00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  حينما تكون دموع الشاعر هويته

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

حينما تكون دموع الشاعر هويته

 

إبراهيم العاتي‮ ‬

لم تكن حياة الانبياء المرسلين والائمة الهداة الميامين،‮ ‬والاولياء المصلحين الصالحين،‮ ‬مفروشة بالورود والرياحين،‮ ‬وإنما كانت محفوفة بالمخاطر والمعاناة والتغرب في‮ ‬كل آن وفي‮ ‬كل حين‮! ‬مع وجود تفاوت في‮ ‬حجم تلك المعاناة،‮ ‬ولكن‮ ‬يبقى خاتم الانبياء المصطفى محمد‮ (‬ص‮) ‬وعترته الطاهرة‮ (‬ع‮) ‬هم من نالوا النصيب الاكبر من الاذى والمعاناة على مر العصور‮. ‬فمنذ اليوم الاول للدعوة التي‮ ‬صدع بها رسول الله‮ (‬ص‮) ‬ناصبته قريش العداء،‮ ‬وحاولت ثنيه عما امره به الله سبحانه بشتى الوسائل‮: ‬من التسفيه والايذاء المعنوي‮ ‬الى الايذاء الجسدي،‮ ‬فالحصار والتجويع،‮ ‬ومحاولة قتله الفاشلة،‮ ‬وهجرته،‮ ‬وغير ذلك مما هو مدوّن في‮ ‬سيرة النبي‮ ‬الاكرم محمد‮ (‬ص‮). ‬
ولما عجزت عن الوصول النبي‮ ‬المصطفى‮ (‬ص‮) ‬في‮ ‬حياته،‮ ‬افرغت احقادها على اهل بيته بعد مماته،‮ ‬وخصوصا ما جرى على الامام الحسين‮ (‬ع‮) ‬من اجرام وانتهاك للحرمات،‮ ‬ذاك الذي‮ ‬يجعل كل من‮ ‬يتناول استشهاد الامام الحسين‮ (‬ع‮) ‬يبقى مكلوماً‮ ‬مصدوماً،‮ ‬ولا‮ ‬يكف عن التساؤل‮: ‬كيف تمكن هؤلاء الاشرار من تنفيذ جريمتهم في‮ ‬غفلة من الزمن ضد انسان تكلله القداسة والمهابة والعلم ومكارم الاخلاق من كل جانب،‮ ‬ولان النبي‮ (‬ص‮) ‬صرح امام الجميع بتلك المنزلة،‮ ‬مثل قوله‮ (‬ص‮): (‬حسين مني‮ ‬وانا من حسين)؟
وتبقى سحائب الحزن تسد منافذ الأفق لتنهمر الدموع بدون استئئذان،‮ ‬وتكون الحبر الذي‮ ‬سيكتب به سماحة العلامة السيد حسين السيد محمد هادي‮ ‬الصدر‮ ‬– دام حفظه‮- ‬أشعاره عن الامام الحسين‮ (‬ع‮)‬،‮ ‬وضمنها كتابه او ديوانه القيّم‮ (‬دموعي‮ ‬على الحسين‮...‬هويتي‮) ‬الذي‮ ‬وصلني‮ ‬مع‮  ‬عدد اخر من‮  ‬مؤلفاته،هدية ثمينة من سماحته اعتز بها‮. ‬وقد ضم الكتاب‮  ‬مقالات عدة نشرها في‮ ‬الصحف العراقية عالج فيها بعض المشكلات التي‮ ‬تثار حول مظاهر الحزن في‮ ‬مثل هذه الايام من كل عام،‮ ‬والبكاء كلما ذكرت واقعة الطف ومصارع الشهداء من ال بيت الرسول‮ (‬ص‮)‬،‮ ‬فيعزز‮  ‬نثره بامثلة من شعره كما‮ ‬يشرح شعره بجوانب من نثره،‮ ‬فتحار من أي‮ ‬معين تغترف ومن اي‮ ‬نبع تبترد‮!! ‬لأن مقالات السيد الصدر هي‮ ‬نوع من النثر الفني‮ ‬القريب في‮ ‬صوره من الشعر،‮ ‬ولذا فاننا نشير اليها عَرضا،‮ ‬لأننا سنركز في‮ ‬هذا العرض التحليلي‮ ‬على الشعر‮. ‬
ونقتطف مما ذكرناه مثالا في‮ ‬قوله‮: (‬اذا كانت اخبار الحوادث والوقائع تكتب بالحبر فان واقعة الطف كتبتها دموع المحبين الاحرار على مدى الاعصار وفي‮ ‬شتى البقاع والامصار‮) ‬(1)‮.‬ويستشهد على ذلك ببيتين من نظمه‮ ‬يقول فيهما‮:‬
اقرأوا في‮ ‬عيوننا‮ (‬قصة الطفّ‮)‬
وخير الرواة دمع هتونُ
واذا ما كشفتمُ‮ ‬حبة القلب
رأيتمْ‮ ‬اين الحسينُ‮ ‬يكونُ‮ ‬(2)
*
واذا استغرب البعض من موضوع البكاء على الامام الشهيد،‮ ‬فان الشاعر‮ ‬يذكرهم بأن أول من بكى الحسين هو جده المصطفى‮ (‬ص‮)‬،‮ ‬بكاه قبل مصرعه،‮ ‬فكيف لا نبكيه بعد مصرعه اقتداء بالرسول العظيم‮ (‬ص)؟‮. ‬وللشاعر رباعية بهذا المعنى،‮ ‬يقول فيها‮:‬
بكاك جدك‮ (‬طه‮)‬
قبل الشهادة حزنا
وليس بدعا اذا ما
قد رقّ‮ ‬قلبا وعينا
فأنت منه ائتلاقٌ
يشعّ‮ ‬هديا وحسنا
رسالة الله عادتْ
بفيض نحرك‮  ‬تُبنى‮ ‬(3)
*
لكن الجانب المأساوي‮ ‬الذي‮ ‬يحرك الشعور والعاطفة الانسانية،‮ ‬ليس هو البعد الوحيد للنهضة الحسينية،‮ ‬بل هناك ابعاد أخرى،‮ ‬كالبعد البطولي‮ ‬والبعد الاصلاحي‮ ‬وغير ذلك‮. ‬أما البطولة فقد ضرب فيها ابو الشهداء المثل الاعلى في‮ ‬الصمود والثبات على المبدأ ولو أدى ذلك الى استشهاده مع ابنائه وارحامه واصحابه،‮ ‬وسبي‮ ‬عياله،‮ ‬على ان‮ ‬يؤخذ ذليلا لابن زياد او‮ ‬يزيد،‮ ‬فكان آية من آيات الحرية والإباء والشجاعة على مر العصور،‮ ‬يقول السيد الصدر‮:‬
لله درّك‮ ‬يا ابا الاحرارِ
يا من‮ ‬غدا انشودة الثوار
منعوك من ماء الفرات وما دروا
ان البطولة فيك نهر جاري
ظامٍ‮ ‬تقاتلهم وهم في‮ ‬خشيةٍ
كبرى مخافة سيفك البتارِ‮!‬(4)
*
وهكذا تتدفق الصور والمعاني‮ ‬باسلوب العلامة السيد الصدر‮ (‬السهل الممتنع‮)‬،‮ ‬لترسم لنا لوحة أدبية راقية عن مشهد‮ ‬يوم كربلاء الدامي،‮ ‬يستطيع الشاعر من خلالها ايصال الرسالة الحسينية الى عقول وقلوب اكبر عدد من الناس المختلفين في‮ ‬مستوياتهم الثقافية،‮ ‬وفي‮ ‬اتجاهاتهم الفكرية والمذهبية،‮ ‬وحسبه هذا الانجاز‮ .‬
‮ ‬ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‮ ‬1‮-‬السيد حسين السيد محمد هادي‮ ‬الصدر‮: ‬دموعي‮ ‬على الحسـين‮...‬هويتي،‮ ‬ص17 ط1 بغداد‮ ‬2020م‮. ‬
‮ ‬2‮-‬المصدر نفسه،‮ ‬ص17‮.‬
‮ ‬3‮-‬نفسه،‮ ‬ص‮ ‬19‮.‬
‮ ‬4‮-‬نفسه،‮ ‬ص‮ ‬69‮.‬


 

عدد المشـاهدات 170   تاريخ الإضافـة 13/10/2020   رقم المحتوى 43425
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2020/10/21   توقيـت بغداد
تابعنا على