00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  عزيز محمد‮ ‬يواصل الإتصال بالرفيق باقر إبراهيم

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

عزيز محمد‮ ‬يواصل الإتصال بالرفيق باقر إبراهيم
شيوعيـة بـلا جنـاح‮.. ‬الإستعبار والإستبصار
عبد الحسين شعبان‮ ‬
‮"‬ليت لي‮ ‬رقبة كرقبة البعير كي‮ ‬أزن الكلام قبل النطق به‮"‬
الإمام علي
يحار المرء كيف تتحوّل علاقات تاريخية وصداقية ومصيرية بين رفاق الأمس إلى بغضاء وكراهية وحقد وانتقام وثأر،‮ ‬وذلك بسبب اختلاف الرأي‮ ‬،‮ ‬وقد احتدم الجدل والنقاش عالياً‮ ‬بتطورات الحرب العراقية‮ - ‬الإيرانية وقضايا الاستراتيجية والتكتيك،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأن القوات الإيرانية كانت تهدد باحتلال العراق وفرض نظام موال لها،‮ ‬وذلك بعد معركة المحمّرة وانسحاب الجيش العراقي‮ ‬من الأراضي‮ ‬الإيرانية في‮ ‬العام‮ ‬1982 ‮ ‬وبغض النظر عن أن النظام العراقي‮ ‬بدأ الحرب وأن إيران واصلتها طيلة السنوات الست الأخيرة،‮ ‬فإنها لم تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية وألحقت ضرراً‮ ‬بليغاً‮ ‬بالشعبين والدولتين الجارتين‮. ‬وكان الموقف من الحرب والمشروع الحربي‮ ‬والسياسي‮ ‬الإيراني‮ ‬أحد عناصر الاختلاف بين المجموعتين الحزبيتين،‮ ‬حيث أخذت شقة الخلاف تتسع والمسافة تتباعد‮.‬
وإذا كانت الأصوات المعترضة قد بدأت بتحرك عربي‮ ‬بتوقيع مذكرات وبيانات وكتابة مقالات متمايزة عن الموقف الحزبوي‮ ‬رسمياً،‮ ‬فإنها أخذت تزداد بانضمام زكي‮ ‬خيري‮ ‬وفيما بعد عامر عبدالله وباقر ابراهيم وحسين سلطان،‮ ‬وشبكة واسعة من الكادر كانت تثير نقاشات داخل التنظيم،‮ ‬وقد جرت اتصالات ولقاءات بين العديد من الرفاق تمخّضت عن صدور وثيقة في‮ ‬15/11/1984 ‮ ‬تحت عنوان‮ : "‬من وحي‮ ‬اليوبيل الذهبي‮ ‬الخمسين للحزب الشيوعي‮ ‬العراقي‮: ‬حديث صريح في‮ ‬الهموم والآمال‮ "‬،‮  ‬وقد أعادت المنبر نشرها بعنوان‮ : " ‬معالم الأزمة في‮ ‬حزبنا الشيوعي‮ ‬العراقي‮: ‬آراء ومواقف،‮ ‬كانون الأول‮ (‬ديـــسمبر‮) ‬1987 .
 وجاء في‮ ‬التقديم الذي‮ ‬خطّه كاتب السطور باسم هيئة تحرير المنبر‮ " ‬وتتوخى المنبر تقديم رؤيتها الجديدة للعملية الثورية التي‮ ‬تواجه الحركة الشيوعية والعمالية العالمية بما‮ ‬ينسجم مع التطورات والمتغيّرات التي‮ ‬أفرزتها الحياة،‮ ‬سواء على الصعد العراقية أم العربية أم الإقليمية أم الأممية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬بذلك تدخل حلبة الصراع المحتدم منذ سنوات كتيار شيوعي‮ ‬متميز‮ ‬يسعى من خلال الحوار والجدل وإثارة النقاش إلى خلق رؤية جديدة متطورة‮"‬
وكانت الوثيقة الأصلية قد صدرت بتوافق بين نوري‮ ‬عبد الرزاق ومهدي‮ ‬الحافظ ومجموعة واسعة من الكادر،‮ ‬وأعدّ‮ ‬صياغتها النهائية مهدي‮ ‬الحافظ،‮ ‬وجاء فيها أن الاجتماع الأخير للجنة المركزية‮ (‬حزيران‮/‬يونيو‮/‬1984) " سجّل بدايات انفجار التناقضات الداخلية وظهور الأزمة إلى السطح مما‮ ‬ينبئ بتطورات خطيرة على صعيد الوحدة التنظيمية والمسار السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬للحركة الشيوعية العراقية،‮ ‬فبدلاً‮ ‬من اعتماد مبدأ صراع الآراء وتفاعلها وإتاحة‮  ‬الفرصة لحوار ديمقراطي‮ ‬موضوعي‮ ‬وبنّاء جرى اللجوء إلى اتخاذ قرارات بيروقراطية وغير شرعية ضد جمهرة من أعضاء بارزين في‮ ‬المكتب السياسي‮ ‬واللجنة المركزية وكوادر متقدمة في‮ ‬عدّة منظمات حزبية وإشاعة جو من التهديد بالطرد والعقوبات التعسفية إزاء أي‮ ‬مظهر من مظاهر النقر والاعتراض على الأوضاع الداخلية الشاذة‮".‬
وتناولت الوثيقة بالنقد،‮ ‬السياسة العملية للحزب وشعاره المركزي‮ " ‬إسقاط الدكتاتورية وإقامة حكومة ائتلاف وطني‮ ‬ديمقراطي‮ "  ‬وتجربة الكفاح المسلح والخسائر المؤلمة والقاسية،‮ ‬خصوصاً‮ ‬ما حصل في‮ ‬بشتاشان،‮ ‬وردود الفعل إزاء الهجوم الغادر لقوات‮ "‬أوك‮" ‬1983? والموقف من تطورات الحرب العراقية‮- ‬الإيرانية،‮ ‬بعد تحرير إيران لأراضيها،‮ ‬وإصرار النظام الإيراني‮ ‬على مواصلة الحرب داخل العراق،‮ ‬بتغيير طابع الحرب،‮ ‬بعد أن تحوّلت إلى حرب استنزاف خطيرة لطاقات البلدين،‮ ‬وتوقفت عند الموقف المرتبك للقيادة الرسمية من اجتياح القوات الإيرانية للأراضي‮ ‬العراقية،‮ ‬كما انتقدتها من تعويم الموقف من قضايا النضال الفلسطيني‮ .‬
واختتمت الوثيقة بفقرة خاصة حول‮ "‬أزمة القيادة وسيادة البيروقراطية‮" ‬،‮ ‬جاء فيها‮: ‬الواقع أن أزمة القيادة تمثل السمة الرئيسية للوضع الشاذ في‮ ‬الحزب وتتّخذ مظاهر صارخة على صعيد كفاءتها وأسلوب عملها،‮ ‬فبالنسبة للكفاءة‮ ‬،‮ ‬أصبحت هذه النقطة الجوهرية،‮ ‬موضع نقد مر وشكوى أليمة على نطاق واسع،‮ ‬وانعكس ضعف الكفاءة في‮ ‬العجز عن تأدية المهمات القيادية بنجاح وفعالية،‮ ‬وفي‮ ‬الوقوع في‮ ‬سلسلة من الأخطاء والانحرافات،‮ ‬وتكبيد الحزب وجماهير الشعب خسائر وتضحيات متوالية وغالية‮.‬
وأضافت الوثيقة‮ : ‬أن أزمة إدارة الحزب تمثّلت أيضاً‮ ‬في‮ ‬الجمود والفوضى وضعف المبادرة وبتدني‮ ‬عطائها الفكري‮ ‬والسياسي‮ ‬وبضحالة المعالجات المطروحة لمشكلات البلاد والمنطقة،‮ ‬فبدلاً‮ ‬من إجهاد النفس والتصدي‮ ‬الواعي‮ ‬والمدروس لهذه المشكلات،‮ ‬جرى الركون إلى حلول ومواقف مبسطة وعامة،‮ ‬وبذلك أصبح العجز والاتكالية سمة مميزة للوضع القيادي‮ ‬وأسفر عن قناعات وممارسات ضارة وخاطئة لا تمت بصلة للنظرية الماركسية،‮ ‬ولا لمعطيات الواقع الموضوعي،‮ ‬ولا تسهم في‮ ‬دفع الحركة الثورية وتطويرها إلى الأمام‮.‬
وأضافت‮: ‬ومن حيث أسلوب العمل،‮ ‬فالقيادة سواء المكتب السياسي‮ ‬أو اللجنة المركزية‮ ‬،‮ ‬لا تعمل كوحدة متجانسة ومتكاتفة،‮ ‬بسبب سوء التوجيه والفوضى والتباعد،‮ ‬وتجاوز مبدأ القيادة الجماعية وحصر العمل القيادي‮ ‬الحقيقي‮ ‬في‮ ‬بضعة أفراد،‮ ‬بحجة سرية العمل ومقتضيات الظروف الصعبة التي‮ ‬يمر بها الحزب،‮ ‬وترتّب على ذلك شلّ‮ ‬الفعل الموجه والموحّد للقيادة وبروز تناقضات في‮ ‬مواقف الحزب وأدبياته في‮ ‬أحيان كثيرة،‮ ‬ومن ناحية أخرى‮ ‬،‮ ‬فالعلاقات بين أعضائها باتت مثقلة بالعقد والمشاكل الشخصية والنفسية،‮ ‬مما‮ ‬غذّى النزعات الوصولية وأشاع جواً‮ ‬من المداهنة والتآمر والمكائد بين الكوادر‮ .‬
والخلاصة لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعزى ذلك كله‮ ‬،‮ ‬لصعوبات النضال والظروف القاسية والمعقدة الراهنة فقط،‮ ‬بل وإلى مكامن وأوجه الخلل في‮ ‬قوام قيادته وأهليته،‮ ‬التي‮ ‬أثبتت تجربة الإخفاقات والانتكاسات العميقة والمتوالية منذ الاجتماع الموسع للجنة المركزية في‮ ‬تموز‮ ‬1959 (وخاصة بعد الغياب المفجع للقيادة الأممية الباسلة للرفيقين سلام عادل وجمال الحيدري‮) ‬إنها المسؤولة وبشخص أبرز وجوهها الحاليين عن جميع الانحرافات‮ "‬اليمينية‮" ‬و‮" ‬اليسارية‮" ‬التي‮ ‬وقع الحزب فيها،‮ ‬وأنها الواقفة بعناد وبطرق مختلفة في‮ ‬وجه أي‮ ‬تجديد لتركيب الهيئات القيادية،‮ ‬ولاسيّما المكتب السياسي،‮ ‬وضد إشاعة الديمقراطية والشرعية في‮ ‬الحياة الداخلية،‮ ‬بالإضافة إلى مقاومتها أي‮ ‬تطوير لأساليب عمل الحزب بما‮ ‬ينسجم وروح العصر والتطورات الحاصلة في‮ ‬الحركة الشيوعية العالمية وبما‮ ‬يكفل تعزيز طاقات وإمكانات الحزب لتحقيق رسالته التاريخية وأهداف الطبقة العاملة والجماهير الشعبية‮. ‬
ولفتت الوثيقة النظر إلى بعض المؤشرات المقلقة والظواهر المحزنة التي‮ ‬برزت للعيان منذ الاجتماع الأخير للجنة المركزية وبهدف أخذها بالتدبّر والحسبان من جانب كل الحريصين على وحدة الحزب ومستقبل نضاله والعاملين‮  ‬لإنهاضه من كبوته واستعادة دوره الكبير في‮ ‬النضال ضد الدكتاتورية والرجعية ومن أجل مستقبل سعيد ووضاء لوطننا وشعبنا‮.‬
إدارة الحزب والهجرة
أود الاعتذار للقارئ لهذه الاقتباسات المطوّلة،‮ ‬إلّا أنها تعطي‮ ‬فكرة واضحة ورؤية شاملة لوجهات النظر السائدة آنذاك وما آلت إليه الأمور لاحقاً،‮ ‬علماً‮ ‬بأن هذه الوثيقة شكّلت خلفية تقويمية لحركة المنبر،‮ ‬لاسيّما صدور البيان باسم الرفاق الستة بعد اعتذار عامر عبدالله وباقر ابراهيم وتأجيل موقفهما انتظاراً‮ ‬إلى ما ستتمخض عليه لقاءاتهما مع الرفيق عزيز محمد،‮ ‬لكن التنظيم الرسمي‮ ‬بإدارة عزيز محمد،‮ ‬بدأ بشن حملة ضد باقر ابراهيم وعامر عبدالله،‮ ‬حيث طالب فخري‮ ‬كريم قبل ذلك بتجميد عضويتهما في‮ ‬إدارة الحزب،‮ ‬كما‮ ‬يذكر باقر ابراهيم في‮ ‬مذكراته،‮ ‬وبعد فصل باقر ابراهيم في‮ ‬العام‮ ‬1989? حوسب عامر عبدالله من جانب‮ ‬3 رفاق آخرين باسم‮ "‬إدارة الحزب‮" ‬التي‮ ‬وزّعت محضراً‮ ‬لذلك اللقاء،‮ ‬وكان أحدهم‮ ‬يضع المحضر بجيبه ليطلع بعض الرفاق عليه،‮ ‬ممن‮ ‬يعنيهم الأمر ومن لا‮ ‬يعنيهم‮. ‬واعتبر العديد من الرفاق توزيع المحضر بمثابة إنذار أخير بالفصل أو ربما الفصل صمتاً‮ ‬لعامر عبدالله،‮ ‬أي‮ ‬الإبقاء عليه معلقاً‮ ‬كي‮ ‬لا‮ ‬يتخذ موقفاً‮ ‬كرد فعل حاد‮ ‬،‮ ‬مثلما فعل باقر ابراهيم بعد فصله الذي‮ ‬اندفع بإعلان وجهات نظره بشكل واضح وصريح،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬بعد فشل جميع رهاناته على إصلاح الأوضاع،‮ ‬علماً‮ ‬بأن علاقات عامر عبدالله وتأثيره العربي‮ ‬والدولي‮ ‬كان أوسع وأكثر تنوّعاً‮ ‬من علاقات باقر ابراهيم الذي‮ ‬اختص بالتنظيم ويكاد‮ ‬يعرف الغالبية الساحقة من كوادر الحزب وقواه الأساسية‮.‬
ومع كل ما حصل للرفيق باقر ابراهيم من إساءات واتهامات وتشكيك،‮ ‬فإن الرفيق عزيز محمد استمر في‮ ‬لقائه لأكثر من مرّة وعلى الأقل الاتصال به تلفونياً‮ ‬بعد أن استقر باقر ابراهيم في‮ ‬السويد‮ (‬هيلسنبورغ‮)‬،‮ ‬وكانت إدارات الحزب قد اتجهت إلى الحصول على اللجوء عشية وبُعيد‮ ‬غزو الكويت،‮ ‬فحتى السكرتير العام عزيز محمد حاول الحصول على إقامة في‮ ‬السويد للحاق بعائلته التي‮ ‬لجأت إليها،‮ ‬ولكي‮ ‬تكتمل صورة المشهد‮ ‬يمكن قراءة تضاريس الخريطة الجغرافية التي‮ ‬توزّعت عليها إدارة الحزب‮.‬
فاستمر كاظم حبيب في‮ ‬عيشه بألمانيا والتحق به حميد مجيد موسى وعمر علي‮ ‬الشيخ وسليم اسماعيل في‮ ‬لمّ‮ ‬الشمل مع عوائلهم في‮ ‬ألمانيا وكذلك الدكتورة نزيهة الدليمي،‮ ‬أما عبد الرزاق الصافي‮  ‬فقد قدّم للجوء السياسي‮ ‬في‮ ‬لندن وكذلك عامر عبدالله ورحيم عجينة وبشرى برتو وعادل حبه وعدنان عباس،‮ ‬في‮ ‬حين استمرّ‮ ‬وآرا خاجادور للعيش‮  ‬في‮ ‬براغ،‮ ‬واتجه جاسم الحلوائي‮ ‬من صوفيا إلى‮  ‬كوبنهاغن،‮ ‬ولجأ أحمد باني‮ ‬خيلاني‮ ‬وفاتح رسول إلى السويد واستمر نوري‮ ‬عبد الرزاق في‮ ‬محل إقامته بالقاهرة،‮ ‬ومهدي‮ ‬الحافظ في‮ ‬فيينا وفخري‮ ‬كريم في‮ ‬دمشق،‮ ‬واضطر بعض إداريي‮  ‬الحزب العودة إلى العراق مثل حسين سلطان وناصر عبود وماجد عبد الرضا وعبد الوهاب طاهر،‮ ‬وكان تلك الاصطفافات عشية عملية‮ ‬غزو الكويت‮ ‬1990 وبُعيدها،‮ ‬لكن الصراعات لم تهدأ بين أطرافها،‮ ‬وكانت حركة المنبر قد أعلنت أن الصراع استنفذ أغراضه ولا بدّ‮ ‬من رؤية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار التطورات الجديدة خارج دائرة الحساسية الحزبية،‮ ‬وذلك في‮ ‬ربيع العام‮ ‬1991 بعد لقاء القاهرة بدعوة من منظمة التضامن الآفرو‮- ‬آسيوي‮ ‬لشخصيات عراقية‮.‬
باقر ابراهيم وأمانة التنظيم
كان باقر ابراهيم أميناً‮ ‬للتنظيم الحزبي‮ ‬لنحو ربع قرن من الزمان وذلك منذ العام‮ ‬1961 ولغاية العام‮ ‬1984? وعلى العموم وحسبما نعرف كان مسالماً‮ ‬وهادئاً‮ ‬ومعتدلاً،‮ ‬وفي‮ ‬الغالب فهو‮ ‬يسمع ويصغي‮ ‬أكثر مما‮ ‬يتحدث ويصرّح،‮ ‬وقد لعب دوراً‮ ‬كبيراً‮ ‬على رأس منطقة الفرات الأوسط في‮ ‬العام‮ ‬1963? لاسيّما في‮ ‬ريف النجف والكوفة والشامية والحلّة،‮ ‬وكان معه زكي‮ ‬خيري‮ ‬المعاقب حينها بشأن اتهامه مع كتلة الأربعة وعدنان عباس وآخرين‮.‬
وخلال ما تعرّض له الحزب من هجوم في‮ ‬العام‮ ‬1970? كان على رأس التنظيم في‮ ‬بغداد،‮ ‬وحين تعرّض الحزب إلى عملية إلغاء وملاحقة ومطاردة من جانب الأجهزة الأمنية‮  ‬في‮ ‬نهاية السبعينات‮ (‬1978-1979) بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية مع حزب البعث،‮ ‬بقي‮ ‬الرفيق باقر ابراهيم في‮ ‬بغداد،‮ ‬بعد أن أمّن سفر‮ ‬غالبية أعضاء إدارة الحزب،‮ ‬ومعه جاسم الحلوائي‮ ‬الذي‮ ‬نحيّ‮ ‬هو الآخر في‮ ‬المؤتمر الرابع‮ ‬،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يفضل الالتحاق بمجموعة باقر ابراهيم،‮ ‬وانتدب إلى صوفيا ليمثّل الحزب‮.‬
لم‮ ‬يتخذ باقر ابراهيم‮ ‬يوماً‮ ‬موقفاً‮ ‬سياسياً‮ ‬متشدّداً‮ ‬أو موقفاً‮ ‬حزبياً‮ ‬متعصّباً،‮ ‬وكان‮ ‬يعمل بالصمت وبعيداً‮ ‬عن الأضواء باستثناء فترة الجبهة الوطنية التي‮ ‬قضاها بمقر اللجنة المركزية في‮ ‬ساحة عقبة بن نافع،‮ ‬وحضور بعض المؤتمرات الدولية،‮ ‬ومنها مؤتمر الحزب الشيوعي‮ ‬الفرنسي،‮ ‬وحتى في‮ ‬فترة وجوده بالشام وقبل إبعاده ثم فصله من الحزب لم‮ ‬يكن‮ ‬يلتقي‮ ‬سوى عدد قليل من الرفاق وفي‮ ‬الغالب لمهمات حزبية،‮  ‬إلّا أنه بعد تعرّضه لمساءلات واشتداد دائرة المضايقة عليه والتأليب ضده في‮ ‬الشام حاول أن‮ ‬يلتقي‮ ‬عدداً‮ ‬من الرفاق ليشرح وجهة نظره وفي‮ ‬محاولة لاستمالتهم إلى جانبه‮.‬
وقد حاول بُعيد المؤتمر الرابع أن‮ ‬يبدأ تحرّكاً‮  ‬محدوداً‮ ‬جداً‮ ‬وبتردّد في‮ ‬الكثير من الأحيان،‮ ‬فأقام علاقات مع بعض الرفاق وتدريجياً‮ ‬مع بعض قيادات المقاومة الفلسطينية وزار مقراتها والتقى بعض القيادات البعثية في‮ ‬القيادة القومية في‮ ‬الشام‮  ‬مثل‮: ‬فاضل الأنصاري‮ ‬وفوزي‮ ‬الراوي‮ ‬وقبل ذلك عبد الجبار الكبيسي،‮ ‬كما التقى منذز المطلك السفير العراقي‮ ‬في‮ ‬براغ‮ ‬حين وصلها بالترتيب مع عامر عبدالله وحسين سلطان وعدنان عباس فيما بعد،‮  ‬ثم انضم بعد ذلك إلى المؤتمر القومي‮ ‬العربي‮ ‬في‮ ‬أوائل التسعينات وسافر إلى ليبيا على رأس وفد ضم بعض الرفاق،‮ ‬وكتب بعض البيانات أو النداءات ووقع على مذكرات لرفع الحصار وإدانة احتلال العراق‮ (‬قبله وبعده‮).‬
ومع ذلك لحقته اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان وهي‮ ‬أقرب إلى افتراءات رخيصة قسمها الأعظم إن لم تكن جميعها أكاذيب وتحويرات هدفها الإساءة المسبقة كجزء من وسائل الحرب الناعمة ومحاولة التأثير النفسي‮ ‬على الرفاق،‮ ‬ولو تم فحص حقيقة ما‮ ‬يُقال لتم اكتشاف الأباطيل والدعاية السوداء دون عناء كبير،‮ ‬فالمواقف معلنة والحقائق ناصعة،‮ ‬بالصواب والخطأ في‮ ‬الاجتهادات،‮ ‬ومثل تلك الأساليب لا تخرج سوى من ضعفاء النفوس ومن الساعين للتغطية على بعض مواقفهم الذليلة ولا تؤخذ شهادة حاقد أو حانق،‮ ‬فما بالك حين‮ ‬يكون كذوباً‮ ‬وجباناً،‮ ‬ولعلّ‮ ‬من الشجاعة مقارعة الفكرة بالفكرة والرأي‮ ‬بالرأي‮ ‬والحجة بالحجة‮. ‬
ازدواجية السلوك‮ ‬
لم أكن على اتفاق أو توافق طيلة عملي‮ ‬بالحزب وما بعده مع باقر ابراهيم،‮ ‬مع أنه كان على صلة بالتنظيم الجديد الذي‮ ‬أقمناه العام‮ ‬1963? وذلك عن طريق عدنان الخزرجي،‮ ‬وانقطعت هذه الصلة بعد اعتقال الأخير،‮ ‬لكن علاقتي‮ ‬كانت وطيدة جداً‮ ‬وصداقية جداً‮ ‬ومتكافئة جداً‮ ‬معه في‮ ‬كل السنوات التي‮ ‬عرفته فيها عن قرب،‮ ‬وأتذكّر من كان‮ ‬يزوره في‮ ‬ناوزنك‮ (‬نوكان‮) ‬في‮ ‬خيمته أو في‮ ‬بشتاشان من رفاق في‮ ‬غرفته وبعضهم تحوّل من الإعجاب والمديح إلى التنديد والذم،‮  ‬فما إن‮ ‬يخرج واحد ليدخل آخر‮ ‬يكون بالانتظار،‮ ‬ويستمر الأمر من الصباح وحتى العصر،‮ ‬وكان أبو محمد الفلاحي‮ ‬يتندر بقوله‮ : ‬عيادة طبيب،‮ ‬يخرج منها مريض ليدخلها آخر،‮ ‬علماً‮ ‬بأن‮ ‬غرفتي‮ ‬كانت ملاصقة لغرفته التي‮ ‬كان‮ ‬يسكنها مع الرفيقة أم خولة،‮ ‬وكنا نسكن في‮ ‬غرفة واحدة عبد الرزاق الصافي‮ ‬ومهدي‮ ‬عبدالكريم وكاتب السطور،‮ ‬وهي‮ ‬غرف طينية بناها الرفاق‮ ‬،‮ ‬حيث كنّا نعيش في‮ ‬فصيل الإعلام المركزي‮ ‬،‮ ‬بما فيه جهاز الإذاعة‮ " ‬المتحرّك‮".‬
 ولم أدخل‮ ‬غرفة الرفيق أبو خولة سوى مرّة واحدة طيلة الفترة التي‮ ‬انتقلنا بها إلى بشتاشان حتى مغادرتنا لها إثر هجوم‮ "‬أوك‮"‬،‮ ‬وكانت الرفيقة عزيزة‮ "‬أم خولة‮" (‬وقد عشت معاناتها في‮ ‬بشتاشان التي‮ ‬سأذكرها في‮ ‬شهادتي‮ ‬قيد الإنجاز‮) ‬تجهّز لي‮ "‬اللبن الرائب‮" ‬لنحو أربعة أشهر بسبب قرحة في‮ ‬الاثنا عشري‮ ‬كنت أعاني‮ ‬منها واشتدت خلال وجودي‮ ‬في‮ ‬بشتاشان،‮ ‬لكنني‮ ‬أقول بثقة أن إحدى مزايا باقر ابراهيم أنه أخلاقي‮ ‬بامتياز ومهذب بامتياز وفمه معطّر دائماً،‮ ‬ولا‮ ‬يستغيب أحداً،‮ ‬وهو نموذج صادق ويتمتع بروح رفاقية عالية وثقة بالنفس وهدوء داخلي،‮ ‬على الرغم من أن الكيمياء السياسية لم تكن متوافقة بيننا‮.‬
وخلال عملنا المشترك لفترة في‮ ‬الشام‮ ‬،‮ ‬سواء بتكليفي‮ ‬لإعادة نشاط اللجنة الوطنية للسلم والتضامن أو بعض المهمات الخاصة بالعلاقات،‮ ‬أو حين طلبت منه قراءة الكراس الذي‮ ‬نشرته بعنوان‮ " ‬النزاع العراقي‮ - ‬الإيراني‮" ‬بعد أن كان قد أبدى إعجاباً‮ ‬بما كتبته في‮ ‬صحيفة تشرين الدمشقية‮ (‬1980)? فكتب تعليقاً‮ ‬وضعته في‮ ‬غلاف الكتاب،‮ ‬أو فيما بعد لفترة قصيرة بُعيد المؤتمر الرابع،‮ ‬وحتى بعد عدم اتفاقنا على أسلوب العمل،‮ ‬فقد ظلّ‮ ‬باقر ابراهيم ودوداً‮ ‬ومتوازناً‮ ‬في‮ ‬المسؤولية وخارجها،‮ ‬وكم تألّمت حين علمت أن مجموعة من الرفاق في‮ ‬السويد كتبت إلى السلطات السويدية تتهمه بالعلاقة بالمخابرات العراقية،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يعني‮ ‬وصول الخلاف إلى هذه الدرجة من اللّاأخلاقية،‮ ‬فما الذي‮ ‬يتبقى من المبادئ والقيم والأخلاق التي‮ ‬تربينا عليها؟ هكذا بجرّة قلم‮ ‬يتحوّل الرفيق الذي‮ ‬بنى التنظيم وحاول المحافظة عليه إلى مجرد‮ "‬مخبر صغير‮" ‬فأي‮ ‬استحقار هذا للعقل وأي‮ ‬امتهان للمنطق وأي‮ ‬ابتذال للأخلاق؟
وكما‮ ‬يقول الجواهري‮ ‬الكبير‮: ‬
تُريكَ‮ ‬العراقَّي‮ ‬في‮ ‬الحالتينِ‮ … ‬يُسرِفُ‮ ‬في‮ ‬شُحّهِ‮ ‬والنَّدى
ألم‮ ‬يكن‮  ‬جديراً‮ ‬بعزيز محمد أن‮ ‬ينتقد مثل ذلك السلوك المهين بحق رفاق عمره،‮ ‬دع عنك الرفاق الآخرين،‮ ‬بل‮ ‬يضع حداً‮ ‬له‮ ‬،وهو‮ ‬يعرف ما‮ ‬يجري‮ ‬من تداخلات وتخارجات في‮ ‬مثل تلك الصراعات،‮ ‬سواء كان سكرتيراً‮ ‬للحزب أم خارج الإدارة رسمياً،‮ ‬لأنه‮ ‬يدرك ما‮ ‬يمكن أن تتركه‮  ‬مثل تلك الممارسات من ندوب وجروح شخصية،‮ ‬التي‮ ‬كان هو من ضحاياها أيام راية الشغيلة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن تسميم الحياة الحزبية والعلاقات الرفاقية،‮ ‬وفي‮ ‬الكثير من الأحيان ظلّت مثل تلك التركة الثقيلة والمعقّدة وراء الكثير من القرارات بشكل مباشر أو‮ ‬غير مباشر،‮ ‬وتستحضر من العقل الباطني‮ ‬لتتحكم بالمصائر والمستقبل أم أنه نسي‮ ‬ذلك بعد أن تمتع بامتيازات إدارة الحزب؟
لا أقصد عند حديثي‮ ‬عن أي‮ ‬رفيق بما فيهم الرفيق باقر ابراهيم‮ "‬أبو خولة‮" ‬أنه خال من النواقص أو الأخطاء أو المواقف السلبية،‮ ‬فذلك أمر‮ ‬غير ممكن‮ ‬،‮ ‬بما فيه لكاتب السطور الذي‮ ‬كرر ذلك علناً‮ ‬ولأكثر من مرّة،‮ ‬وهو‮ ‬يعتز بأخطائه،‮ ‬لأنها اجتهادات صميمية لم تزكي‮ ‬الحياة بعضها أو أن الزمن‮  ‬تجاوزها وهو‮ ‬يعتزّ‮ ‬باجتهاداته،‮ ‬ومن لا‮ ‬يعمل لا‮ ‬يخطئ،‮ ‬والأمر‮ ‬ينطبق على باقر ابراهيم والآخرين‮. ‬
تقييم شخصي
حين نشرت الحلقة العاشرة سألني‮ ‬أكثر من رفيق وصديق كيف تقيمون عزيز محمد بعد كل ما حصل؟ فقلت له‮: ‬شخصياً‮ ‬لا أحمل أي‮ ‬ضغينة ضد عزيز محمد وإذا تركنا الاجتهاد السياسي‮ ‬جانباً‮ ‬على ما فيه من أخطاء وعيوب وضيق أفق،‮ ‬فليس هو وحده من‮ ‬يتحمل المسؤولية،‮ ‬فالعيب في‮ ‬نظام الإدارة الخاطئ والقواعد الناظمة له،‮ ‬بما فيه ما ورد في‮ ‬كتاب لينين‮ : ‬ما العمل الذي‮ ‬أصدره في‮ ‬العام‮ ‬1903? والذي‮ ‬اعتمد المركزية الديمقراطية‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬جمع نقيضين لا‮ ‬يجتمعان،‮ ‬تلك التي‮ ‬أفرزت تجارب مشوّهة ولا إنسانية في‮ ‬جميع التجارب الشيوعية،‮ ‬سواء في‮ ‬السلطة أم خارجها،‮ ‬وفي‮ ‬العمل السري‮ ‬أم في‮ ‬العمل العلني،‮  ‬وفي‮ ‬بلدان الأصل والفرع كما‮ ‬يُقال‮ ‬،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يحتاج إلى معالجته برؤية جديدة،‮ ‬فما كان صالحاً‮ ‬لبدايات القرن العشرين لم‮ ‬يعد صالحاً‮ ‬لربعه الأخير،‮ ‬فما بالك للقرن الحادي‮ ‬والعشرين،‮ ‬خصوصاً‮ ‬ونحن اليوم على مشارف العقد الثالث منه،‮ ‬حيث بدأ على نحو متسارع الطور الخامس من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي‮. ‬
ولم تكن تلك القواعد التنظيمية حكراً‮ ‬على الأحزاب الشيوعية فقد اقتبستها بتقليد ميكافيلي‮ ‬واستنساخ آلي‮ ‬الغالبية الساحقة من الأحزاب القومية والدينية الإسلامية وجميع الأحزاب الشمولية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬اقتنعت بالوصفة اللينينية وطبعتها الستالينية‮ ‬،‮ ‬فأنتجت دكتاتوريات سافرة وأنظمة استبداد خارقة،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬ظروف العالم الثالث،‮ ‬حيث التخلف والجهل والفقر،‮ ‬فزاد الأمر استلاباً‮ ‬لحقوق العضو الحزبي‮ ‬واقترب من العبودية أحياناً،‮ ‬لاسيّما حين قفزت الأحزاب إلى السلطة وأصبحت حاكمة،‮ ‬فبضربة واحدة أطاح صدام حسين بثلث قيادته القطرية وأرسله إلى المقابر،‮ ‬ومعه نحو‮ ‬20 كادراً‮ ‬قيادياً،‮ ‬إضافة إلى نحو‮ ‬33 كادراً‮ ‬قيادياً‮ ‬آخر حكموا بأحكام‮ ‬غليظة،‮ ‬خرج منهم بعد أربع سنوت‮ ‬17 شخصاً‮ ‬فقط،‮ ‬أما الآخرين فقد فارقوا الحياة في‮ ‬ظروف معروفة،‮ ‬كل ذلك ليثبت أن ثمة مؤامرة خطيرة أرادت الإطاحة بالحزب والثورة والمنجزات‮.‬
لكن ذلك لا‮ ‬يعفي‮ ‬عزيز محمد من المسؤولية الخطيرة التي‮ ‬تقع على عاتقه،‮ ‬مع أنني‮ ‬حاولت أن أتفهم ظروفه والعاملين معه والطاقم القيادي‮ ‬الذي‮ ‬شاركه في‮ ‬الظروف شبه الطبيعية في‮ ‬العراق،‮ ‬في‮ ‬حين اختلف الأمر في‮ ‬الخارج،‮ ‬فكان عليه تقديم استقالته إنْ‮ ‬لم‮ ‬يكن قادراً‮ ‬على مواجهة الصقور أو العمل على استخدام صلاحياته ونفوذه لوقف عملية تدهور أوضاع الحزب في‮ ‬ظل إدارته،‮ ‬وإلّا فإن ترك الحبل على الغارب وعدم تحريك ساكن،‮ ‬كان خطيئة لا تغتفر‮ ‬يتحملّها هو بالذات،‮ ‬ومع ذلك‮ ‬ينبغي‮ ‬أن ننقي‮ ‬قلوبنا من الأحقاد والضغائن،‮ ‬وأن نبتعد عن الثأر والانتقام لأن ذلك نقيض للقيم الإنسانية التي‮ ‬نزعم الدفاع عنها،‮ ‬فالوسيلة جزء من الغاية،‮ ‬بل إنها تمثل شرف الغاية،‮ ‬ولذلك كانت نبرة النقد الذاتي‮ ‬عالية للأخطاء والنواقص والعيوب ؛
استعادات
 أستعيد هنا ثلاث مواقف للاستعبار‮ ‬،‮ ‬خصوصاً‮ ‬وأن شهودها أحياء‮ :‬
الأول‮ -  ‬ما ذكره الرفيق مهدي‮ ‬السعيد بكتابه‮  ‬الجذور‮- ‬من أزقة الكرخ إلى براغ‮ ‬ولندن ودمشق،‮ ‬الصادر عن دار الفارابي،‮ ‬بيروت‮ ‬،‮ ‬2017 ? وهي‮ ‬تتعلّق بالتنكيل بأحد الكوادر الحزبية بطريقة‮ ‬غادرة وتجميعية ولا تخلو من محاولة الإساءة الشخصية،‮ ‬وحتى لو كانت مواقفنا مختلفة‮ ‬،‮ ‬فالأمر له علاقة بالوجدان والضمير،‮ ‬وليس بالارتياحات الشخصية،‮ ‬وأترك الكلام لمهدي‮ ‬السعيد في‮ ‬تقييم الموقف‮ : " ‬كانت وقائع الاجتماع صدمة كبيرة لم أفق منها إلا بعد حين،‮ ‬واستطيع القول أن الصدمة قد شملت الجميع دون استثناء،‮ ‬ولكنها ربما لم تكن مفاجئة بالنسبة للرفيق عبد الحسين شعبان الذي‮ ‬كان في‮ ‬اللجنة القيادية الذي‮ ‬تحدث بعد انتهاء‮ (‬الرفيق عادل حبه‮) "‬أبو سلام‮" ‬من عرضه للقضية‮.‬
كان شعبان قد أمسك بتفاصيل المشكلة وبشجاعة كبيرة وقف قائلاً‮ : ‬هذا القرار اتخذ‮  ‬انتقاماً‮ ‬من الرفيق‮ ... ‬وقال أيضاً‮ ‬أنني‮ ‬استنكر هذا الإجراء وأطالب بإعادة النظر فيه ومعالجة القضية بصورة طبيعية‮ ‬،‮ ‬كما قال أن القرار مخالف للنظام الداخلي‮. ‬وأضاف السعيد‮ : "‬أعجبني‮ ‬موقفه الشجاع‮ ‬،‮ ‬واتضح أن المشكلة لا تستحق كل هذا التحشيد‮ ...‬،‮ ‬ولكن كما تبيّن فقد أريد إطاحة الرفيق من خلال هذه المشكلة وتجميع مشاكل أخرى،‮ ‬لكي‮ ‬يكتمل سيناريو التشدد وزرع الخوف بين الرفاق تنفيذاً‮ ‬لأوامر القيادي‮ ‬المسؤول ولفرض نوع من الدكتاتورية،‮ ‬وكان‮ " ‬أبو‮ ‬ياسر‮" ‬أول من احتجّ‮ ‬على هذا الأسلوب وناقش بكل ما‮ ‬يملك من وسائل‮ ‬،‮ ‬وسط صمت‮ ‬يكاد‮ ‬يكون جماعياً‮.‬
والثاني‮ - ‬في‮ ‬إحدى المرّات أعطاني‮ ‬الرفيق نوري‮ ‬عبد الرزاق بياناً‮ ‬ذّيّل باسم مجموعة من الرفاق الأنصار،‮ ‬وذلك عشية وصولي‮ ‬إلى لندن،‮ ‬وقال أن‮  ‬كامران قرداغي‮ ‬أو محمد كامل عارف أوصله له وكان قد جاء بالبريد إلى جريدة الحياة من دمشق،‮ ‬وهو موجّه ضد أحد الرفاق الذين خاصمناهم علناً،‮ ‬لكنني‮ ‬استنكرت ما ورد فيه،‮ ‬لأنه‮ ‬يمثل لا أخلاقية حين‮ ‬يتعرّض لجوانب شخصية وعائلية حسّاسة،‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نربأ بأنفسنا من الانزلاق‮  ‬إليها وهو ما كان موقف نوري‮ ‬عبد الرزاق الأخلاقي‮ ‬أيضاً‮.‬
والثالث‮-  ‬بشأن الخلاف بين خالد حسين سلطان‮  ‬وجاسم الحلوائي،‮ ‬فقد كتبت رسالة إلى الرفيق خالد رجوته الكف عن التناول الشخصي‮ ‬لأي‮ ‬من الرفاق والعائلات،‮ ‬لأن ذلك‮ ‬يمسّ‮ ‬الجميع،‮ ‬فهم عوائلنا جميعاً‮ ‬وعلينا أن نبتعد عن ذلك،‮ ‬حتى وإن اختلفنا بالسياسة والمواقف،‮ ‬وحين زرت كوبنهاغن أطلعت الرفيق جاسم الحلوائي‮ ‬على نص رسالتي‮ ‬الذي‮ ‬يتعلق مضمونها بما حصل من خلاف بين الإثنين،‮ ‬ومثل هذا الكلام موجه للجميع،‮ ‬فعلينا التركيز على ما هو فكري‮ ‬وسياسي،‮ ‬والابتعاد عما هو شخصي‮ ‬وذاتي‮ ‬والأمثلة كثيرة،‮ ‬سواء كنّا في‮ ‬الحزب أم في‮ ‬خارجه،‮  ‬وأنقل هنا فقرة من رسالتي‮ ‬الموجهة إلى خالد حسين سلطان بتاريخ‮ ‬26/10/2013 :
"نقل لي‮ ‬عدد من الأخوة والأصدقاء المحبين والمخلصين للراحل حسين سلطان وذكراه العطرة ولسمعة الحزب الشيوعي‮ ‬وتاريخه،‮ ‬أن تراشقاً‮ ‬قد حصل بينك وبين الرفيق جاسم الحلوائي‮ ‬على صفحات الانترنيت والفيس بوك،‮ ‬ولعلّ‮ ‬ذلك تجاوز المألوف من الحوار والخلاف والتعارض بالرأي،‮ ‬وحتى لو بدر رأي‮ ‬خاص من الأخ أبو شروق بشأن حسين سلطان الذي‮ ‬هو ليس والدك وحدك،‮ ‬بل هو رفيق كبير وأخ عزيز لجمهرة واسعة من الشيوعيين،‮ ‬ولا سيّما الأصدقاء القدامى،‮ ‬فإن الأمر لا‮ ‬يتعدّى وجهة النظر السياسية أو التقويمية لعمل أو آداء،‮ ‬أو موقف أو تقدير معين،‮ ‬فيمكن الردّ‮ ‬عليه بمثله،‮ ‬وانتقاده عليها‮.‬
أما وأن الأمر تجاوز النقد السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬والتنظيمي،‮ ‬واتجه لما هو شخصي‮ ‬وتجريحي،‮ ‬فأعتقد أن ذلك‮ ‬يهمّنا جميعاً،‮ ‬وعائلة حسين سلطان وعائلة جاسم الحلوائي‮ ‬أو الحكيم‮  ‬أو عوائلنا كذلك،‮ ‬هي‮ ‬واحدة ومتداخلة ومتخالطة،‮ ‬وكل منا‮ ‬يعرف عن الآخر ما لا‮ ‬يعرفه كثيرون،‮ ‬ولهذا أرجو منك رجاءً‮ ‬حاراً‮ ‬وأخوياً‮ ‬وصادقاً‮ ‬ومنزّهاً‮ ‬عن كل‮ ‬غرض،‮ ‬الابتعاد عن كل ما من شأنه تناول القضايا الشخصية والعائلية،‮ ‬وتحت أي‮ ‬سبب كان،‮ ‬لأن نتائج ذلك تعود بالسلب على الجميع دون استثناء‮ .‬
ولكنني‮ ‬في‮ ‬الوقت نفسه أدعوك لتناول الجوانب الفكرية والمواقف السياسية والاختلافات التنظيمية،‮ ‬سواءً‮ ‬ما لحق حسين سلطان بسببها من أذى أو ما‮ ‬يتعلق بمواقف أبو شروق ذاته أو‮ ‬غيره من إدارة الحزب،‮ ‬في‮ ‬السابق والحاضر ولا سيّما في‮ ‬المواقف الوطنية الحساسة‮. ‬ولا بدّ‮ ‬من أجواء صحية وسليمة للحوار والجدل،‮ ‬وهذه الرسالة ليست سوى دعوة لترزين الخلاف وتوقير الصراع،‮ ‬والابتعاد عن كل ما من شأنه التجريح أو الإساءة أو تعيير الآخرين،‮ ‬خارج نطاق النقاش السياسي‮.‬
أرجوك رجاءً‮  ‬حاراً‮ ‬ومخلصاً‮ ‬أن تعيد النظر،‮ ‬وأسمح لنفسي‮ ‬بمخاطبتك بالعلاقة التي‮ ‬تربطني‮ ‬بالراحل الكبير،‮ ‬وكذلك بوالدتك العزيزة،‮ ‬وأنت والآخرون تعرفون ذلك‮ ..."‬
ليس الغرض من استعادة هذه المواقف ادعاء الاستقامة أو النزاهة‮ ‬،‮ ‬فنحن نخطأ ونصيب أيضاً،‮ ‬والبشر خطّاؤون وحسب فولتير‮ " ‬فكلّنا بشر ضعفاء ومعرضون للخطأ،‮ ‬وعلينا أن نأخذ بعضنا بعضاً‮ ‬بالتسامح‮"‬،‮ ‬أقول ذلك من باب الاستبصار والاستعبار‮ .‬
الحقبة الستالينية وتنشيط الذاكرة
وبشأن العقوبات الغليظة وحملات التشهير فعلينا تذكّر أن تلك الممارسة هي‮ ‬جزء من تاريخ الحقبة الستالينية السوداء،‮ ‬وسبق لي‮ ‬أن ذكرت في‮ ‬إحدى حلقات هذه المطالعة ما حصل بين راية الشغيلة والقاعدة وإلى حدود‮ ‬غير قليلة بين اللجنة المركزية والقيادة المركزية وقد انتقدت ما حصل بين إدارة الحزب والمجموعات المنشقة عنه في‮ ‬الثمانينات وهو نقد موجه للجميع دون استثناء ولكل الفترات‮.‬
سأتوقف من باب تنشيط الذاكرة وتنوير الإدارات الجديدة للاستبصار والاستعبار فأذكر ما حصل للرفيق فرج الله الحلو‮ " ‬سالم‮" ‬القائد الشيوعي‮ ‬اللبناني‮ ‬الذي‮ ‬أبدى تحفظاً‮ ‬على قرار التقسيم العام‮ ‬1947  وانتقد موقف الاتحاد السوفييتي‮ ‬فاتخذت عقوبة ضده،‮ ‬ثم نحي‮ ‬من جميع مسؤولياته‮ (‬1951) بسبب بعض انتقاداته لإدارة الحزب في‮ ‬سوريا ولبنان،‮ ‬وعيّن بدلاً‮ ‬عنه نيقولا شاوي‮ ‬أميناً‮ ‬للحزب‮ (‬اللبناني‮) ‬بإشراف وتدبير من خالد بكداش كما‮ ‬يذكر كريم مروّة‮ ‬،‮ ‬حيث تم التآمر عليه بإرساله إلى باريس ولندن في‮ ‬مهمة خاصة‮ ‬،‮ ‬وأجبر الحلو على تقديم نقد ذاتي‮ ‬مذل وهو‮ "‬إدانة نفسه وسلوكه البرجوازي‮ ‬الصغير‮  ‬وغرقه في‮ ‬حمأة الانتهازية‮ ... ‬وموقفه المخزي‮ ‬إزاء الاتحاد السوفييتي‮ ‬من قرار التقسيم‮ " ‬كما جاء بالنص الذي‮ ‬نشره‮ ‬يوسف فيصل في‮ ‬كتابه الموسوم‮ "‬مواقف وذكريات‮"‬،‮ ‬دار التكوين‮ ‬،‮ ‬دمشق،‮ ‬2007? (وهو نص‮ ‬يقترب من رسالة زكي‮ ‬خيري‮ ‬والشهيد محمد حسين أبو العيس‮ ‬1962) وبعد خمس سنوات بدأ فرج الله الحلو‮ ‬يستعيد موقعه تدريجياً‮ ‬في‮ ‬سلّم القيادة إلى أن اعتقل في‮ ‬دمشق وذوّب جسده بحامض الكبرتيك لإخفاء معالم الجريمة أيام لوحدة المصرية‮ - ‬السورية‮ (‬1959).
والأمر شمل سكرتير الحزب في‮ ‬سوريا رشاد عيسى الذي‮ ‬ظلّ‮ ‬رافضاً‮ ‬لقرار التقسيم حيث تمت محاسبته واتخذ القرار بفصله لمدة عام لحين تقديم نقد ذاتي‮ (‬مذل‮) ‬لكنه امتنع عن ذلك،‮ ‬فنُشر قرار الفصل في‮ ‬الجريدة مع التشهير،‮ ‬وهو ما ذكره كريم مروّة في‮ ‬كتاب بعنوان‮ "‬الشيوعيون الأربعة الكبار في‮ ‬تاريخ لبنان الحديث‮" ‬بيروت،‮ ‬2008?كما تم رد الاعتبار إلى نجاة حسن قصاب والياس مرقص بعد حملة تشويهية ضدهما،‮ ‬علماً‮ ‬بأن الأخير سبقنا بأكثر من عقدين من الزمان في‮ ‬مراجعاته للماركسية‮ ‬،‮ ‬ولمواقف الأحزاب الشيوعية العربية‮.‬
والشيء بالشيء‮ ‬يذكر فقد حدثني‮ ‬أبو كاطع‮ - ‬شمران الياسري‮ ‬،‮ ‬الروائي‮ ‬والصحافي‮ ‬الشيوعي‮ ‬الساخر،‮ ‬الذي‮ ‬اضطرّ‮ ‬للهجرة إلى براغ‮ ‬كلاجئ‮ ‬غير سياسي‮ ‬على حد تعبيره في‮ ‬العام‮ ‬1976 وعانى من البيروقراطية الحزبية كثيراً،‮ ‬إن أول مقالة كتبها كانت في‮ ‬العام‮ ‬1948 وقد أرسلها إلى إحدى الصحف العراقية تنتقد موقف الحزب الشيوعي‮ ‬من قرار‮  ‬تقسيم فلسطين،‮ ‬وقال‮  ‬أنه كاد أن‮ ‬يكفر بكل شيء،‮ ‬مع أنه‮ ‬يحسب نفسه على ملاك الشيوعيين أو من أصدقائهم،‮ ‬وبسبب ذلك تأخر انضمامه إلى الحزب حتى العام‮ ‬1955? وحصل على العضوية العام‮ ‬1956 خلال عمله في‮ ‬بغداد،‮ ‬وهو ما دوّنته في‮ ‬كتابي‮ " ‬أبو كاطع‮ - ‬على ضفاف السخرية الحزينة‮"‬،‮ ‬دار الكتاب العربي،‮ ‬لندن،‮ ‬1998? و ط2? دار الفارابي‮ ‬،‮ ‬بيروت،‮ ‬2017. 
وبغض النظر عن التقييم لعزيز محمد،‮ ‬فقد كان جزءًا من تاريخ الحزب الشيوعي‮ ‬بإيجابياته وسلبياته ولا‮ ‬يمكن كتابة تاريخ الحزب بمعزل عن فترة إدارته التي‮ ‬قاربت من‮ ‬3 عقود،‮ ‬بما لها وما عليها،‮ ‬والتاريخ مضى ولا‮ ‬يمكن إعادته،‮ ‬سواء كان ماكراً‮ ‬ومخادعاً‮ ‬كما‮ ‬يقول هيغل أم مأساة كما حصلت في‮ ‬المرّة الأولى،‮ ‬وستكون في‮ ‬المرّة الثانية ملهاة كما ورد على لسان ماركس‮.‬

 يتبع‮ ‬


 

عدد المشـاهدات 318   تاريخ الإضافـة 16/10/2020   رقم المحتوى 43494
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2020/10/21   توقيـت بغداد
تابعنا على