00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  ‮( ‬ألواحٌ‮ ‬من وصايا الجد‮)‬ ‮.. ‬برقيات من جحيم العراق

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصص قصيرة جداً‮ ‬لعلي‮ ‬السباعي
‮( ‬ألواحٌ‮ ‬من وصايا الجد‮)‬ ‮.. ‬برقيات من جحيم العراق

جوان سلو
كانت الألواح الطينية كُتب الحضارات السابقة،‮ ‬ضمّت نقوشها وسطورها تاريخ الملوك والحروب والأساطير،‮ ‬كالحضارة البابلية والسومرية والأكادية والآشورية والحورية،‮ ‬وغيرها من الحضارات العريقة،‮ ‬في‮ ‬بلاد ميزوبوتاميا،‮ ‬متخذة من الكتابة المسمارية أبجديةً؛ لنقل المعلومات للأجيال القادمة،‮ ‬وتوثيق حياة تلك الحضارات التي‮ ‬عاشت آلاف السنين،‮ ‬معتمدين على الطين كمادة أولية مقولبة،‮ ‬إضافة إلى القلم الذي‮ ‬كان عادة‮ ‬غصنا أو عظمة،‮ ‬أو أي‮ ‬شيء‮ ‬يمكن من خلاله النقش على تلك الألواح‮.‬
عندما تحفل هذه الألواح بالوصايا والنصائح والأمثال،‮ ‬فأنها تحمل طابعا أدبيا،‮ ‬فالوصية هي‮ ‬نوع نثري‮ ‬عرفها الإنسان منذ قديم الأزل،‮ ‬ليدوّنها الإنسان القديم على ألواحه وعلى رُقمه وعلى جدران معابده،‮ ‬لتبقى تذكّره بماضيه وإشارة لمستقبله،‮ ‬كحكايا الأجداد التي‮ ‬ما لبثت تعيد نفسها من جديد كلما مررنا بأحداث مشابهة‮.‬
اثار العراق
من هنا خلص القاص‮ (‬علي‮ ‬السباعي‮) ‬إلى أن الوصايا التي‮ ‬وجدها في‮ ‬آثار العراق وعلى الألواح الطينية لا تموت ولا تندثر،‮ ‬لأنها تعيش للأبد عبر الأحداث التي‮ ‬تتكرر باستمرار،‮ ‬وهذا ما جعله‮ ‬يبحث في‮ ‬الألواح القديمة عن وصايا الأجداد ليدونها في‮ ‬مجموعته القصصية القصيرة جداً،‮ ‬والتي‮ ‬تحمل عنوان‮: ( ‬ألواحٌ‮ . . . ‬مِنْ‮ ‬وَصَايَا الجد‮) ‬وهي‮ ‬من منشورات أحمد المالكي‮ ‬في‮ ‬بغداد،‮ ‬سنة‮ ‬2019م‮. ‬الطبعة الأولى‮.‬

كان العنوان وما‮ ‬يزال أول ما‮ ‬يشد القارئ،‮ ‬كون العنوان هو مفتاح العمل الأدبي،‮ ‬إنه اللغز الذي‮ ‬يريد منا الكاتب أن نبحث عن أسراره في‮ ‬مادته هذه،‮ ‬ونفك طلاسم أبجديته،‮ ‬لذلك اختار الكاتب عنوانا تراثيا أو اسطوريا نوعا ما،‮ ‬رابطا كل شيء ببعضه،‮ ‬ليوحي‮ ‬لنا أن الوصايا القديمة لا تندثر،‮ ‬بل تتوارث من جديد،‮ ‬وكأنها تراجيديا متكررة دائما،‮ ‬لا تعرف السكون‮. ‬جاعلا من الاسطورة مدخلا لسرد واقعه وطريقا لكتابة قصة معاصرة‮.  ‬
تضم المجموعة سبع وتسعين قصة قصيرة،‮ ‬في‮ ‬مئة وأربع وعشرين صفحة من القطع المتوسط‮. ‬بدأ الكاتب مجموعته بآية من سورة‮ ‬يوسف،‮ ‬الآية‮ ‬110‮ ‬ليسرد لنا بلغته الحكائية السهلة،‮ ‬والتي‮ ‬تعوّدنا عليها،‮ ‬كل اليوميات والوقائع التي‮ ‬عاشها أو سمعها أو قرأ عنها،‮ ‬وهذه القصص هي‮ ‬خلاصة تجارب حياتية مشتركة،‮ ‬تصلح أن تكون عامة‮ ‬يتشارك بها كل مواطن شرق أوسطي،‮ ‬تحمل بين طياتها المعاناة اليومية والسياسية والاجتماعية‮.‬
وتحكي‮ ‬قصص المجموعة عن صور واقعية عبرت بأسلوب أدبي‮ ‬وسلس ومشوق عن الحالات الإنسانية والحياتية،‮ ‬ذات دلالات واسعة وعميقة‮.  ‬
‮   ‬ذكريات طينية
ليس‮ ‬غريبا على كاتب متمرس مثل القاص المبدع‮ ( ‬علي‮ ‬السباعي‮ )‬،‮ ‬أن‮ ‬يجبل طين وطنه بعرق كلماته ومعاناته،‮ ‬ربما سيعيد بذلك شيئا من ذلك الدين والودّ‮ ‬الذي‮ ‬حفظه الكاتب لوطنه في‮ ‬قلبه،‮ ‬رغم ما‮ ‬يعايشه من أزمات،‮ ‬لذلك عمدَ‮ ‬الكاتب إلى التركيز على الذكريات،‮ ‬كونها المنبع النقي‮ ‬لأحداث المجموعة،‮ ‬فنجده في‮ ‬قصة شباك عبد الرضا عناد،‮ ‬يسرد فيها الكاتب قصة تلك الدموع والآهات الحبيسة خلف نوافذ ذلك الشباك،‮ ‬إذ‮ ‬يقول‮: " ‬شباك خشبي‮ ‬شاخت ملامحه،‮ ‬طالها التعب،‮ ‬تعب الجنوب،‮ ‬مثلما طال التعب وجوهنا الجنوبية وعلاها حتى صار علامتها الفارقة،‮ ‬مثلنا شباك عبد الرضا عناد،‮ ‬شباك كدر كدرة حياتنا العراقية،‮ ‬شباك قديم،‮ ‬قديم مثل قصص الحب الأولى،‮ ‬حبنا الأول،‮ ‬يوم كان الخجل‮ "‬المستحه‮" ‬حاضرا‮" .‬
مساوئ الحروب
مرة أخرى‮ ‬ينجح كاتب القصة القصيرة السباعي‮ ‬علي‮ ‬في‮ ‬إظهار مساوئ الحروب على الشعوب،‮ ‬هذه المعارك التي‮ ‬قام بها الأقوياء،‮ ‬لبسط سيطرتهم على وطنه،‮ ‬فيموت الفقراء والأبرياء خدمة لمصالحهم‮. ‬
‮"‬صباح‮ ‬يوم عرسي،‮ ‬خرجت لأجلب لأهلي‮ ‬وزوجتي‮ ‬طعام الإفطار الصباحي‮ ‬القيمر والكاهي‮ ‬العراقيين،‮ ‬كان ذلك بداية حرب،‮ ‬أثناء وقوفي‮ ‬لشراء الفطور،‮ ‬وإذا برجال الحزب‮ ‬يأخذونني‮ ‬إلى جبهة القتال،‮ ‬أسرتني‮ ‬القوات الإيرانية،‮ ‬عدت بعد انتهاء الحرب إلى أرض الوطن،‮ ‬إلى بغداد ليلا،‮ ‬إلى الناصرية فجر ا،‮ ‬أنزلتني‮ ‬السيارة صباحا أمام فرن الصمون عينه وبائعة القيمر ذاتها،‮ ‬اشتريت طعام الإفطار لأهلي‮ ‬وزوجتي،‮ ‬وذهبت لدارنا،‮ ‬طرقت باب المنزل،‮ ‬خرجت زوجتي‮ ‬التي‮ ‬كبرت ثماني‮ ‬سنوات،‮ ‬أعطيتها الطعام قائلا بلهجة عراقية محببة‮: ‬خوّ‮ ‬ما تأخرت عليك؟‮ " ‬
بحر اللغة الشعبية
تعد اللغة هي‮ ‬الشيفرة التي‮ ‬تفك طلاسم التواصل بين الكاتب والقارئ،‮ ‬وهي‮ ‬الأداة التي‮ ‬نجح فيها القاص من خلالها أن‮ ‬يخاطب جمهورا واسعا من القراء،‮ ‬عن طريق اعتماده على المصطلحات العامية العراقية،‮ ‬القادمة من عمق التاريخ،‮ ‬وكأن اللغة هي‮ ‬وصية من الوصايا التي‮ ‬حفظت نفسها في‮ ‬الألواح،‮ ‬ليقول مثلا‮: ‬القيمر،‮ ‬الكاهي،‮ ‬وغيرها الكثير‮.‬
لا تخلو قصة من هذه المجموعة إلا وقد بث‮( ‬علي‮ ‬السباعي‮ ) ‬فيها شيئا من آلامه،‮ ‬شكواه،‮ ‬الفراق الذي‮ ‬تعشش بحزنه في‮ ‬قلبه،‮ ‬وذلك جاءت قصص‮: ( ‬ألواحٌ‮ . . . ‬مِنْ‮ ‬وَصَايَا الجد‮ )‬،‮ ‬عاكسة لما‮ ‬يعالج روحه من أوهام الســــــــعادة المختفية خلف ظلال الواقع،‮ ‬حيث جاء السرد بسيطا من حيث الشكل وعميقا من حيث المضمون،‮ ‬لأنه كان حريصا على نقل الأحداث بعين متفحصة،‮ ‬هي‮ ‬رحلة شاقة قام بها المبدع علي‮ ‬السباعي‮ ‬ليحكي‮ ‬عن حكايا الأجداد المتداولة على ألسنة الأجيال المعاصرة،‮ ‬وهي‮ ‬رحــــــلة ملؤها الوجع والحسرات‮.‬

عدد المشـاهدات 124   تاريخ الإضافـة 28/06/2020   رقم المحتوى 40404
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2020/7/6   توقيـت بغداد
تابعنا على