00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  حميد الربيعي‮ ‬رحيل صادم وموجع

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

حميد الربيعي‮ ‬رحيل صادم وموجع
نصوص سردية تثير أسئلة كثيرة

محمد جبير
كنت‮  ‬قد عزمت على إعادة‮  ‬قراءة النصوص القصصية للقاصّ‮ ‬حميد الربيعي‮ ‬أيّام‮  ‬الحظر الإجباري‮ ‬الذي‮ ‬فرض علينا بسبب جائحة كورونا،‮ ‬ولدت هذه الرغبة بعد أن اطّلعت على آخر أعماله‮ "‬جمرات‮ ‬يارا‮"‬،‮ ‬والتي‮ ‬كان من المفترض صدورها مع بداية هذا العام عن‮ "‬دار صفافة– القاهرة‮ "‬،إلّاأنّ‮ ‬الجائحة عرقلت هذا الإصدار،‮ ‬على الرغم من أنّ‮ ‬الرواية جاهزة للطبع بعد ان استكملت الدار إجراءات التصميم الداخلي‮ ‬والخارجي،‮ ‬والانشغال في‮ ‬مشروع المراجعة والكتابة عن تلك النصوص دفعني‮ ‬إلى أن أعدّ‮ ‬مجموعته الأولى‮ "‬تل حرمل‮" ‬الحدّ‮ ‬الفاصل بين مرحلتين إبداعيتين في‮ ‬التفكير السردي،‮ ‬مرحلة ماقبل‮ "‬بيت جني‮" ‬وهي‮ ‬الروايات‮ "‬سفر الثعابين– تعالى وجع مالك–جدّد موته مرتين– دهاليز الموتى‮"‬،‮ ‬ومرحلة مابعد‮ "‬تل حرمل‮" ‬وهي‮ "‬بيت جني–قصص‮/ ‬أحمر حانة‮ ‬– رواية‮/ ‬غيمة عطر–قصص‮/ ‬وجمرات‮ ‬يارا‮- ‬رواية‮ "‬،‮ ‬ولكلّ‮ ‬مرحلة لها ملامحها وسماتها الجمالية،‮ ‬وجاءني‮ ‬خبر الرحيل الصادم وأنا في‮ ‬نشوة الكتابة،‮ ‬شلّني‮ ‬وأبكاني‮ ‬وأدخلني‮ ‬في‮ ‬حزن مضاف قبل ان أخرج من حزن صديقنا العزيز القاصّ‮ ‬والروائي‮ "‬محمد علوان جبر‮"‬،‮ ‬وبعده رحيل الصديق الناقد والشاعر والكاتب الصحفي‮ "‬رزاق إبراهيم حسن‮"‬،‮ ‬تكالبت علينا الأحزان ونحن في‮ ‬محجرنا المنزلي،‮ ‬نبكي‮ ‬رحيل أحبابنا من المبدعين الكبار،‮ ‬توقّفت عن التواصل،‮ ‬فقد‮ ‬غلبني‮ ‬حزني،‮ ‬وهذا ماكتبته قبل سماعي‮ ‬خبر الرحيل المفجع والمؤلم والصادم‮..‬
تثير نصوص حميد الربيعي‮ ‬السردية الكثير من الأسئلة أثناء فعل القراءة أو ما بعده،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يضفي‮ ‬نشوة المتابعة لتلك النصوص والتواصل معها والتفكير بها،وبناء حوار مستمر مع شخوص ورؤى وتصوّرات تكشف عن الزوايا المظلمة والمضيئة في‮ ‬هذا الكون الشاسع،‮ ‬فالكاتب لايفكّر أثناء الكتابة السردية‮ (‬القصصية‮ "‬تل حرمل،‮ ‬بيت جني،‮ ‬غيمة عطر،‮ ‬أو الروائية"سفر الثعابين،‮ ‬تعالى وجع مالك،‮ ‬جدّد موته مرتين،‮ ‬دهاليز الموتى،‮ ‬أحمر حانة‮ ") ‬بما‮ ‬يحدث بين قدميه،‮ ‬خافياً‮ ‬رأسه هربا من رؤية العواصف التي‮ ‬تحيط بالإنسان وتدمّر وجوده بدوافع وفلسفات وإطارات سياسية وفكرية تحدّد قدرة العقل على التجاوز ليدور في‮ ‬دولاب ناعور الأفكار‮.‬
في‮ ‬قراءاتي‮ ‬للكاتب حميد الربيعي‮ ‬أجده مختلفا ومتجاوزا في‮ ‬مرحلتين كتابتين،‮ ‬الأولى‮  ‬في‮ ‬نصوص إثبات الوجود الإبداعي‮ ‬التي‮ ‬كتبت في‮ ‬الربع الأخير من القرن الماضي،‮ ‬والمرحلة الثانية في‮ ‬نصوص التجاوز الإبداعي،‮ ‬وهذ مايحتاج إلى دراسة مستفيضة تحدّد وترسم سمات كلّ‮ ‬مرحلة من هاتين المرحلتين،‮ ‬سواء في‮ ‬كتابة القصة أو الرواية،‮ ‬وهو ما نسعى لتحقيقه في‮ ‬هذه الدراسة معتمدين في‮ ‬ذلك على قراءة النصّ‮ ‬وما‮ ‬يمكن ان‮ ‬يكشفه مع إزاحة الإسقاطات الخارجية التي‮ ‬قد تفرض هيمنتها على القراءة النصية وتضعها في‮ ‬إطارات خارج موضوع هذه الدراسة‮.‬
تمنح السرديات القصصية والروائية المتلقّي‮ ‬حرّية التأويل والانطلاق في‮ ‬فضاءات أوسع من فضاء الجملة السردية النصية،‮ ‬وذلك لما تتوفر عليه من محمولات ودلالات إيحائية تنشط الخزين الصوري‮ ‬في‮ ‬الذاكرة الشخصية،‮ ‬وتؤسّس علاقة تواصلية بين النصّ‮ ‬المكتوب والنصّالرؤيوي‮ ‬المخزون في‮ ‬الذاكرة،‮ ‬حيث‮ ‬يتشكّل ناتج العلاقة الحوارية التواصلية مشهدا مركّبا خارج متن النص وناتجا عنه‮ ‬يوطّد علاقة المتلقّي‮ ‬مع النصّ‮ ‬ويحثه على التواصل في‮ ‬الفعل القرائي،‮ ‬وقد تكون هذه العلاقة التفاعلية الثقافية بين النصّ‮ ‬والمتلقّي‮ ‬لعبة تمارس بذكاء واتفاق ضمني‮ ‬بين النصّ‮ ‬ومتلقّيه،‮ ‬يقوم برسمها ونسج خيوطها لاعب خارجي‮ ‬كأن‮ ‬يكون السارد أو منتج النص ذاته‮.‬
لملمة الشتات
يشير حميد الربيعي‮ ‬في‮ ‬كلمة تصدير مجموعته القصصية الأولى‮ "‬تل حرمل– دار تموز– سوريا‮- ‬2012" إلى همّ‮ ‬مشترك‮  ‬يلاحق كُتّاب العراق في‮ ‬الشتات،‮ ‬الذين توزعوا على دول العالم المختلفة بعيدا عن مستقرهم في‮ ‬وطن‮ ‬يطرد أبناءه،ففي‮ ‬رحلة الشتات والضياع والبحث عن المستقر ضاعت الكثير من الأوراق التي‮ ‬توثّق خريطة الإبداع وترسم مسارات تطوّر الكاتب،‮ ‬حيث إنّه في‮ ‬رحلة التنقّل‮ ‬يكون من الصعب جدا الاحتفاظ بتلك الأوراق المتناثرة أو تراجع أهميتها أمام أولويات وجودية وإنسانية،‮ ‬إذ‮ ‬يقول في‮ ‬ذلك التصدير الذي‮ ‬حمل عتبة‮ "‬أوراق متناثرة‮" ‬الآتي‮ "‬بسبب عدّة نكبات وتنقلات،‮ ‬شملت أصقاعا شتّى،‮ ‬بلدان عدة انتقلت إليها،‮ ‬بعضها قسرا والبعض الآخر مجبرا أخاك لابطل‮""‬مج– تل حرمل– ص7"? ثم‮ ‬يضيف‮ "‬منذ العودة إلى الوطن وأنا أحاول أن أجمع شتاتي،‮ ‬لكن الكثير من القصص قد ضاع،‮ ‬في‮ ‬خضمّ‮ ‬الوجع الذي‮ ‬اكتنفنا عند الولادة على شواطئ الرافدين،‮ ‬هذه القصص بعض ماتبقّى من الأوراق المبعثرة،‮ ‬للأمانة التاريخية ولأهميتها تجمع هنا في‮ ‬كتاب‮"."‬نفسه– ص7-8".
تنفتح هذه الإضمامة القصصية على قصة‮ "‬كان مزهرا مثل شقائقه‮"‬،‮ ‬وهي‮ ‬القصّة التي‮ ‬كتبت في‮ "‬الكويت‮-‬1985" حسب ما مثبّت في‮ ‬نهاية القصة،وتنتهي‮ ‬بنصّ‮ "‬شيش كباب‮" ‬الذي‮ ‬كتب في‮ " ‬بغداد– 2012"? وما بينهما جاءت أربعة نصوص قصصية هي‮ "‬قطيع‮ ‬غربان‮-  ‬دمشق‮- ‬1983? تعال نرقص–فينا‮-‬1987? شيء‮ ‬يشبه الضجيج‮- ‬فينا– 1990? تل حرمل-طرابلس‮-‬1997"? من خلال قراءة السنوات التي‮ ‬ذُيّلت بها تلك النصوص فإنّنا نقرأ ضياع ثلاثين عاما بين مدن وبلدان مختلفة،‮ ‬لم‮ ‬يخرج منها الكاتب إلا بستّ‮ ‬نصوص سردية قصيرة،‮ ‬وهو أمر‮ ‬غير منطقي‮ ‬ولا‮ ‬يمكن الركون إليه،‮ ‬فهو أقلّ‮ ‬من القليل،‮ ‬وماضاع من النصوص هو الكثير،‮ ‬ولكن لو سألنا سؤالا بريئا‮: ‬هل فقد الكثير؟ أم تمّإهماله عن قصد من قبل الكاتب؟كيف سيكون شكل الجواب على ذلك التساؤل؟
هذا السؤال لا‮ ‬يمكن الإجابة عنه بسهولة أو عجالة،‮ ‬وإنّما‮ ‬يحتاج إلى قراءة متأنّية لإنتاج الكاتب السردي‮ ‬في‮ ‬حدَّيه القصصي‮ ‬والروائي‮ ‬للتعرف على طريقة تفكيره السردي‮ ‬الخاصّ‮ ‬الذي‮ ‬يحدّد نظرته للنصوص،‮ ‬وهو أمر في‮ ‬غاية الصعوبة،‮ ‬يتطلّب تفكيك المنظومة السردية والفكرية العامّة ومديات انشغالاته الإنسانية في‮ ‬النظرة إلى المتغير الإنساني‮ ‬خارج الإطارات الثابتة التي‮ ‬تسعى إلى إعاقة الإبداع كأن تكون إطارات فكرية أو نفسية أو اجتماعية‮.‬
تكشف الصفحة‮ "‬91" عن مسرد الأعمال المطبوعة للكاتب،‮ ‬والتي‮ ‬سبقت إصدار هذه المجموعة وهذه الأعمال السردية هي‮ ‬أعمال روائية‮ "‬سفر الثعابين– 1987? تعالى وجع مالك– 2012? جدّد موته مرتين– 2012"? وقد رسخت الأعمال اسم الكاتب في‮ ‬المجتمع الأدبي‮ ‬إلّا أنّ‮ ‬ما رسم من خلال تلك الأعمال على الرغم من خصوصية الحضور وما قدمته من كشوفات جمالية لم‮ ‬يكن في‮ ‬مستوى ما كان‮ ‬يفكّر بهأو‮ ‬يطمح له على الصعيد الجمالي‮ ‬على الرغم مما‮ ‬يمتلكه هذا العالم من طاقة سحرية وتبني‮ ‬الكشوفات المستقبلية،‮ ‬لذا كانت النصوص المبعدة أو التي‮ ‬ضاعت في‮ ‬تنقّلات الشتات أقل من المستوى الذي‮ ‬يطمح له الكاتب أو خطّط له مستقبلا،‮ ‬لذلك اختار عيّنات من تلك النصوص،‮ ‬وهذه النصوص هي‮ ‬نصوص إمّا وليدة أو ناتج عن سرديات روائية سابقة أو إنها بذرات لم تزهر بعد،‮ ‬وتنتظر إنباتها في‮ ‬سرديات قصصية وروائية لاحقة‮.‬
سوف أذهب مع فرضيةأنّ‮ ‬تلك النصوص القصيرة هي‮ ‬بذرات لسرديات روائية أو قصصية تظهر لاحقا بين مدّة وأخرى قد تكون متباعدة أو متقاربة زمنياًإلّا أنّ‮ ‬الثيمة المركزية تبقى ترنّ‮ ‬في‮ ‬ذاكرة الكاتب تبحث عن أرض صالحة للإنبات،‮ ‬فبُناة الأفكار وإن ظهرت هنا أو هناك بشكل خجول،إلّا أنّها تبقى حية في‮ ‬انتظار لحظة الولادة المناسبة،‮ ‬وهناك أيضا من الأفكار التي‮ ‬تكشف عن نفسها في‮ ‬أكثر من موقع أو عمل وبأوقات زمنية متفاوتة،‮ ‬ومازالت تبحث عن تربتها المناسبة‮.‬
آخر الشوط في‮ ‬أوله
لن‮ ‬ينتهي‮ ‬أول الخيط السردي‮ ‬في‮ ‬نهاية قد تكون مفترضة في‮ ‬نصّأو تنقطع عن الظهور في‮ ‬نصوص لاحقة،إلّا أنّ‮ ‬الأفكار تبقى قائمة في‮ ‬الرؤى والتصورات والشخوص لتبقى قائمة في‮ ‬ذات النصّ‮ ‬وليس هيكليته الهندسية البنائية،‮ ‬إذ تبقى الفكرة روحاً‮ ‬لائبة تبحث عن التجسيد الأمثل حتى وإن كان ذلك التمثيل افتراضيا في‮ ‬ذهن المتلقّي،‮ ‬في‮ "‬جمرات‮ ‬يار– دار صفاف– مصر‮-‬2020? وتحديدا المقطع السابع ترد هذه الإشارة‮ "‬كنّا على وشك الوصول إلى مرقد الولي‮ ‬الصالح في‮ ‬الجزء الشمالي‮ ‬من الحي،‮ ‬الذي‮ ‬يفضي‮ ‬إلى ساحة زبيدة،‮ ‬الناس تعدّ‮ ‬ذلك المكان مقدّسا في‮ ‬ما مضى،‮ ‬لكني‮ ‬أرى بعض الصبية قد تبولوا على الحائط ومجراه لحظة انحداره إلى الأسفل لم‮ ‬يرسم شكلا مميزا،‮ ‬لكنه ترك أثرا،‮ ‬كما الحيطان قد تآكلت،‮ ‬الدورة الكاملة من الدوران عبر الأزقّة وصولا إلى باب المرقد جعلنا نستدير إلى الشرق ثم ننعطف جنوبا أو‮ ‬غربا،‮ ‬يقال إنّ‮ ‬موضع الباب في‮ ‬المرقد لم‮ ‬يثبت في‮ ‬مكانه،‮ ‬ففي‮ ‬كلّ‮ ‬مرة،‮ ‬بين حين من الدهر وآخر،‮ ‬تجده الناس وقد‮ ‬غيّر موضعه،‮ ‬هو الآن في‮ ‬الطرف الجنوبي‮ ‬الغربي‮ ‬من صحن المرقد،‮ ‬لم أكن متلهفا لما سيطرحه أسطى طه من أفكار بخصوص القبر،‮ ‬فأنا أعرف أن الرجل كان‮ ‬يطرح أفكارا عدة،‮ ‬يتركها سائبة وفي‮ ‬اليوم التالي‮ ‬يعود فقط إلى تلك التي‮ ‬نضجت،‮ ‬دون سواها،‮ ‬ما قاله عن فكرة مجنونة لم‮ ‬يرق لي‮ ‬ولم آخذه على محمل الجدّ،‮ ‬باعتباري‮ ‬قد تعودت طريقة تفكيره سابقا،‮ ‬ضمن هذا الإطار لم أحسب مدى التغيير الذي‮ ‬حدث له،‮ ‬حتى تفاجأت بالفكرة التي‮ ‬كان‮ ‬يحصيها على أصابعه،في‮ ‬أثناء مشينا باتجاه المرقد‮.‬
‮- " ‬انظر‮ .. ‬تمعن‮ .. ‬ماذا ترى ؟‮".‬
‮- ‬قبر الولي‮ ‬الصالح وبجواره قبر اليهودي‮ ‬ذي‮ ‬الثعبان‮". ‬
‮-" ‬يابني،‮ ‬صحّح معلوماتك،‮ ‬اليهودي‮ ‬لايمتلك ثعبانا،‮ ‬إنّما وفد إلى القبر لاحقا وتوطّن فيه،‮ ‬بعضهم أشاع الخبر كي‮ ‬لاتنتهك حرمة اليهودي‮ ‬المسكين‮". "‬رواية جمرات‮ ‬يارا– منشورات دار صفافة– مصر‮ ‬2020- ص48- 49".
لم‮ ‬يكن هذا المقطع بالجديد على ما‮ ‬يكتبه الربيعي،‮ ‬وإنّما جاء متماهياً‮ ‬مع نصوص أخرى تظهر في‮ ‬سرديات قصصية وروائية في‮ ‬أوقات متباعدة،‮ ‬وإذا عدنا إلى العام‮ ‬2012? وهو العام الذي‮ ‬صدرت فيه مجموعته القصصية‮ "‬تل حرمل– دار تموز– سوريا‮"‬،‮ ‬نتعرّف على جذر هذه الحكاية التي‮ ‬جاءت نصّاً‮ ‬سردياً‮ ‬مقطعياً‮ ‬ضمن عدد من المقاطع السردية الحكائية لتذوب في‮ ‬البنية السردية العامّة لنصّ‮ "‬جمرات‮ ‬يارا‮" ‬العمل الجديد للكاتب،‮ ‬وكأنّ‮ ‬الأمر هو‮ "‬حكاية تفضي‮ ‬إلى حكاية‮"."‬الرواية–ص66"? و"هذه الحكاية حين تروى،‮ ‬لاأحد‮ ‬يأخذها على محمل الجد‮". "‬نفسه‮- ‬ص66"? فهو‮ ‬يرى أنّ‮ "‬كلّ‮ ‬الحكايات تظل طي‮ ‬النسيان حتى‮ ‬يفجرها التشظي‮"."‬نفسه-ص70"?إنّ‮ ‬توالد الحكايات حكاية تلد حكاية‮ ‬يضفي‮ ‬على الأفكار السردية ديمومة التشكّل الحكائي‮ ‬في‮ ‬ثياب وإطارات متجانسة أو مختلفة وصولا إلى ولادة الحكاية الأم التي‮ ‬يمكن أن تكون مركزا مشعّاً‮ ‬وملمّاً‮ ‬لكلّ‮ ‬التشظيات الحكائية في‮ ‬النصوص السردية،‮ ‬وهو مايشكّل رحلة بحث جمالي‮ ‬للوصول إلى الحقيقة،‮ ‬حقيقة الروائح التي‮ ‬تنبعث من تفسّخ الحكايات التي‮ ‬تعشش في‮ ‬العقول،‮ ‬ولا تريد أن تغادرها لرؤية الجمال‮ "‬إنّهم ليسوا بحاجة إلى عطورنا،‮ ‬لديهم أنواع وأصناف شتى،‮ ‬يستعملونها للتجميل والزينة،‮ ‬ضنك الحياة هناك‮ ‬يدفعهم إلى الإفراط في‮ ‬استعمالها،‮ ‬لكن بالضرورة‮ ‬يختلف عن سبب استعمالنا نحن للعطور،‮ ‬نحن نريد أن نجمّل الحياة،‮ ‬أن نجعلها مقبولة،‮ ‬وسط هذا الركام من الموت المجاني‮ ‬أو القرف،‮ ‬العطور بحياتنا مثل حاجة لتغطية خرابنا الداخلي،‮ ‬إنّها ضرورية كي‮ ‬ترى الجمال‮ ‬يغلّف الحياة،‮ ‬لا نراه لكننا نرغب بشدة بوجوده،‮ ‬على العكس من أهل الغرب‮"."‬جمرات‮ ‬يارا‮- ‬ص113".
لا تخلو الجملة السردية في‮ ‬نصوص الكاتب من دلالات إشارية تكشف عن الخطاب،‮ ‬ولنصٍّمضمر مقصود،‮ ‬لاسيما في‮ ‬قراءة مجمل نصوصه لاكتشاف البنية الإطارية العامّة التي‮ ‬تحدّد موجّهات اختيار المفردة السردية،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬أغلب الأحيان لاتكون بريئة أو عفوية،‮ ‬وإنما مرسومة رسما دقيقا لكشف حالة من حالات القبح أو الورم الفكري‮ " ‬التفسخ،‮ ‬والروائح العفنة‮"‬،‮ ‬لاتبتعد كثيرا عما‮ ‬يراه أو ماتشكّل من تراكم معرفي‮ ‬في‮ ‬تفكيك الحكايات المروية والمتداولة شفاهيا والتي‮ ‬حملت شفرات ورسائل بثت مفاهيم بالية وعششت في‮ ‬الذاكرة الجمعية لتكون فيما بعد أشبه بالثوابت الفكرية،‮ ‬وهذه الثوابت المتوارثة هي‮ ‬مايسعى إلى تفكيكها وإعادة تشكيلها وفق جماليات العصر لتكون الصورة أكثر بهاءً‮ ‬وبعيدا عما علق بها من شوائب‮.‬
في‮ ‬العودة إلى نصّ‮ " ‬شيش كباب‮" ‬من مجموعته‮ "‬تل حرمل‮-‬2012" نقرأ الآتي‮ "‬لم تنتشر رائحة التفسّخ رغم مرور ألف واربعمائة سنة فما زالت الاصوات من قبر الولي‮ ‬الصالح في‮ ‬قنبر علي‮ ‬تثير الهلع في‮ ‬الشوارع الخالية منذ أمد،‮ ‬ورغم ان الألفية الجديدة ستدخل التاريخ عما قريب‮  ‬بيد ان الغرفة بقيت على حالها،‮ ‬وكأن تعاقب الامد الطويلة لم‮ ‬يغير من واقعها شيئا،‮ ‬هي‮ ‬مثل بقعة معزولة من مجرى الاحداث،‮ ‬لربما في‮ ‬حالها علة،‮ ‬بيد أن المرور الطويل لم‮ ‬يشكل علامة فارقة،‮ ‬الغرفة تقع بالضبط بعد الزقاق السادس الذي‮ ‬يمتد طوليا مع حائط المسجد،‮ ‬لكنه‮ ‬ينثني‮ ‬قليلا بعد ما‮ ‬يميل نحو الشرق،‮ ‬الميلان هذا تكرس شيئا فشيئا بمرور الوقت،‮ ‬كانت الالف والاربعمائة كافية لان تحرفه كلية الى الاتجاه الاخر،‮ ‬الذي‮ ‬يفضي‮ ‬الى خارج المنطقة بالكامل،‮ ‬هذا ما حدث بالضبط في‮ ‬كل الاحياء‮"."‬مج– تل حرمل‮- ‬ق‮- ‬شيش كباب–ص81".
يحمل هذا المقتبس النصّي‮ ‬الكثير من الدلالات الإشارية لبنى إطارية مرفوضة،‮ ‬وأخرى مقبولة،‮ ‬وتكاد تشكّل البنية العامة للخطاب السردي‮ ‬الذي‮ ‬يتبنّاه الكاتب في‮ ‬هذا النصّأو النصوص السابقة واللاحقة،‮ ‬فهي‮ ‬بنية مركزية في‮ ‬منظومة الكاتب الجمالية في‮ ‬إطارها العام حيث‮ ‬يكشف لنا تفكيك هذا المقتبس إلى وحدات نصّية مستقلة تفصح عن‮  ‬بنية هذا الخطاب‮.‬
أولا‮: ‬التفسخ‮.‬
ثانيا‮: ‬ألف وأربعمئة سنة‮.‬
ثالثا‮: ‬أصوات تثير الهلع‮.‬
رابعا:الشوارع خالية‮.‬
خامسا‮: ‬ألفية جديدة ستدخل التاريــــــــخ‮.‬
سادسا‮: ‬الغرفة على حالها‮.‬
سابعا‮: ‬بقعة معزولة لمتشكّل علامة فارقة‮.‬
ثامنا‮: ‬الزقاق‮ ‬يميل إلى الشرق‮.‬
تاسعا‮: ‬ألف وأربعمئة كافية لأن تحرفه إلى الاتّجاه الآخر‮.‬
عاشرا‮: ‬الانحراف‮ ‬يفضي‮ ‬إلى خارج المنطقة بالكامل‮.‬
إن المتغير الزمني‮ ‬يؤدّي‮ ‬إلى المتغيّرات الجمالية والفكرية في‮ ‬هذه البقعة من العالم مهما كانت هذه البقعة ساكنة أو توصف بالسكونية أو الجمود،‮ ‬حيث تشير الجملة العاشرة إلى الانحراف،‮ ‬وهو انحراف عن المسار العام،‮ ‬والمسار العام هو المتراكم العقائدي‮ ‬أو الإطاري‮ ‬الذي‮ ‬يؤدّي‮ ‬إلى التطور والتقدم،‮ ‬وإنما إلى الجمودية والتحجّر من والبقاء أو التعايش مع الجثث المتفسخة والرائحة النتنة بسبب الخمول الذي‮ ‬يمسك بالقاطن في‮ ‬تلك البقعة،‮ ‬وهو ليس خمولا جسديا،‮ ‬وإنما هو خمول فكري‮ ‬عام‮ ‬يقيّد الحرية الإنسانية،‮ ‬لكن الزمن ومتغيراته‮ ‬يحرف المسارات الفكرية رغما،‮ ‬وليس طوعا باتّجاه التغيير نحو الضفة الأخرى وهي‮ ‬الضفة التي‮ ‬تختلف وتتقاطع مع الضفة الأولى،‮ ‬ليخرج المكان ذاته من‮ "‬بقعة معزولة‮" ‬إلى مكان حضاري‮ ‬واضح المعالم،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬نلمسه بشكل واضح في‮ ‬السردية الروائية‮ "‬أحمر حانة– دار صفافة– القاهرة‮"‬،‮ ‬إذ تشكل تشظيات الحكاية وتمظهراتها في‮ ‬نصوص متباعدة زمنيا وإجناسيا‮ "‬قصة‮- ‬رواية‮"‬،‮ ‬حالة من القلق الخاصّ‮ ‬لدى الكتاب في‮ ‬ولادة نص متكامل من هذه التشظيات النصية في‮ ‬زمن لاحق‮ ‬ينتظر اكمال ونضج‮  ‬الحكاية كما‮ ‬يطمح أن تكون‮.‬

عدد المشـاهدات 2025   تاريخ الإضافـة 29/07/2020   رقم المحتوى 41296
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2020/8/13   توقيـت بغداد
تابعنا على