00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  بيروت والذاكرة الملعونة

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

بيروت والذاكرة الملعونة

عبد الحسين شعبان‮ ‬

‮  ‬المكان زمان سائل والزمان مكان متجمد‮ ‬
ابن عربي
 -I-
حين سمعتُ‮ ‬خبر زيارة الرئيس الفرنسي‮ ‬إيمانويل ماكرون لفيروز الكبيرة قبل لقائه المسؤولين،‮ ‬استعدت ما كتبه قبل عقد ونيّف من الزمان عن‮  "‬شارل مالك الكبير ولبنان الصغير‮"‬،‮ ‬ففي‮ ‬زمن الفواجع الكبرى‮ ‬يلجأ الإنسان عادة إلى الرموز الفكرية والثقافية‮  ‬الجامعة للتخفيف من هول الصدمة وحجم المأساة،‮ ‬وهو ما حاول الرئيس الفرنسي‮ ‬استخدامه بذكاء شديد خلال زيارته الثانية بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في‮ ‬4 آب‮ (‬أغسطس‮) ‬2020‮.‬ 
وبغض النظر عن طبيعة الزيارة السياسية وأهدافها،‮ ‬لكن ذهاب حفيد‮ ‬غورو إلى زيارة فيروز بتوجهه من المطار إلى منزلها مباشرة له أكثر من دلالة‮ ‬،‮ ‬ففيروز تمثل بهالتها وكبريائها‮  ‬وشموخها وإبداعها وصوتها كل لبنان بتنوّعه وتعدديته وموزائيكه وألوانه وفسيفسائه،‮ ‬وهو ما نقصد به من تعظيم للجوامع واحترام للفوارق‮ .‬
لقد عرف ماكرون كيف‮ ‬يحرّك مشاعر اللبنانيين،‮ ‬بل العرب أجمع الذين ظلّت عيونهم تتطلّع نحو بيروت الثقافة والصحافة والأدب والكتب والحرية والجمال ومقاهي‮ ‬المثقفين والمنفيين والمتمردين وجامعاتها وكنائسها وجوامعها،‮ ‬حيث التعايش والاجتماع الإنساني‮ ‬الحاضن للمواطنة والاختلاف،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن جوار الأضداد أحياناً‮ ‬بين الديني‮ ‬والعلماني‮ ‬والمسلم والمسيحي‮ ‬بطوائفهم المختلفة في‮ ‬هارموني‮ ‬عجيب‮.‬
مرّتان خلال العقود الأربعة الماضية شعرت أن‮ ‬يداً‮ ‬غادرة تحاول العبث بذاكرتي‮ ‬البيروتية،‮ ‬تلك التي‮ ‬تكوّنت منذ ستينيات القرن الماضي‮.‬
الأولى‮- ‬يوم وقع العدوان الإسرائيلي‮ ‬على لبنان في‮ ‬4 حزيران‮ (‬يونيو‮) ‬العام‮ ‬1982? حين توغلت الدبابات الإسرائيلية لتحتل العاصمة بيروت‮ ‬،‮ ‬ويومها كانت المدينة‮ ‬غارقة في‮ ‬حرب أهلية استمرت لنحو‮ ‬15 عاماً‮ (‬1975-1989)‮.‬ شعرت وقتها أن جزءًا مني‮ ‬كان قد تحطّم بالحرب وانتزع جزءٌ‮ ‬آخر بالعدوان‮.‬
والثانية‮- ‬يوم وقع انفجار مرفأ بيروت،‮ ‬الذي‮ ‬هزّ‮ ‬المدينة بالصميم‮  ‬فتخلخل ما تبقى منها،‮ ‬فبيروت موشحة بالحزن والهموم وترزح تحت أزمات لا حصر لها‮: ‬الكهرباء والماء والبنزين والمازوت والنفايات والمصارف وأموال المودعين وانهيار سعر الليرة اللبنانية ووصول نحو‮ ‬55% من المجتمع اللبناني‮ ‬إلى دون خط الفقر،‮ ‬وزاد الطين بلّة اجتياح وباء كورونا‮ (‬كوفيد‮ ‬19) ونقص الاستعدادات والتجهيزات والإمدادات الطبية‮. ‬
حين تفكر ببيروت فمن الصعب عليك أن تفرّق بين البشر والشجر والحجر‮ ‬،‮ ‬لأنها مشغولة بطريقة عجيبة فهي‮ ‬مدينة متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة وخيوطها مترابطة ونسيجها‮ ‬يصعب فك أسراره،‮ ‬مثل جغرافيتها وتضاريسها وهويّاتها وظلالها وجنونها،‮ ‬إنها اليوم في‮ ‬لحظة مفارقة فإمّا اللون والرائحة والإيقاع والصوت وفيروز وإما الانكفاء والعزلة والقنوط والتآكل‮.‬
لكن الركود والخمول والخنوع ليسوا من صفات بيروت التي‮ ‬نعرفها والتي‮ ‬ما إن تكبو حتى تنهض تحت الرماد مثل طائر الفينيق‮  ‬لتحيل الحزن إلى فرح والكدر إلى بهجة والكآبة إلى أمل والظلمة إلى نور،‮ ‬فهي‮ ‬أم الشرائع التي‮ ‬علّمت البشرية أبجديات الحرف وفيها روح التاريخ وحدائق اللغة وعنفوان التمرد‮.‬
حين كرّمتني‮ ‬الحركة الثقافية في‮ ‬انطلياس في‮ ‬العام‮ ‬2017 وكعادتها الطلب من المكرّم منذ أربعة عقود أن‮ ‬يتحدث في‮ ‬حفل التكريم،‮ ‬وهو برعاية رئاسية،‮ ‬عن مشروعه الفكري‮ ‬أو منجزه الثقافي‮ ‬أو دوره الأكاديمي‮ ‬أو الاجتماعي‮ ‬أو مساهماته في‮ ‬الحياة السياسية والوظيفية أو عن كتبه ومؤلفاته ونشاطه،‮ ‬لكنني‮ ‬طلبت من الجهة المنظمة والأستاذين أنطوان سيف وعصام خليفة أن أتحدث عن ذاكرتي‮ ‬وأرخبيلات العشق البيروتية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬جزء من ذاكرة جيل الستينات لمدينة الدلال والغنج والورد وشذا الربيع والياسمين والنور‮.‬
إذا كان لكل امرأة رائحتها ولكل بحر لونه ولكل قصيدة نكهتها ولكل مدينة عطرها فبيروت اختلطت فيها الرائحة واللون والنكهة والعطر في‮ ‬هارموني‮ ‬بحيث‮ ‬يمكنك أن تتنفسها وكم راودتني‮ ‬عن نفسي‮ ‬لأفضي‮ ‬بسرّها وسحرها،‮ ‬وأنا أسمع صوتها وأشم رائحة بحرها،‮ ‬الذي‮ ‬اغتسلت بمائه حوريات البحر‮.‬
 - II -
    لا أستطيعُ‮ ‬استعادةَ‮ ‬ذاكرتي‮ ‬الطّفليةِ‮ ‬المكتظّة بصور مختلفةٍ‮ ‬ومتنوّعةٍ‮ ‬دون أن تشعَّ‮ ‬في‮ ‬إحدى زواياها بيروت بكل رمزيّتها وصباها،‮ ‬تلك التي‮ ‬شكّلت بين تقاسيمِها أغاريدَ‮ ‬شرودي‮ ‬الملّونة وروح تمرّدي‮ ‬الأول،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأنّني‮ ‬ترعرعت في‮ ‬بيئة معاندةٍ‮ ‬كانت جاهزةً‮ ‬ومتفاعلةً‮ ‬ومنفعلة باستشراف الجديد واستقبالِ‮ ‬الحداثةِ‮ ‬والتّطلّعِ‮ ‬للتغيير‮.‬
    هكذا بدأتْ‮ ‬ترتسمُ‮ ‬ملامحُ‮ ‬بيروت الجمال والمدى والتنوّع الثقافي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬وكأنّني‮ ‬في‮ ‬فسيفسائيّة تختلطُ‮ ‬وصورة‮ "‬النجف السعيد‮" ‬أو ما‮ ‬يكنّى بـ‮ "‬خدُّ‮ ‬العذراء‮"‬،‮ ‬حيث‮ ‬يستلقي‮ ‬الشّعرُ‮ ‬متنفِّساً‮ ‬المدينةَ‮ ‬المحافظةَ‮ ‬التي‮ ‬تآخت مع التمّرد،‮ ‬حتّى تفّجر‮ "‬الفكرُ‮ ‬المنفتحُ‮ ‬في‮ ‬المجتمع المنغلق‮" ‬على حدّ‮ ‬تعبير السيد مصطفى جمال الدّين‮.‬
    كنّا نجدُ‮ ‬في‮ ‬بيروت الستينات كلَّ‮ ‬شيء‮: ‬المقاهي‮ ‬والكُتُب والملابس والصديقات الجميلات وأغاني‮ ‬الحب والسينمات والمسارح والموسيقى‮... ‬وكلّ‮ ‬ما له علاقة بالتمدّن والتعايش،‮ ‬حيث شارع الحمرا وساحة الشهداء‮ "‬البرج‮" ‬وساحة رياض الصلح وبناية العازارية والروشة وسوق الطويلة وسوق سُرسق وفندق اليلدزلار وفندق نابليون ومقاهي‮ ‬الدولشفيتا والويمبي‮ ‬والمودكا والهورس شو والإكسبرس وستراند والألدورادو والروضة ودبيبو ومسرح قصر البيكاديللي‮ ‬والتياترو الكبير وتياتر بيروت والمسرح الوطني‮ "‬مسرح شوشو‮" ‬وسينما روكسي‮ ‬ومتروبول والأمبير و الريفولي‮ ‬والراديو سيتي‮ ‬والأوديون وغيرها‮... ‬
- III -
    وإذا كان الإبحارُ‮ ‬في‮ ‬ما نصبو إليه ومضةً‮ ‬بارقةً‮ ‬سرعان ما تنتهي‮ ‬وقد‮ ‬يبقى شيءٌ‮ ‬من كلّها في‮ ‬ذهنِك أو لا‮ ‬يبقى،‮ ‬حيث تكونُ‮ ‬اليقظةُ‮ ‬قد بدّدت طيفها الخاطف بعد أن تلاشى،‮ ‬لكنّك في‮ ‬حضرة بيروت تصحو مبتدئاً‮ ‬مع مخيّلةٍ‮ ‬جديدة ممتدّة وأنتَ‮ ‬في‮ ‬انخطافٍ‮ ‬موجودٌ،‮ ‬لكأنَّ‮ ‬أنوثة‮ "‬المدينةِ‮ ‬الإلهة"عادت حلماً‮ ‬يستمرُّ،‮ ‬لطالما عاشَ‮ ‬معي‮ ‬وتغلغلَ‮ ‬في‮ ‬كياني‮ ‬وتنامى مع توجّدي،‮ ‬فقد سكنتني‮ ‬يقظةُ‮ ‬بيروتُ‮ ‬الهاربةُ‮ ‬إلى ليلي‮ ‬حتى قبلَ‮ ‬أن أسكنها،‮ ‬رغم أنّ‮ ‬صدمة الحرب الأهلية‮ (‬1975-1989) كانت عميقة التأثيرِ‮ ‬وموجعة في‮ ‬نفسي‮ ‬لكنّني‮ ‬بقيتُ‮ ‬على تواصل و بيروت المتّشحة بغيابات كأنّي‮ ‬أشاجيها وأنا‮: "‬أرحل عن شوارعها‮/ ‬وأقولُ‮ ‬مع محمود درويش‮: ‬ناري‮ ‬لا تموت‮/ ‬شكراً‮ ‬لبيروت الضّباب‮/ ‬شكراً‮ ‬لبيروت الخراب/بيروت خيمتنا الأخيرة‮...". ‬وقد امتدّت روحي‮ ‬عبوراً‮ ‬إليها حتّى تدفّقت أسوار الدم جاهزةً‮ ‬بيننا حينما قتلوا‮ "‬امرأة كانت تدعى الحرّية"عشيةَ‮ ‬الحرب الأهلية‮. ‬
    وأستطيع القول إنّني‮ ‬عشتُ‮ ‬المدينة بكلِّ‮ ‬جوارحي‮ ‬لستةِ‮ ‬عقودٍ‮ ‬من الزمان،‮ ‬أي‮ ‬مذ عرفتُها في‮ ‬مطلعِ‮ ‬الستينات من القرن الماضي،‮ ‬وكنتُ‮ ‬أتردّدُ‮ ‬إليها باستمرار بما فيها فترة دراستي‮ ‬في‮ ‬أوروبا في‮ ‬مطلع السبعينات وحتى خلال الحرب الأهلية‮.‬
    كنتُ‮ ‬أبحثُ‮ ‬في‮ ‬المدينةِ‮ ‬عن المختلفِ‮ ‬واللاّمألوفِ‮ ‬من الكتب و الصحفِ‮ ‬إلى المغايرِ‮ ‬واللّا تقليدي‮ ‬من الأفلام،‮ ‬فأجدُ‮ ‬متعتي‮ ‬في‮ ‬هذا التنوّعِ‮ ‬المتجانسِ‮ ‬والاتّساقِ‮ ‬المتمايز،‮ ‬وفي‮ ‬التعدّدِ‮ ‬والوحدةِ‮ ‬وفي‮ ‬طريقة الحياة اللبنانية،‮ ‬وكان شغفي‮ ‬الصّيفي‮ ‬في‮ ‬ستينات القرن الماضي‮ ‬وأنا أزورُ‮ ‬لبنان أن أجلس في‮ ‬مقهى‮ "‬الشامات‮" ‬في‮ ‬بحمدون لأبدأ قراءة الصحفِ‮ ‬اللبنانيةِ‮ ‬الرائدة مثل‮: "‬النهار‮" ‬و"النداء‮" ‬و"الحياة‮" ‬و"المحرّر‮" ‬وغيرها،‮ ‬إضافة إلى عددٍ‮ ‬من المجلاتِ‮ ‬ومن بينها تلك المثيرة للجدل والاستفهام مثل مجلة‮ "‬حوار‮" ‬ومجلة‮ "‬شعر‮" ‬وغيرها‮.‬
‮ ‬    وكلّما كنتُ‮ ‬أستعيدُ‮ ‬أجواءَ‮ ‬النقاش والسجال والحوار بخصوص النوافذ الثقافية والأدبية والفكرية والتوجهاتِ‮ ‬اليمينية واليسارية،‮ ‬والماركسية والناصرية،‮ ‬والغربية والشرقية‮ ‬يحضرُني‮ ‬ذاك الحوارُ‮ ‬الذي‮ ‬أثيرَ‮ ‬في‮ ‬أواسط العام‮ ‬1954 من القرن الماضي‮ ‬حول‮ "‬مؤتمر بحمدون‮" ‬الذي‮ ‬دعت إليه‮ "‬جمعيةُ‮ ‬أصدقاء الشرق الأوسط‮" (‬الأمريكية‮) ‬وكانت الدعوة قد وصلت الشيخ‮ "‬محمّد حسين كاشف الغطاء‮" ‬في‮ ‬العراق‮ "‬النجف‮" ‬من قبل‮  ‬كارلند إيفانز هوبنكز‮ "‬نائب رئيس الجمعية‮" ‬والهدف منه‮ - ‬كما تحدِّد بطاقة الدعوة‮ - ‬دراسة القيم الروحية للديانتين الإسلامية والمسيحية وتحديد موقفهما من الأفكار المادّية الإلحادية،‮ ‬ولكن‮ " ‬كاشف الغطاء‮" ‬كان قد اعتذر عن حضور المؤتمر،‮ ‬بل شكّك بنواياه حيثُ‮ ‬أرسلَ‮ ‬جواباً‮ ‬مطوَّلاً‮ ‬بعنوان‮ "‬المُثل العليا في‮ ‬الإسلام لا في‮ ‬بحمدون‮"‬،‮ ‬وكان اليسار العراقي‮ ‬هو من قام بترويج ذلك الخطاب الذي‮ ‬طُبعَ‮ ‬على شكل كرّاس لفضحِ‮ ‬أهداف المؤتمر الذي‮ ‬قيل إنَّ‮ ‬جهاتٍ‮ ‬مخابراتية أمريكية تقف وراءه‮.‬
- IV -
    وفي‮ ‬بيروت تعرّفتُ‮ ‬على الروائي‮ ‬غسّان كنفاني‮ ‬رئيس تحرير مجلة الهدف،‮ ‬وذلك ما قامت بتأمينه لي‮ ‬قيادةُ‮ ‬الحزب الشيوعي‮ ‬اللبناني،‮ ‬وكنتُ‮ ‬قد قرأتُ‮ ‬له بعضَ‮ ‬كتبهِ‮ ‬ودراساتٍ‮ ‬له في‮ ‬الستينات،‮ ‬أتذكرُ‮ ‬منها‮: ‬تعريفُه بشعراء المقاومة،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬محمود درويش،‮ ‬وسميح القاسم،‮ ‬وعن الأدب الصهيوني،‮ ‬إضافةً‮ ‬إلى روايتهِ‮ ‬الشّهيرة‮ "‬رجالٌ‮ ‬في‮ ‬الشمس‮"‬،‮ ‬وبادرَ‮ ‬بإهدائي‮ ‬روايتَه‮ "‬أم سعد‮"‬،‮ ‬وهي‮ ‬من الكُتبِ‮ ‬التي‮ ‬أعتزُّ‮ ‬بها،‮ ‬وبقيَ‮ ‬معي‮ ‬في‮ ‬براغ،‮ ‬وحين عودتي‮ ‬حملتهُ‮ ‬في‮ ‬حقيبتي‮ ‬اليدوية،‮ ‬ولم أضَعْه في‮ ‬حقائبي‮ ‬مع حاجياتي‮ ‬وكتبي‮ ‬التي‮ ‬شحنتُها إلى بغداد،‮ ‬وقد تمّت مصادرتُها لاحقاً‮ ‬مع مكتبتي‮ ‬وثلاث مخطوطات،‮ ‬كنتُ‮ ‬قد أعددْتُها للطبع،‮ ‬من قبل الأجهزة الأمنية العراقية‮. ‬استقبلني‮ ‬غسّان كنفاني‮ ‬بابتسامةٍ‮ ‬عريضةٍ‮ ‬في‮ ‬مقرّ‮ ‬المجلة في‮ ‬كورنيش المزرعة على ما أتذكّر،‮ ‬وطلبَ‮ ‬من المصوّر تصويري‮ ‬لأرشيف المجلة،‮ ‬وخلال حديثي‮ ‬معه كان أحد الصحفيين‮ ‬يدوّنُ‮ ‬بعضَ‮ ‬ما أقوله‮. ‬لا أتذكّرُ‮ ‬إنْ‮ ‬كان قد نشر شيئاً‮ ‬بعد مقابلتي‮ ‬أو لم‮ ‬ينشر،‮ ‬لكنّه‮ - ‬على ما أذكر جيداً‮ - ‬كان‮ ‬يتمنّى أن تنصبَّ‮ ‬جهودُ‮ ‬الوطنيّين واليساريين لمواجهةِ‮ ‬العدوان الصهيوني‮ ‬والمخطّطات الإمبريالية‮. ‬ذكّرني‮ ‬الصّديق صلاح صلاح،‮ ‬حيث تستمرُّ‮ ‬صداقتُنا منذُ‮ ‬عقودٍ‮ ‬من الزمان،‮ ‬أنّه سمع لأوّل مرّة عنّي‮ ‬من‮ ‬غسّان كنفاني،‮ ‬وحتى قبلَ‮ ‬أن نلتقي،‮ ‬إضافة إلى قياداتٍ‮ ‬فلسطينية لاحقاً،‮ ‬حيث جاء اللّقاءُ‮ ‬الأوّل بيننا بعد ذلك بسنوات،‮ ‬لكننا كنّا نعرفُ‮ ‬بعضَنا قبل هذا التاريخ،‮ ‬وهو ما تناوله بشيء من التفصيل في‮ ‬كلمته عند تكريمي‮ ‬في‮ ‬بيروت العام‮ ‬2006‮.‬ 
كمْ‮ ‬حزنتُ‮ ‬لفقدان ذاك المبدعِ‮ ‬اللاّمع وهو في‮ ‬ريعان شبابه وأوجِ‮ ‬عطائه،‮ ‬حيث كان قد استكمل أدواتِه الفنية ونضجت تجرِبتُه،‮ ‬حتّى ترصّد له جهاز المخابرات الإسرائيلية‮ (‬الموساد‮) ‬وقامت‮ ‬يدُ‮ ‬الغدر بتفجير سيارته في‮ ‬منطقة الحازمية في‮ ‬8 تموز‮ (‬يوليو‮) ‬العام‮ ‬1972‮.‬ 
رحل ولم‮ ‬يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر،‮ ‬وكانت تلك واحدةً‮ ‬من الصّدماتِ‮ ‬التي‮ ‬صُعقتُ‮ ‬بها،‮ ‬وما عاظَمَ‮ ‬ألمي‮ ‬هو محاولة اغتيال العقلِ‮ ‬الفلسطيني‮ ‬والمثقفِ‮ ‬الفلسطيني‮ ‬والإبداعِ‮ ‬الفلسطيني‮. ‬والفلسطينيون لم‮ ‬يقدّموا مناضلين ومقاومين كبار فحسب،‮ ‬بل‮ "‬مبدعين كبار‮" ‬مثل‮ ‬غسّان كنفاني‮ ‬ومحمود درويش وإدوارد سعيد وإميل حبيبي‮ ‬وناجي‮ ‬العلي،‮ ‬وغيرهم‮.‬
- V -
لم أكن في‮ ‬ذلك الحين قد اطّلعت على فكر شارل مالك ودوره الرّيادي،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬وضع‮ "‬الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان‮" ‬عام‮ ‬1948 بالتّعاون مع البروفيسور الفرنسي‮ "‬رينيه كاسان‮" ‬وتشينغ‮ ‬الصيني‮ ‬الكونفوشيوسي‮  ‬والسيدة‮ "‬إليانور روزفلت‮"‬،‮ ‬ولكنّني‮ ‬حين قرأت مقدّمته‮ "‬العبقرية‮" ‬في‮ ‬وقت لاحق تأكدت أنّ‮ ‬فلسفته كانت وراء الصياغة المُحْكمة لتلك‮ "‬المصكوكة‮" ‬الدولية،‮ ‬وبعدها كتبتُ‮ ‬عنه مقالةً‮ ‬بعنوان‮ "‬شارل مالك الكبير ولبنان الصّغير‮" ‬وحين حضرتُ‮ ‬الاحتفال الخمسيني‮ ‬لصدور الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان 1998 وتجوّلت في‮ ‬قصر"شايو‮" ‬في‮ ‬ساحة تروكاديرو‮ (‬باريس‮)‬،‮ ‬شعرت أنّ‮ ‬روحَه تخيّمُ‮ ‬على أروقةِ‮ ‬المكانِ‮ ‬النابضِ‮ ‬بتفاصيله‮. ‬وكنتُ‮ ‬قد خصّصتُ‮ ‬خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكثرَ‮ ‬من مبحث لي‮ ‬وأكثر من محاضرة وإضاءة عنه‮.‬
وكما‮ ‬يقول جبران‮: "‬لبنان‮ ‬يا أسمى المعالي‮ ‬لم‮ ‬يزلْ‮ / ‬لأُولي‮ ‬القرائحِ‮ ‬مصدرَ‮ ‬الإيحاءِ‮"‬
وطن الكفاءات الّذي‮ ‬أنجب كباراً‮ ‬في‮ ‬الفكر والعلم والأدب والفنّ،‮ ‬من صاحب‮ "‬النبي‮" ‬وعواصفِ‮ ‬روحهِ‮ ‬الملتحفّةِ‮ ‬بالتمرّدِ‮ ‬والنهوض،‮ ‬إلى رحلات أمين الريحاني‮ ‬المتدفّقة في‮ ‬حبْرهِ‮ ‬الحي،‮  ‬و"سبعون‮" ‬ميخائيل نعيمة‮ "‬الفيلسوف البليغ‮ ‬إلى أدب‮ "‬مي‮ ‬زيادة‮" ‬ورسائلها الشغوف،‮ ‬و"معضلة اللّغة‮" ‬التي‮ ‬وضعت‮ "‬الفيلسوف كمال‮ ‬يوسف الحاج‮" ‬أمام معضلة القومية،‮ ‬وميشال شيحا المفكّر اللّبناني‮ ‬المتقدّم على عصره،‮ ‬وموسوعية البستاني‮ ‬وبلاغة اليازجي‮ ‬ومورد البعلبكي‮ ‬الأكبر‮... ‬وكيف ننسى‮ "‬حسن كامل الصبّاح‮" ‬الذي‮ ‬حلم بحياكة ليلنا من خيوط الشمس ومايكل دبغي‮ ‬الذي‮ ‬نسج جروحات قلوبنا؟‮.. ‬أمّا‮ "‬سيّدة الجلالة‮" ‬فكانت أنثى لبنان الغنوج حيث رياديّة‮ ‬غسان تويني‮ ‬وكامل مروة وسليم الّلوزي‮ ‬وميشال أبو جودة وطلال سلمان والقائمة مفتوحة‮ ....‬ألا تكفي‮ ‬هذه الكوكبةُ‮ ‬التي‮ ‬أسّستْ‮ ‬مع الفكر الفلسفي‮ ‬التنويري‮ ‬المعاصر من موسى وهبة وناصيف نصار وغيرهم،‮ ‬وأسراباً‮ ‬محلّقة من الشعراء المُحدثين أمثال إلياس أبو شبكة والأخطل الصغير وخليل مطران وسعيد عقل وإلياس خوري‮ ‬وأنسي‮ ‬الحاج وجوزيف حرب وطلال حيدر وغيرهم،‮ ‬وعديد من الفقهاء القانونيين وعلماء اجتماع واقتصاد؟إنّها بيروت تخاطرني‮ ‬وأتماهاها بصوت فيروز الملائكي‮ ‬وتلاحين فكر الأخوين الرحباني‮ ‬الانسيابي‮ ‬الإصلاحي‮ ‬و"ثورة الفلاحين‮" ‬وأغاريد‮ "‬نصري‮ ‬شمس الدّين‮" ‬لأن لبنان‮ "‬راجع‮ ‬يتعمّر‮" ‬كما خلّده زكي‮ ‬ناصيف،‮ ‬وتُسائل حنيني‮ ‬مواويل وديع الصافي‮:‬
‮"‬لبنان‮ ‬يا قطعة سما‮ / ‬اسمك على شفافي‮ ‬صلا‮"‬
- VI -
حين انتهت الحرب الأهلية وأُبرمَ‮ ‬اتّفاق الطائف تكرّرت زياراتي‮ ‬لبيروت وعندما قرّرتُ‮ ‬أن أترك لندن لم أفكّرْ‮ ‬أن أستقرَّ‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مدينة عربية‮ ‬غير بيروت،‮ ‬مع أن علاقتي‮ ‬بدمشق فيها الكثير من الحميمية مثلما هي‮ ‬علاقتي‮ ‬الودّية مع القاهرة‮. ‬وبغداد التي‮ ‬تسكنني‮ ‬لا زالت بعين العاصفة‮... ‬إذاً‮ ‬هي‮ ‬بيروت ذاتُ‮ ‬الأوتار الخاصة،‮ ‬وحيثما‮ ‬يشعر المرء بالحريّة فذلك وطنه‮. ‬وكما‮ ‬يقول الكاتب المسرحي‮ ‬اليوناني‮ ‬أريستوفان‮ "‬الوطن هو حيث‮ ‬يكون المرء بخير‮" ‬وبيروت دائماً‮ ‬تجعلني‮ ‬بخير‮. ‬
إنها مكتوبةٌ‮ ‬بالماء،‮ ‬وياسمينُ‮ ‬كلِّ‮ ‬حبٍّ،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬أنجبت‮ "‬عشتار‮" ‬الآلهة التي‮ ‬تعمّدت بأحشاء الموج،‮ ‬أمُّ‮ ‬الشرائع هي،‮ ‬وتوأم الزمن ما كتبه ننّوس اليوناني‮ ‬في‮ ‬القرن الخامس الميلادي‮.‬
قالت كلمتها بيروتُ،‮ ‬فكان الله فعل كمال‮... ‬سمائيةُ‮ ‬البحار هاتيك معاصرةُ‮ ‬الأبد،‮ ‬امرأةٌ‮ "‬كانت تدعى الحرّية‮"‬،‮ ‬حتّى‮ "‬دفعت الجزية عن كلّ‮ ‬الكلمات‮"‬،‮ ‬يا ستّ‮ ‬الدّنيا‮ ‬يا بيروت‮/ ‬يا حيث كتبنا الشِّعر‮...‬
    بيروت التي‮ ‬جُبلت بالمحن والمعاناة احتضنت اللاجئين والنازحين والطامحين وعشّاق الجمال،‮ ‬هاتِه أشكلَةُ‮ ‬مدينة بفعل أبجدية الخلود تُحاكي‮ ‬ما بعد الوجود وتُحيي‮ ‬الزّمان،‮ ‬تُعمِّد الآلهةَ‮ ‬بتراتيل الحرّية
    بيروت‮ "‬إنّ‮ ‬الدّنيا بعدك ليست تكفينا‮...".‬
    الآن عرفنا‮... ‬أنّ‮ ‬جذورك ضاربة فينا‮...".‬
‮ ‬    قال فيها الشاعر أحمد شوقي‮:‬
‮"‬لبنان والخلـد اختــــراع الله لـم‮ / ‬يـزدن بـأحـسن مــنهمــا ملكـوتـُه
هو ذروة في‮ ‬الحسن‮ ‬غيرُ‮ ‬مرومة‮ / ‬وذرى البراعة والحجى بيروتُه‮"‬
    "لن أنسى هذا الدفءَ‮ ‬مثل هذه الدقائق تتداخل في‮ ‬وجودنا كاللّحظات الأخيرة بانتظار أول موعد‮ ‬غرامي‮" ‬حيث أنفاس الشاعر‮ "‬موريس باريس‮" ‬الشجية تحيكُ‮ ‬وشيَ‮ ‬الثقافة الفوّاح‮. ‬وتقاسيم روح‮ "‬الجواهري‮" ‬تردّد‮: ‬
لبنان‮ ‬يا خمري‮ ‬وطيبي‮ / ‬هلاّ‮ ‬لَممْتِ‮ ‬حُطامَ‮ ‬كوبي
هــلاّ‮ ‬عطفتِ‮ ‬لي‮ ‬الصبا‮ / ‬نشـوانَ‮ ‬يرفلُ‮ ‬بالذّنـوبِ
إنها‮  ‬بيروت تلك الذاكرة الملعونة التي‮ ‬تستحقّ‮ ‬كل السّمو والإجلال والخشوع‮.‬
نُشرت في‮ ‬مجلة‮ "‬أفق‮" ‬مؤسسة الفكر العربي‮ ‬تحت عنوان‮: ‬
بيروت التي‮ ‬تستحقّ‮ ‬كلّ‮ ‬السموّ‮ ‬والإجلال والخشوع‮ ‬
‮ ‬تشرين الأول‮ (‬أكتوبر‮) ‬2020

‮{   ‬أكاديمي‮ ‬وأديب عراقي‮ ‬
 

عدد المشـاهدات 18   تاريخ الإضافـة 21/11/2020   رقم المحتوى 44509
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2020/11/25   توقيـت بغداد
تابعنا على