00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  نصوص الشباب ..إلى أين؟

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

نصوص الشباب ..إلى أين؟

  بشرى البستاني

بالرغم من كون مصطلح الأدب لا يتجزأ إلا أن بعض الكتابات التي انطلقت من بنياته ورؤاه أُطلقت عليه تسميات جديدة شاعت وتكاد تستقر كالأدب النسوي وأدب الشباب وأدب السجون وأدب الحرب، وهذه المصطلحات تتلون حسب البنى والرؤى التي يعبر بها وعنها المبدعون.ومع أني مع كل جديد مبدع وجاد حقا ولاسيما في ما يكتبه الشباب ، إلا أن إقبال الشباب على قصيدة النثر بهذا الاستسهال الذي يصل حدّ الرثاثة والتفكك والركة يصحبه غياب النقد الموضوعي الجاد وسهولة النشر بسبب غياب الجدية والاهتمام بالمنشور وكثرة المواد المقدمة دون الالتزام بشروط الابداع الحقة من معرفة باللغة وعلومها وفنونها، ومن ثقافة واطلاع على الأدب القديم شعرا ونثرا، ومن دراسة للفلسفة والمذاهب الأدبية والاتجاهات النقدية العربية والعالمية واشتراطاتها، ومن إلمام بمنجزات الفنوون الأخرى ولاسيما الرسم والنحت، كل ذلك أفقد الكثير من نماذج هذه القصيدة سمات الأدب الرصين وحولها من فنٍّ لغوي رؤيوي إلى نصوص أقل ما يقال فيها وعنها أنها تفتقد شروط الابداع الحقيقي والأصالة وسموالقيم الفنية كما تفتقد الوعي بجماليات الفن وأهمية هذه الجماليات بالنسبة للإنسان أولاً، وفي تدوين حضارات الامم والشعوب ثانياً ، إنّ توفر فرص النشر لمثل هذه النصوص الركيكة، وغياب الموضوعية وفقدان الحرص على المستوى الثقافي زاد الطين بلة، ودفع كلّ من هبّ ودبّ لرصفّ كلمات لا رابط بينها وجملٍ شتات صار يطلق عليها مصطلح (قصيدة نثر)،مما دفع الكثيرين سواء حرصاً أم كيداً الى التفكير بإعادة النظر بهذا الفن اللغوي ومدى علاقته بفن الشعر الحقيقي، لاسيما وان صفة (شاعر) صارت تطلق على الرائح والغادي دون إدراك لخطورة هذا المصطلح الذي تقع على عاتقه مسؤوليات كبرى في مقدتها العمل الدائم على تجديد اللغة العربية وإثرائها وتوسيع اشتقاقاتها،وتوسيع العلاقة بين المسند والمسند إليه فيها من خلال رفدها بالاشتقاقات الجديدة والمجازات المبتكرة التي تثري اللغة وتجددها، والتي تنطلق من صميم اللغة ذاتها، ولن يتوفر ذلك إلا للشاعر العالم بأسرار اللغة التي لن تنكشف له الا بالدرس والمتابعة والتحصيل، والذي يدرك أبعادَ مهمة التجريب الرصين وأهميته حين  يصدر عن وعي وعلم ومعرفة باشتراطات هذا التجريب وأهدافه التي تسعى الى تطوير الفن ضمن جماليات ورؤى هادفة.

غموض واحاجي

ان ولع الشباب بالغموض والأحاجي والألغاز والتفكك أسقط نصوصهم في إشكالية اللامعنى، فالقصيدة المبهمة او المستعصية التي لا تمنحنا قراءتها معنى هي ليست قصيدة بل نص فاشل في أداء مهمته.صحيح إن القصيدة أي قصيدة هي فن جمالي لكنّ لهذا الجمال مهمة مزدوجة تغدو بعد الدراسة والتحليل مهمة واحدة هي “جمالية تستبطن دلالة” وبغياب الدلالة أو انبهامها يدخل النص في خانة العبثية ، فإذا لم يكن المبدع صاحب رسالة فلا خير فيما يكتب واذا كان همه تقديم ألغاز لغوية يسميها شعرا، فالشعر الحقيقي منها براء. ذلك أن الحياة ثقيلة بواقعها المادي فالعالم المعاصر يتحجر وعلى الكتابة أن تجعله أكثر خفة ومرونة من أجل أن يُطاق.وما دمنا غير قادرين على الهرب من الواقع، فإن على الفن أن يجعله  يغادر بشاعة حقيقته المرة ، ولن يتسنى له ذلك إلا بالتحقق الجمالي، حيث يتحول القبح الواقعي إلى أسلوب فني نتقبله ونحب تشكيلاته. إن ما أودى بمكانة الشعر العربي المعاصر هو عدم وعي المستسهلين للكتابة بخطورة الفنون وأهمية ما تؤديه للفرد والمجتمع من مهمات جمالية وحضارية راقية، فلم يبق من تراث الأمم الماضية ومن حضاراتها إلا ما هو جمالي متمثلا بفن العمارة والرسم والشعر والموسيقى والنحت والفنون التشكيلية بأنواعها، فالنحت واللوحات التشكيلية وفنون العمارة هي التي حفظت حضارة الإنسانية وجهدها من الضياع والاندثار وليس التاريخ الغارق بالأيديولوجيا. ولعل من المفيد القول أن هذه المظاهر الفنية التي تنتجها المجتمعات وإلى وقت قريب لم تكن لتدرج ضمن الوثائق التاريخية، لكنها قد تقوم أحيانا بأدوار أخطر وأهم مما تؤديه الوثيقة التاريخية، لأن التاريخ كثيرا ما يذهبُ ضحية التزوير والأدلجة ووجهات نظر كتابه مما يحوله الى سرديات متفاوتة في وجهات نظر كتابها، أما الفنون فتعرض الوقائع من صميمها، ومن خلال الرسالة التي يحملها الفنان، فالنص الذي لا يحمل للمتلقي رسالةً ما ،لا يمكن أن يكون أدبا. نعم، الغموض سمة جمالية في الشعر والفنون شرط ألا يتحول إلى إبهام، فإن تحول إلى إبهام فقد رسالته وغادر فن الشعر.

فنون رمزية

ان الفنون الرمزية والسريالية والغرائبية لم تكن أحاجي وألغازاً مبهمة المعنى كما يتصور بعضهم ولا هي بعيدة عن رسالة الفن، ولكنها فنون اختطت لنفسها التعبير عن (المعنى) بوعي خاص وبأساليب وضعت لها أسسا وأهدافاً وشرحت الأسباب التي دفعت فنانيها للكتابة بها..فالرمز في الشعر والفنون يجب ان يشير أو يلمح إلى ما يقابله من دلالات عبر علاقات توحي وإن لم تصرح، وإلا سقط الرمز في هاوية العبث ، لأن غاية كل آداب العالم وفنونها هي التعبير عن المعنى وتوصيله للمتلقي بطرائق غير مباشرة. لأن النص الأدبي الجيد هو الذي لا يفصح بشكل مباشر،بل يشير إلى المعنى دون تصريح به، على العكس من النص الاعتيادي الذي يقول بغيته بشكل مباشر بينما تدور الفنون الأصيلة حول المعنى وتوحي به، ولذلك فهو عرضة لقراءات وتأويلات عدة..

  إن شباب اليوم بحاجة الى قراءات معمقة ليس في الشعر حسب وإنما في الفنون والمعارف كلها والتاريخ الإنساني والحضارات، كما أنهم بأمس الحاجة لوعي فني بجماليات ما يقرأون وتلوينه وتنويعه، فالأدب اليوم فضاء واسع لاستيعاب كل الفنون والمعارف والفلسفات والعلوم، ولذلك فإن النصيحة الصادقة للموهوبين منهم هي تجنب العجلة في نشر المجاميع الأدبية والفنية، لكن الاستعجال سمة الكثيرين منهم ،مما يضيّع عليهم فرص الاستواء والنضج وسعة الرؤيا، لأن الشعرية موقف من العالم والانسان والوجود لا يتعمق إلا بالخبرات والتجارب والمتابعة الثقافية.

إن غياب المؤسسة النقدية والثقافية المسؤولة في الوطن العربي، وغياب المتابعة التي تفحص وتؤشر الجيد من الرديء وتمنع الرديء من التفشي والانتشار، وتشعر بالمسؤولية تجاه أدب الشباب الجيد وتخصيص فاحصين متخصصين متابعين لنصوصهم في الصحف والمجلات ودور النشر في الوطن العربي هو الذي أسهم في هذه الفوضى الثقافية وأساء إلى الشعر سيد الفنون بشكل خاص، باسم الحداثة مرة واسم الحرية مرات دون وعي باشتراطات الحداثة التي هي مشروع حضاري تقدمي دائم التطور،كما أن الحرية هي مبدعة الجمال وحاضنة الحب والتحضر وليست راعية الفوضى وركاكة التعبيروهشاشته. إن ثقل الواقع المادي الذي نعيشه وتهديد الانسان الدائم بالغياب والاندثار  يجعل من الحياة المعاصرة لا تطاق ، من هنا تكمنُ مهمة الفن في منع ثقل المادة والحقائق المُرة من سحقنا لأن معرفة العالم تعني إذابة صلابته كما يؤكد “كالفينو”.إن الثقافة ومعها الابداع جزء مهم من حركة المجتمع، ولا شك أن المجتمع العربي يعيش اليوم أسوأ مراحله التاريخية من النواحي الحياتية كلها بسبب إجهاز المجرمين على المعنى ،ومنع الخيّرين من الإمساك به والسعي الايجابي لتحقيقه.

عدد المشـاهدات 103   تاريخ الإضافـة 22/06/2020   رقم المحتوى 40232
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
السبت 2020/8/8   توقيـت بغداد
تابعنا على