نافع من واحد منهم، لعلي أجد حلاً لمشكلتي عند هذه الدكتورة.

قرر الدخول وشرح حالته، لعل الله يجعل على يدها الشفاء، قد يجعل سره في أضعف خلقه، وجد العيادة ممتلئة، دفع مبلغ الدخول، واستلم رقم الدخول عشرة، وجلس ينتظر الدور، وهو يرى أن السكرتيرة لم تستقبل بعده أحداً، بل تؤجلهم ليوم غد، فلما سألها، أجابته: إن الطبيبة لا تستقبل في اليوم أكثر من عشرة مراجعين.

أحمد: لماذا؟

- لأنها لا تهتم بالمال بقدر اهتمامها بالمراجع، ومساعدة المرضى.

- هل تتأخر في علاج المرضى؟

- غالباً، نعم، لكن بعض الحالات لا تحتاج إلى وقت طويل.

ظل جالساً ينتظر، ولأول مرة يشعر بالطمأنينة، حتى وصل الدور إلى الرقم تسعة، وبقي وحيداً في القاعة، أرجع رأسه ليضعه على حافة الكرسي، ونظر لظله وقد انفصل عنه نادى لا، لكنه اندمج معه، واستغرق في سبات، انكشف له عالم عجيب رأى فتاة صغيرة تموت أمها، فيهاجر أبوها إلى بريطانيا، تكمل دراستها هناك، وتأخذ البكالوريوس، والماجستير في علم النفس العلاجي، ثم يرحل الأب إلى الولايات المتحدة الأمريكية بدواعي العمل، فترحل معه لتحصل على الدكتوراه، ثم يموت الأب فتضطر للرجوع إلى العراق، ويطلع على أدق تفاصيل حياتها، وهو لا يعرف من يرى؟ ولماذا؟ فينتبه على صوت السكرتيرة وهي تناديه أستاذ تفضل وصل الدور إليك، قام وقد انفصل الظل عنه، ودخل على الدكتورة، وعندما نظر إليها وجدها هي تلك الطفلة التي توفيت أمها وهي صغيرة، هنا تسمر في مكانه عند الباب، قامت إليه قائلة: أدخل لا تخف، وقد ارتسمت ابتسامة على شفاهها.

- السلام عليكم، أنا لستُ خائفاً منكِ بل أنا خائف عليكِ.

- وعليكم السلام، لا تخف فأنا لستُ من النوع الذي يخاف عليه.

- حسناً.

جلس على كرسي، وهي عادت إلى مكانها خلف مكتب فخم قائلة: تفضل ما هي مشكلتك؟

- أن مشكلتي معقدة، من الصعب أن أجد من يصدقني.

- جربني ربما أُخلف ظنك، وأصدق ما تقول، واساهم بحل المشكلة.

- يا ليت يا دكتورة ذلك من دواعي سروري.

- إذن نبدأ جلسة العلاج؟

- نعم، منذُ عمر عشر سنوات، كنت أرى بالمنام ظلاً أسوداً يأتيني، ويحدثني بأشياء لم تحدث بعد، وتحدث كما قال لي بالضبط، في البداية كنت أشكك بما يقول لي، وأظنه كاذباً، وظلت الأحداث تقع كما يقول لي مرة بعد أخرى حتى تبدد كل شك، وحصل شيئاً فشيئاً اليقين بما يقول.

- هل مشكلتك هي قرين الطفولة؟

- يا ليت الأمر كذلك، لانتهى مع تجاوز مرحلة الطفولة.

- إذا ما هي مشكلتك؟

- المشكلة عندما بلغت صدقت ما يقول، حيث كنت اسأله من أنت؟ فيجيب أنا ظلك، وكنت أعتقد أن المقصود هو المعنى المجازي وليس الحقيقي، حتى رأيت بأم عيني كيف ينفصل عني ويتحد معي، ويريني حقيقة الناس، تاريخهم، أسوء كوابيسهم، رغباتهم، مخاوفهم، أعمق أسرارهم.

- ما هو الدليل على صدق ما تقول؟ قد تكون مجرد أوهام.

- قد تكون مجرد هلوسات بصرية، وسمعية لكن رأيت هنا في هذه العيادة، حياة إنسانة منذُ كانت في عمر سبع سنوات، حينما كانت أمها على فراش الموت، تجلسها في حجرها، وتمشط شعرها، وهي تلبس فستاناً وردياً، وكانت تكره التمشيط، لذا كانت أخر كلماتها لأمها المسكينة، أكرهك، فماتت الأم وهي تمشط شعر ابنتها، وصارت بعد ذلك كثيرة الاهتمام بشعرها، وقد ندمت على تلك الكلمات لهذا اليوم.

- أصمت، وهي تكفكف دموعها، كيف تعرف كل هذه التفاصيل عن حياتي؟

- هل هذه واحدة من تفاصيل حياتك، أم مجرد أوهام؟

ساد الصمت لدقيقة لاسترجاع أنفاسها، وتعيد ترتيب أفكارها، ثم نظرت إليه بإمعان.

- وماذا تعرف عن حياتي أيضاً؟

- حتى ما حصل في مكتب أستاذك، في أمريكا.

- يكفي، فهمت، حدثني عن كل شيء بالتفصيل.

بدأ يحدثها بقصته من البداية حتى النهاية بالتفصيل الممل، هي أطلقت لخيالها العنان، وفتحت عقلها على كل الاحتمالات، وإذا بها ترى ظلاً يجلس على كرسي بجانب أحمد، فبدأت الحديث معه، وإذا به يسألها، هل تريني؟

- نعم أراك.

- ماذا تريدين؟

- الابتعاد عن أحمد وتركه يعيش حياته بسلام.

- هو الذي أحضرني، من خلال القراءة في كتاب جده عندما كان في العاشرة، ولم يصرفني، وكان يتمتع بالتحصين الشديد، لأن جده قد حصنه من الأرواح الشريرة، والجن، فلم أجد غير ظله لتدب فيه الحياة، لذا عليه قراءة عزيمة الانصراف من كتاب جده، فأرحل دون رجعة.

- هل سمعت كلام ظلك؟

- نعم، ولكن جدي توفي منذُ سنوات، ولا أتذكر ماذا قرأت في الكتاب.

عادت لتسأل الظل؛ هل تعرف ماذا قرأ؟

- نعم، كتاب شمس المعارف الكبرى.

وأخيراً عرف السبب، وعالجته حتى شفي نهائياً.

عدد المشـاهدات 664   تاريخ الإضافـة 13/01/2021   رقم المحتوى 46342
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2021/1/20   توقيـت بغداد
تابعنا على